ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ١
وفيها ثلاث مسائل.
[ ٨١ ] : المسألة الأولى : المفاضلة بين الأنبياء والرسل.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى –
وصح أن نساءه عليه الصلاة والسلام أفضل النساء جملة، حاشا اللواتي خصهن الله تعالى بالنبوة٢ كأم إسحاق، وأم موسى، وأم عيسى عليه السلام وقد نص الله تعالى على هذا بقوله الصادق يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ٣ ولا خلاف بين المسلمين في أن جميع الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين أن كل نبي منهم أفضل ممن ليس نبيا من سائر الناس، ومن خالف هذا فقد كفر٤.
فإن اعترض معترض بقول النبي صلى الله عليه وسلم " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وامرأة فرعون " ٥ فإن هذا الكمال إنما هو الرسالة والنبوة التي تفرد بها الرجال وشاركهم بعض النساء النبوة وقد يتفاضلون أيضا فيكون بعض الأنبياء أفضل من بعض ويكون بعض الرسل أكمل من بعض قال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ٦ فإنما ذكر في هذا الخبر من بلغ غاية الكمال في طبقته ولم يتقدمه منهم أحد وبالله تعالى التوفيق٧.
فإن قيل قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تفاضلوا بين الأنبياء " ٨ " ولا تفضلوني على يونس بن متى " ٩.
قلنا : نعم، قال ذلك عليه الصلاة والسلام قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى فضل بعضهم على بعض، وأنه سيد ولد آدم، وهذا هو الحق أن لا يفضل أحد على أحد إلا بنص، ومن الباطل المحال أنه يخبره الله تعالى بأنه فضل بعضهم على بعض، ثم ينص هو عليه الصلاة والسلام، عن المفاضلة بينهم فيخالف ربه تعالى١٠.
هذا ما لا يظنه مسلم١١.
[ ٨٢ ] : المسألة الثانية : إثبات صفة الكلام لله عز وجل.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
إن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ومن شاء من رسله قال تعالى وكلم الله موسى تكليما ١٢ وقال تعالى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ١٣ وقال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤، ١٥.
[ ٨٣ ] : المسألة الثالثة : رأيه التفسيري في قوله تعالى ولو شاء الله ما اقتتلوا ١٦.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
قال الله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ١٧.
فليت شعري إذ زادهم الله مرضا أتراه لم يشأ، ولا أراد ما فعل من زيادة المرض في قلوبهم، وهو الشك في الكفر ؟ وكيف يفعل الله ما لا يريد أن يفعل ؟ وهل هذا إلا إلحاد مجرد ممن قاله ؟ وقال تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ١٨ فنص تعالى على أنه لو شاء لم يقتتلوا، فوجب ضرورة أنه شاء وأراد أن يقتتلوا، وفي قتال المقتتلين ضلال بلا شك، فقط شاء الله تعالى كون الضلال ووجوده بنص كلامه تعالى، وقال عز وجل ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ١٩.
فنص تعالى على أنه أراد فتنة المفتتنين، وهم كفار، وكفرهم الذين لم يملك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله شيئا، فهذا نص على أن نعمة الله تعالى أراد كون الكفر من الكفار٢٠.

١ سورة البقرة: آية ٢٥٣..
٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – معلقا على رأي ابن حزم – رحمه الله - :((فهذا قول شاذ لم يسبق إليه أحد من السلف، وأبو محمد مع كثرة عمله وتبحره وما يأتي به من الفوائد العظيمة له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه كما يعجب مما يأتي من الأقوال الحسنة الفائقة وهذا كقوله إن مريم نبية وإن آسية نبية، إن أم موسى نبيه. وقد ذكر القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلي وأبو المعالي وغيرهم الإجماع على أنه ليس في النساء نبية والقرآن والسنة دلا على ذلك كما في قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى وقوله ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ذكر أن غاية ما انتهت إليه أمه الصديقة)) مجموع الفتاوى (٤/٣٩٦). وتكون دراسة هذه المسألة في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى..
٣ سورة آل عمران: آية ٤٢..
٤ المفاضلة بين الصحابة لابن حزم ص (١٩٥)..
٥ صحيح البخاري كتاب الأنبياء / باب قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم (٣/١٢٦٦) حديث رقم (٣٣٥٠)..
٦ سورة البقرة: من آية ٢٥٣..
٧ المفاضلة بين الصحابة ص (٢٢٣)..
٨ جاء في صحيح البخاري ومسلم بلفظ (لا تخيروا بين الأنبياء)، صحيح البخاري كتاب التفسير / باب ولما جاء موسى لميقاتنا(٤/١٧٠٠) حديث رقم (٤٣٦٢)، صحيح مسلم كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عليه السلام (١٥/١٣٠) حديث رقم (٦١٠٦)..
٩ جاء في البخاري ومسلم "لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى" في البخاري كتاب الأنبياء / باب قول الله تعالى وإن يونس لمن المرسلين(٣/١٢٥٤) حديث رقم (٢٣٢٣١)، صحيح مسلم كتاب الفضائل / باب في ذكر يونس عليه السلام (١٥/١٣١) حديث رقم (٦١٠٩)..
١٠ قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه: أحدها أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر، والثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع، والثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر، الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبة، الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم إنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به. تفسير القرآن العظيم (١/٣١١).
وذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيره من زيادة الأحوال والخصوص والكرامات فقد قال ما نصه: قلت: وأحسن من هذا قول من قال إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمصخرات المثبتات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، لذلك منهم رسل وأولو عزم ومنهم من اتخذ خليلا، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل.
... ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم. وهذا مما لا خفاء فيه. الجامع لأحكام القرآن (٢/١٧١).
واختار ابن عطية أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالا كقوله صلى الله عليه وسلم "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ولم يعين ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله "لا تفضلوني على موسى" وقوله "لا ينبغي لأحد أ، يقول أنا خير من يونس بن متى" المحرر الوجيز (٢/٢٧١)..

١١ الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم ص (٢٢٣)، انظر الفصل (٤/٢٠٧)..
١٢ سورة النساء: من آية ١٦٤..
١٣ سورة الأعراف: من آية ١٤٤..
١٤ سورة البقرة: من آية ٢٥٣..
١٥ المحلى لابن حزم (١/٥٦)..
١٦ سورة البقرة: من آية ٢٥٣..
١٧ سورة البقرة: من آية ١٠..
١٨ سورة البقرة: من آية ٢٥٣..
١٩ سورة المائدة: من آية ٤١..
٢٠ الفصل لابن حزم (٣/١٨٤-١٨٥)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير