قيل: على صواب، ورشد من ربهم.
وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحق به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع. فظهر بهذا أَن الأول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.
وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
قيل فيه بوجوه:
قيل: الباقون في نعم اللَّه والخير.
وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.
وقيل: (الْمُفْلِحُونَ) هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.
وقيل: (الْمُفْلِحُونَ) الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا. وكله يرجع إلى واحد؛؛ كقوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)
هذا - واللَّه أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ اللَّه أَنهم لا يؤمنون، فأَخبر عَزَّ وَجَلَّ رسولَه بذلك، فكان كما قال.
وفيه آية النّبوَّة.
ويحتمل أَيضًا: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
والكافرون ما داموا كافرين ظالمون.
وقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)
رُويَ عن الحسن: " إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم اللَّه منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن ".
وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين:
أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعًا عليه.
والثاني: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبدًا، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.
فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.
والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: (خَتَمَ)، و (طَبع) يُعلم عَلَامة في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.
ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.
والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي: خلق الأكنة. وغيرهِ من الآيات.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم