ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ( ٢٥٣ )
في الآيات السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى اصطراع الحق مع الباطل، وانتصار الحق في المآل، لأن غلبة الباطل فيها فساد الأرض [ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض... ٢٥١ ] ( البقرة ) وذكر في ختام الآيات السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم من المرسلين الذين بعثوا لينصروا الحق، وليعم نور الله في الآفاق.
وفي هذه الآيات التالية يبين سبحانه أن الرسل، وإن كانوا جميعا مبعوثين من رب العالمين، ليسوا في درجة واحدة، وأن بعثهم ينصر الحق ولا يمحو الباطل، ويرفع منار الهدى، ولا يزيل الضلال، ولكنه يكون ضلالا بعد البينات، ولا يكون ضلالا عن جهالة، فلا يعذر فيه الضال، ولذلك كان القتال بعد الأنبياء بين المهتدين والضالين، وتلك إرادة الله، وقد ابتلى الخير بالشر، والمهتدين بالضالين [ وليمحص الله الذين آمنوا... ١٤١ ] ( آل عمران ).
[ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ] الإشارة هنا إلى جماعة الرسل الحاضرة في ذهن التالي للقرآن الكريم، المستقرة في وعيه بما ختمت به الآيات السابقة، وهو قوله تعالى :[ وإنك لمن المرسلين ٢٥٢ ]. والإشارة باللفظ الدال على البعيد، لبيان علو منزلتهم أجمعين، وأنهم المصطفون الأخيار، وأنهم مهما تتفاوت منازلهم في رسالاتهم، هم جميعا ليسوا كسائر الناس، فلهم شرف البعث والرسالة والاصطفاء.
و التفضيل مشتق من الفضل وهو الزيادة، فمعنى [ فضلنا بعضهم على بعض ] هو كقوله تعالى :[ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض... ٥٥ ] ( الإسراء ) أي جعلنا لبعضهم زيادة في بعض النواحي على البعض الآخر. والفضل هنا إضافي وليس بذاتي، أي أن هذا ليس من ذات الرسل، إنما هو بما يختص الله بعضهم من معجزات مغايرة لمعجزات الآخرين. ثم التفضيل إضافي لأنه يكون في ناحية من النواحي، وقد يكون هناك ناحية أخرى فضل بها المفضول غيره، فموسى فضل على عيسى بأنه كلمه الله، وعيسى فضل على موسى بأنه أحيا الموتى ؛ فالتفضيل إذن إضافي في موضوعه، وفي نوعه، وفي نواحيه.
و إن تفسير التفضيل على ذلك النحو فيه توفيق بين الآيات الكريمات المثبتة للتفضيل بين الرسل وبين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن التخيير بين الأنبياء.
فقد روى الأئمة الثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تخيروا بين الأنبياء " ١ " ولا تفضلوا بين أنبياء الله "٢ وفوق ذلك فإن النهي عن أن يجري على ألسنة الناس تفضيل نبي بذاته على نبي آخر فتكون المشادة والملاحاة. وروي في الصحيحين عن أبي هريرة قال :" استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي وقال : أي خبيث ! وعلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ! فاشتكى المسلم، فقال صلى الله عليه وسلم :" لا تفضلوني على الأنبياء " ٣.
و النهي عن التفضيل منعا للمماراة لا ينفي حقيقة التفضيل المقررة، كما أن النهي عن سب الأوثان لا يثبت أنها واجبة الاحترام، إذ النهي لسد الذريعة، فلا يمنع ثبوت الحقيقة.
و إن هذه الآية الكريمة سيقت لبيان فضل بعض النبيين على بعض لكيلا يندفع بعض الناس إلى الجحود، فيقولوا : إننا نتبع النبي موسى أو عيسى دون محمد، وما داموا جميعا أنبياء فأيهم نتبع يكون في اتباعه النجاة، فبين سبحانه أنه فضل بعض الرسل على بعض في الشريعة والزمان، فجعل محمدا شريعته عامة ناسخة لما عداها، ورسالته للناس كافة، وهو خاتم النبيين، وذلك من فضل الله، كما أن من فضله أنه كلم موسى تكليما، ومن فضله أن جعل عيسى يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخبر الناس بما في بيوتهم، فليس لأحد أن يرفض شريعة محمد ؛ لأنه اختار شريعة عيسى، إذ إن من فضل الله الذي اختص به محمدا صلى الله عليه وسلم أن جعل شريعة ناسخة لغيرها ؛ لأنها آخر الشرائع ؛ ولأن محمدا خاتم النبيين، ورسالته عامة شاملة للناس كافة، وكانت رحمة للعالمين.
[ منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ] في هذه الجملة السامية من الآية الكريمة بيان لبعض وجوه التفضيل التي اختص الله سبحانه وتعالى بها بعض النبيين، وهي في الحقيقة وجوه للتفضيل لا تتصل بأشخاصهم، بل تتصل برسالاتهم، وما تؤيده هذه المعجزات من شرائع، ومن تخاطبهم من أقوام تكون تلك المعجزات مناسبة لهم.
و في هذه الجمل ذكر الله نبيين من أولى العزم من الرسل، وأشار إلى ثالث :
فأما الأول فهو موسى ؛ قد أشير إليه بما يشبه النص بقوله :[ منهم من كلم الله ] فإن ذلك هو موسى عليه السلام، فقد قال سبحانه وتعالى في شأن موسى عليه السلام :[ وكلم الله موسى تكليما ١٦٤ ]( النساء ) وقال سبحانه :[ يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي... ١٤٤ ] ( الأعراف ) وقال تعالى :[ ولما جاء موسى لميقاتنا.. ١٤٣ ]( الأعراف ).
فهذه الآيات الكريمات تدل على أن الله سبحانه وتعالى قد اختص موسى عليه السلام بكلامه، وهو إحدى طرق اتصال رب العالمين بالمبعوث من خلقه، فقد قال تعالى :[ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ٥١ ] ( الشورى ) وكلام الله سبحانه وتعالى مع موسى كان من النوع الثاني، وهو الكلام من وراء حجاب.
و كان خطاب الله سبحانه وتعالى بتكليمه من وراء حجاب مناسبا لأقوام موسى ؛ لأنهم قد غلبت عليهم المادية، وغلب عليهم الجحود وإنكار الألوهية لرب السماوات والأرض، حتى لقد قالوا :[ أرنا الله جهرة... ١٥٣ ] ( النساء )، فكان المناسب لمثل هؤلاء الأقوام أن يكون كلام الله للمبعوث إليهم مباشرة ولا يكون وحيا يوحى، ولا برسول من الملائكة يرسله إليه، فما كان ذلك تشريفا فقط لموسى، بل كان مع ذلك التشريف مقصد يتفق مع حكمة الله سبحانه وتعالى، وهو العلي الحكيم.
و ليس معنى ذلك الاختصاص أن الله سبحانه وتعالى قد رفع الله به موسى عليه السلام على كل الرسل، بل إن الله سبحانه رفع بعض الأنبياء درجات، وإن لم يكن لهم ذلك الاختصاص ؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرفع ويخفض، وهو الذي يختص برحمته واصطفائه من يشاء، ولذلك قال سبحانه وتعالى بعد ذكر تكليم الله لبعض رسله [ ورفع بعضهم درجات ] فقرن هذه بكلام موسى لتدل على أن التكليم وإن كان شرفا عظيما لا يقتضي أن يكون الملك فوق الأنبياء منزلة، بل إن بعض من لم يكلمه الله رفعه الله درجات.
والدرجات جمع درجة، وهي المنزلة الرفيعة السامية، وفي التعبير بالجمع إشارة إلى علو المنزلة، وكبر التفاوت بينه وبين غيره ممن لم يؤت ما آتاه الله، وما نيط به من تكليف هو عين التشريف.
و إن الله سبحانه قد ذكر أنه رفع مقام بعض النبيين، فقد ذكر عن إدريس عليه السلام أنه رفعه مكانا عليا، فقال سبحانه :[ ورفعناه مكانا عليا٥٧ ] ( مريم ) ولكن الرفع إلى مكان علي غير الرفع درجات ؛ لأن الرفع درجات يدل على التفاوت بينه وبين غيره كما قال تعالى في حقوق الرجال والنساء :[ وللرجال عليهن درجة... ٢٢٨ ] ( البقرة ) أما الرفع إلى مكان علي فلا يدل على هذا التفاوت.
