الطيبة فلم يعط الله أحدا مثل صوته وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتطلبه الطير مصيخة له ويركد الماء الجاري وتسكن الريح وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ المصدر مضاف الى فاعله اى صرفه النَّاسَ مفعول الدفع بَعْضَهُمْ الذين يباشرون الشر والفساد وهو بدل من الناس بدل بعض من كل بِبَعْضٍ آخر منهم بردهم عماهم عليه بما قدر الله من القتل كما في القصة المحكية وغيره وهو متعلق بالمصدر لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ويصلحها وقيل لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض ومن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر قال رسول الله ﷺ (ان الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت جيرانه البلاء) ثم قرأ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ثم ان فيه تنبيها على فضيلة الملك وانه لو لاه لما انتظم امر العالم. ولهذا قيل الدين والملك توأمان ففى ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لان الدين أساس والملك حارس ومالا أس له فمهدوم ومالا حارس له فضائع والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج الى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الأنبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب ان يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر في اقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض. وتفصيله ان دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفى. فالظاهر ما كان بالسواس الاربعة الأنبياء والملوك والحكماء المعنيين بقوله (ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا) والوعاظ. فسلطان الأنبياء عليه السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل نحن ملوك أبدانهم لا ملوك اديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة. واما الدفع الخفي فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب في التزام سلطان الظاهر وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عظيم لا يقادر قدره عَلَى الْعالَمِينَ كافة يعنى لكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتظم به مصالح العالم وتنصلح احوال الأمم. ففضله تعالى يعم العوالم كلها اما في عالم الدنيا فبهداية طريق الرشد والصلاح واما في الآخرة فبالجنات والدرجات والنجاة والفلاح ومن جملة فضله تعالى على العالمين دفع البليات عن بعض عباده بلا واسطة كالانبياء وكمل الأولياء ومن اقتفى اثرهم من اهل اليقين تِلْكَ اشارة الى ما سلف من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داود جالوت آياتُ اللَّهِ المنزلة من عنده نَتْلُوها عَلَيْكَ اى بواسطة جبريل بِالْحَقِّ حال من مفعول نتلوها اى ملتبسة بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه اهل الكتاب وارباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما في كتبهم وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ اى من جملة الذين أرسلوا الى الأمم لتبليغ رسالتنا واجراء أوامرنا وأحكامنا عليهم والا لما أخبرت بتلك الآيات من غير تعرف ولا استماع والتأكيد لرد قول الكفار لست رسولا قال بعضهم
| ألا اى احمد مرسل شود هر مشكل از تو حل | كنم وصف ترا مجمل تويى سلطان هر مولى |
| شريعت از تو روشن شد طريقت هم مبرهن شد | حقيقت خود معين شد زهى سلطان بي همتا |
كلهم متساوون في النبوة لان النبوة شىء واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات. بلغ بعضهم منصب الخلة كابراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره. وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النغمة ولم يحصل هذا لغيره. وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لابيه داود. وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا الى الجن والانس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة. ومنهم من دعا أمته بالفعل الى توحيد الافعال وبالقوة الى الصفات والذات. ومنهم من دعا بالفعل الى الصفات ايضا وبالقوة الى الذات. ومنهم من دعا الى الذات ايضا بالفعل وهو ابراهيم عليه السلام فانه قطب التوحيد إذ الأنبياء كانوا يدعون الى المبدأ والمعاد والى الذات الاحدية الموصوفة ببعض الصفات الإلهية الا ابراهيم عليه السلام فانه دعا الى الذات الإلهية الاحدية ولذا امر الله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً فهو من اتباع ابراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل إذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالانبياء وان كانوا متفاوتين في درجات الدعوة بحسب مشارب الأمم الا ان كلهم واصلون فانون في الله باقون بالله لان الولاية قبل النبوة حيث ان آخر درجات الولاية أول مقامات النبوة فهى تبتنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء في الله والبقاء بالله فالنبى لا يكون الا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ اى
فضله الله بان كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه واختلفوا في الكلام الذي سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الأزلي الذي ليس من جنس الحروف والأصوات. قال الأشعري واتباعه المسموع هو ذلك الكلام الأزلي قالوا كما انه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ اى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بان فضله على غيره من وجوه متعددة او بمراتب متباعدة والظاهر انه أراد محمدا ﷺ لانه هو المفضل عليهم حيث اوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية الى ثلاثة آلاف آية واكثر ولو لم يؤت الا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما اوتى الأنبياء لانه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي الحديث (فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبيون) قال في التأويلات النجمية اعلم ان فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لان الرفعة في الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبي عليه السلام فيما يخبر عن المعراج انه رأى آدم في السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف في السماء الثالثة وإدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة وابراهيم في السماء السابعة وعبر النبي عليه السلام حتى رفع الى سدرة المنتهى ومن ثم الى قاب قوسين او ادنى فهذه الرفعة في الدرجة في القرب الى الحضرة كانت له
على قدر قوة ذلك النور في استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبي عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبى بقدر بقية ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السموات فانه صلى الله تعالى عليه وسلم ما بقي في مكان ولا في الإمكان لانه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فانك لا تجد هذه المعاني الا هاهنا انتهى كلام التأويلات النجمية وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وشفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين والاخبار بالمغيبات والإنجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع ان إيتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لانها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع انه غير مختص بايتاء البينات تقبيحا لافراط اليهود في تحقيره حيث أنكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولافراط النصارى في تعظيمه حيث أخرجوه عن مرتبة الرسالة وَأَيَّدْناهُ اى قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى الروح المطهرة التي نفحها الله فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والأنثى لانه عليه السلام لم تضمه أصلاب الفحول ولم يشتمل عليه أرحام الطوامث. فالقدس بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق او القدس هو الله وروحه جبريل والاضافة للتشريف والمعنى أعانه بجبريل في أول امره وفي وسطه وفي آخره اما في الاول من امره فلقوله فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا واما في وسطه فلان جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الأعداء واما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل ورفعه الى السماء وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد الرسل من الأمم المختلفة اى لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق مَنْ متعلقة باقتتل بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ من جهة أولئك الرسل الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الاعراض عن سننهم المؤدى الى القتال وَلكِنِ اخْتَلَفُوا اى
لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لانهم اختلفوا اختلافا فاحشا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ اى بما جاءت به أولئك الرسل من البينات وعملوا به وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بذلك كفرا لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء أحوالهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ عدم اقتتالهم بعد هذه المرة ايضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة مَا اقْتَتَلُوا وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما ان الكل تحت ملكوته وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ اى من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فان الترك ايضا من جملة الافعال اى يفعل ما يريد حسبما يريد من غير ان يوجبه عليه موجب او يمنعه منه مانع. وفيه دليل بين على ان الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان او شرا ايمانا كان او كفرا وهذا نذير على المعتزلة قال الامام الغزالي
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء