وأرشدت الآية: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا.. على ظهور العجز التام عن المعارضة، وعلى استحقاق الكافرين النار لإنكارهم نبوة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ولعدم تصديقهم بالقرآن، وعلى أن من اتقى النار ترك المعاندة، وعلى أن النار حاليا ومن القديم مخلوقة مهيأة موجودة معدّة للعصاة والفسّاق والكفّار. قال القرطبي «١» : فيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافا للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن.
جزاء المؤمنين العاملين
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥]
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
الإعراب:
مُتَشابِهاً منصوب على الحال من الضمير في بِهِ والعامل فيه: أُتُوا أي يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم.
مُطَهَّرَةٌ نعت للأزواج، ومطهرة في اللغة: أجمع من طاهرة وأبلغ. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ «هم» : مبتدأ، و «خالدون» خبره، والظرف ملغى. ويجوز في غير القرآن نصب «خالدين» على الحال.
والسبب في تنكير جنات وتعريف الأنهار: أن الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك
الجنان. وأما تعريف الأنهار: فلأن إيراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفاكهة، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو المراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة، كقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم ١٩/ ٤]، أو لأنه يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ.. [محمد ٤٧/ ١٥].
لمفردات اللغوية:
وَبَشِّرِ أخبر. الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا بالله. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل. أَنَّ أي بأن. جَنَّاتٍ حدائق ذات شجر ومساكن، وهي دار الخلود للمؤمنين، وسميت جنة، لأنها تجنّ من فيها أي تستره بشجرها. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تحت أشجارها وقصورها. الْأَنْهارُ المياه فيها. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ أطعموا من تلك الجنات.
رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ من الحور وغيرها. مُطَهَّرَةٌ من الحيض والبصاق وسائر الأقذار. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون، والخلود: البقاء، ومنه جنة الخلد.
المناسبة:
يعقد القرآن عادة مقارنات بين الأشياء المتضادة، فلما ذكر الله جزاء الكافرين والعصاة، أردف ذلك ببيان جزاء المؤمنين الأتقياء الأطهار، ليظهر الفرق بين الفريقين، وليكون ذلك أدعى للعبرة والعظة، والامتثال من مقارنة الأحوال.
التفسير والبيان:
بشّر يا محمد أنت وورثتك من العلماء: المؤمنين المتقين، الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات والحسنات أن لهم حدائق ذات أشجار ومساكن، تجري من تحت
قصورها ومساكنها أنهار الجنة «١»، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وفيها- كما
ورد في الصحيحين- ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر
، وهو معنى قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة ٣٢/ ١٧].
فيها الأرزاق الدائمة والثمار الشهية المتنوعة، كلما قدمت لهم ثمرة منها في أول النهار وآخره، قالوا متعجبين: هذه الثمرة كالتي رزقناها في الدنيا، فإذا أكلوها وجدوا لها طعما غير الطعم المعتاد، وأدركوا أنها تشبه ثمار الدنيا في المنظر والشكل والجنس فقط، وتختلف في الذوق والطعم والحجم، فهي مما لم يروه أبدا، وجيئوا بها مشابهة لثمار الدنيا المألوفة، مع اختلاف المادة والطعم، قال ابن عباس:
«ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء»، وقال الطبري «٢» :«أولى التأويلات تأويل من قال: وأتوا به متشابها في اللون والمنظر، والطعم مختلف، يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفا في الطعم والذوق.
ومن الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله أن في الجنة للمؤمنين زوجات من الحور العين، مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، مطهرات من الأقذار والأدناس المنفرة: الحسية والمعنوية، كالحيض والنفاس، والحدث من البول والغائط، والتنّخم أو البصاق، وشرور النفس والهوى.
روى مسلم أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النّفس».
روى أبو هريرة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنهار الجنة تفجر من تحت تلال أو من تحت جبال المسك».
(٢) تفسير الطبري: ١/ ١٣٥ وما بعدها، ومثله تفسير الرازي: ٢/ ١٣٠
لكن ورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أفضل من الحور العين، المذكورات في قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة ٥٦/ ٣٥- ٣٨].
روى الترمذي عن أم سلمة: «.. قلت: يا رسول الله، نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظهارة على البطانة. قلت:
يا رسول الله، وبم ذاك؟! قال: بصلاتهن وصيامهم وعبادتهن الله عزّ وجلّ» «١».
وثبت في الصحيح أيضا: أن لكل رجل في الجنة زوجتين اثنتين.
قال العلماء: إحداهن من نساء الدنيا، والأخرى من نساء الجنة.
وتمتاز الجنة عن الدنيا بأنها دار الخلود أي الدوام والبقاء والمكث الطويل، الذي لا بديل عنه، وهو تمام السعادة، وأمل المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتوالى البشائر القرآنية المفرحة للنفوس، المحرّكة للقلوب، بأن الجنة دار النعيم الدائم المقيم هي المخصصة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. والإيمان بمجرده لا يكفي، بل لا بدّ من أن ينضم إليه الطاعة والعمل الصالح. ونعيم الجنة غير محدود ورزقها لا ينقطع، وإنما أراد الله أن يقرب لعقولنا ما أعدّ فيها، بهذه الآية وغيرها، وبما أن طبيعة البشر تتعلق عادة بالماديات، أغراهم الله بما تميل إليه نفوسهم، فوعدهم بالحقائق المادية، المعبر عنها في آية أخرى بإيجاز: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف ٤٣/ ٧١]، ويظل الإنسان في عالم الآخرة إنسانا لا ملكا، وإنما تكون لذاته الإنسانية أكمل مما كان في الدنيا، وأسلم من المنغصات.
وأما الأعمال الصالحة التي تبوّئ أصحابها الجنان: فهي كل خير أقره العرف
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي