تلك الرسل إشارة إلى جماعة المرسلين التي علمت بقوله وإنك لمن المرسلين واللام للاستغراق والموصوف مع الصفة مبتدأ خبره فضلنا بعضهم على بعض الفضل هو زيادة أحد الشيئين على آخر في وصف مشترك بينهما، وفي العرف والاصطلاح يختص ذلك بوصف الكمال وهو ما يقتضي مدحا في الدنيا وثوابا في الآخرة، فإن كان أحدهما مختصا بوصف كمال والآخر بوصف كمال آخر فلكل واحد منهما فضل جزئي على الآخر في مطلق الكمال أعني في استحقاق المدح والثواب والفضل الكلي لمن له زيادة الثواب ومزية القرب عند الله تعالى، فالرسل والأنبياء عليهم السلام شركاء في درجة الرسالة أو النبوة وموجبات الأجر والثواب وفيما بينهم تفاضل عند الله تعالى بناء على كثرة الثواب ومزيد القرب لا يعلمه كما هو إلا الله تعالى وقد يدرك بعض ذلك بتعليمه تعالى كقوله منهم من كلم الله قال أهل التفسير : هو موسى عليه السلام لقوله تعالى : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ١ وهذه الآية لا يقتضي تخصيصه عليه السلام بذلك الفضيلة فقيل إنه موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم كلم الله موسى على الطور ومحمد ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ٢ وشتان ما بينهما ورفع بعضهم درجات على بعضهم أوعلى كلهم، أما رفع درجات بعضهم على بعضهم ففي كثير من الأنبياء والرسل حيث فضل الرسل على الأنبياء وأولي العزم من الرسل على غيرهم ونحو ذلك وأما رفع درجات بعضهم على كلهم فذلك مختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابت لك بوحي غير متلو وانعقد عليه الإجماع، عن أبي سعيد الخدري : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من بني آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعن ابن عباس قال جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون قال بعضهم إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر موسى كلمه الله الله تكليما وقال آخر عيسى كلمة الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" قد سمتعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك ومويى نجي الله وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلني ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر " رواه الترمذي والدارمي، وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا قائد المرسلين ولا فخر وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شابع ومشفع ولا فخر " رواه الدارمي، وعن أبي بن كعب قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين أول من ينشق عنه الأرض فاكسي حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرض ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام عير " رواه الترمذي، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سلوا الله الوسيلة، قالوا يا رسول الله ما الوسيلة ؟ قال أعلى درجة الجنة لا ينالها إلا رجل واحد أرجو أن أكون أنا هو " رواه الترمذي، وهذه الأحاديث وإن كانت من الآحاد لكنها متواترة من حيث المعنى وتلقته الأمة بالقبول، قال الإمام محيي السنة البغوي رضي الله عنه : ما أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم مثل تلك الآية وفضل على غيره بآيات مثل انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجدع على مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه غير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله ثم روى بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " متفق عليه، وبسنده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا أو طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم يحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " متفق عليه، وبسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" فضلت على الأنبياء بست أوتيت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجلعت لي الأرض مسجدا أو طهورا، وأرسلت إلى الخلف كافة، وختم بي النبيون " رواه مسلم، وهذا الباب طويل جدا لا يسعه المقام وقد صنف في مجلدات وآتينا عيسى ابن مريم البينات كلم الناس في المهد وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وأنزل عليه مائدة من السماء وأيدناه بروح القدس وقد مر تفسيره فيما قبل خص الله سبحانه عيسى بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه ولو شاء الله هداية الناس جميعا ما اقتتل الذين من بعدهم أي من بعد الرسل من بعد ما جاءتهم البينات المعجزات الواضحات ولكن اختلفوا بإرادة الله سبحانه إظهار صفاته الجلالية والجمالية وأسمائه من الهادي والمضل والغفار والقهار والمنتقم والعفو وغيرها فمنهم من آمن تفضا بهدايته وتوفيقه التزام دين الأنبياء وهم الذين كان دينهم صفة الهداية ومنهم من كفر بخذلانه عدلا وهم الذين كان دينهم صفة الإضلال، عن أبي موسى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نوره فمن أصاب ذلك النور اهتدى ومن أخطى ضل فلذلك أقول جف. القلم على علم الله " رواه أحمد والترمذي ولو شاء الله ما اقتتلوا كرره للتأكيد ولكن الله يفعل ما يريد لا يجوز عليه الاعتراض ولا يبلغ إلى كنه حكمته غيره، قال البغوي : سأل رجل علي بن أبي طالب فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ؟ قال : طريق مظلم فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلجه، فأعاد فقال : سر خفي لا تفتشه، يعني هو أمر لا يمكن دركه بالعقل وتفتيشه يوجب الهلاك كما يوجب الهلاك الولوج في البحر العميق والسلوك في الطريق المظلم. عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم فيه لم يسأل عنه " رواه ابن ماجه، وقال أبي بن كعب : لو أن الله عذب أهل سمواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كان رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما كان قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النارر، وقال ابن مسعود وحذيفة بن اليمان مثل ذلك، وحدث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، فإن قيل : هذه الآية تدل على كون بعض الرسل أفضل من بعض فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم :" لا تفضلوا بين أنبياء الله " وفي رواية :" لا تخيروني على موسى " وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا أقول أن أقول أن أحدا أفضل من يونس بن متى، متفق عليه من حديث أبي هريرة ؟ قلنا :" معناه أنه لا يجوز الحكم بتفضيل بعضهم على بعض بالرأي من غير دليل وتوفيق من الله سبحانه لأن الفضل عبارة عن كثرة الثواب وزيادة القرب إلى الله تعالى وذا لا يدرك بالرأي فأما إذا ثبت بالكتاب والسنة، فإن كان الدليل ظني المتن أو السند فلا بأس بالقول به مع تجويز نقيضه وإن كان قطعا يجب الاعتقاد به و كذا الحال في تفضيل غير الأنبياء بعضهم على بعض وأما قوله عليه السلام :" لا تخيروني على موسى ولا أقول أن أحدا أفضل من يونس بن متى " فمحمول على أنه كان قبل علمه بأفضليته صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء والله أعلم.
مسألة : وهذه الآية حجة لأهل السنة على المعتزلة في أن الحوادث كلها بيد الله تعالى تابعة لمشيئته خيرا كان أو شرا إيمانا كان أو كفرا، وليس الأصلح ولا شيء من الأشياء واجبا عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا. عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك " رواه مسلم، وروى عنه أحمد والترمذي نحوه، والترمذي وابن ماجه عن أنس وأحمد عن أبي موسى نحوه.
٢ سورة النجم، الآية: ٩-١٠.
التفسير المظهري
المظهري