و إن ذلك الارتفاع درجات عن النبيين كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو ذو الدرجات الرفيعة، لمعجزته الباقية إلى يوم القيامة، ولشريعته الخالدة، ولعموم رسالته، ولأن أمته الآخذة بشرعه المتبعة له حقا وصدقا خير أمة أخرجت للناس. ولقد قال الزمخشري في ذلك المقام ما نصه :" الظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة.. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء ؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. و في هذا الإبهام ( أي أنه لم يذكر اسم محمد ) من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفي، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال للرجل من فعل هذا ؟ فيقال أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به، وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره ".
و إن القرآن الكريم قد جاء فيه ما يدل على رفعة محمد صلى الله عليه وسلم درجات بشريعته، فقد كانت شريعته رحمة للعالمين كما قال تعالى :[ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا... ٢٨ ] ( سبأ ) ورفعه سبحانه بمعجزته الكبرى وهي القرآن، فقد قال فيه سبحانه :[ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم... ٥٥ ] ( الزمر ) ولقد قال صلى الله عليه وسلم :" بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة " ٤.
بعد أن أشار سبحانه إلى علو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر ما اختص به عيسى عليه السلام من فضل فقال :[ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ] وكان ذكر فضل النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل النبيين قبله للمسارعة إلى أنه مهما يكن ما اختص كل واحد منهما من معجزات ترفعه فمقامه ليس أعلى من مقام النبي صلى الله عليه وسلم، بل للنبي فوق ذلك درجات.
ذكر الله سبحانه ما اختص به عيسى من فضل [ وآتينا ] أي أعطينا [ عيسى ابن مريم البينات ] أي المعجزات المبينة لصدق رسالته، من إحياء للموتى، وإبراء للأكمه والأبرص، وتصوير للطين كهيئة الطير، ثم يصير طيرا بإذن الله، وإخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وغير ذلك مما يدل على علو روحي، وأنه مؤيد من رب العالمين، وقال سبحانه في فضله أيضا :[ وأيدناه بروح القدس ] والقدس أصل معناه الطهارة، وهو يطلق على الطهارة المعنوية، وروح القدس الذي أيد الله به عيسى عليه السلام هو جبريل الأمين، وهو في عبارات الإسلام وفي لغة القرآن يطلق عليه، فقد قال تعالى، [ قل نزله روح القدس... ١٠٢ ] ( النحل ) أي أن القرآن الكريم نزل به الروح القدس الأمين، ولذا قال سبحانه في آية أخرى [ نزل به الروح الأمين ١٩٣ على قلبك لتكون من المنذرين ١٩٤ ] ( الشعراء ). وقد قيل إن روح القدس هو الإنجيل، وذلك لا يختلف في الجملة عن سابقه، إذ إن جبريل هو الذي نزل بالإنجيل والتأييد بروح القدس حينئذ يكون مقصورا على نزول الإنجيل، ولكن إطلاق العبارة في التأييد يشمل نزول جبريل بالإنجيل وتأييده بغير ذلك، فتفسير روح القدس بالإنجيل تفسير يؤدي إلى تأييد جزئي، أما تفسيره بجبريل الأمين فهو تفسير يؤدي إلى تأييد أوسع شمولا.
و لماذا خص سيدنا عيسى عليه السلام بأنه مؤيد بالروح القدس وهو جبريل، مع أن أكثر النبيين كانوا مؤيدين بنزول الشرائع من الله عليهم عن طريق جبريل ؟ والجواب عن ذلك أن السيد المسيح عليه السلام لم يكن محاربا لخصومه وأعدائه الذين يتربصون به الدوائر، من رومان ووثنيين ويهود ماديين، ولم يؤذن له في القتال، حتى يتولى حما

١ متفق عليه، رواه البخاري (٦٤٠٥) : الديات – إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب، ومسلم (٤٣٧٨) : الفضائل – من فضائل موسى عليه السلام، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..
٢ رواه البخاري: أحاديث الأنبياء (٣١٦٢)، ومسلم: الفضائل (٤٣٧٦)..
٣ راجع السابق، وبهذا اللفظ رواه البخاري (٢٢٣٥) : الخصومات – ما يكون في الإشخاص والخصومة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..
٤ رواه أحمد في مسنده (١٣٧٤٥). ورواه البخاري (٤١٩)، ومسلم (٨١٠)..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير