ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

قوله - عز وجل - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الآية: (٦) - سورة البقرة
الكفر في اللغة الستر، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص والزارع لستره البذر في الأرض وليس لهما باسم كما ظن بعض أهل اللغة لما سمع قول الشاعر: ألقت ذكاء يمينها في كافر فإن ذلك على إقامة الوصف تمام المصوف، وقول الشاعر: كالكرم إذ نادى من الكافور، أي: الأكمام منه، وسمى القرية كفراً لذلك، وكفر النعمة: سترها، يقال: كفر كفراً وكفوراً، نحو شكر شكراً وشكوراً وهو كافر وكفور، وشاكر وشكور.
وحقيقة الكفر ستر نعم الله تعالى، ولما كانت نعمه تعالى بالقول المجمل ثلاثاً، نعمة خارجة: كالمال والجاه، ونعمة بدنية: كالصحة والقوة، ونعمة نفسية: كالعقل والفطنة، صار الشكر والفكر ثلاثة أنواع بحسبها، وأعظم الكفر ما كان مقابلاً للنعمة [النفسية] فيها يتوصل إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعم بالكفران فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق جحود الوحدانية والنبوة والشريعة..
، وقوله تعالى: سَوَاءٌ في الأصل مصدر كالعلاء والنماء، وفي المتعارف يستعمل في وسط الشيء المعتبر استواؤه بطرفيه، ومنه سواء الدار، وأما السيان: ففي الشيئين المعتبر أحدهما بالآخر في المساواة، فالشيء هو المساوي كالقتل والمثل في معنى المقاتل والمماثل، فإذا قيل: " سيان زيد وعمر "، فمعناه: " كل واحد منهما مساوٍ للآخر "، وإنما جاز قولهم: ([سواء] على أقمت أم قعدت) منه بإبهام الأمر على استواء الحالين لديه، وإن كان القصد الأول بهذا الكلام إلى الاستفهام دون المساواة، فلما صار فيه معنى الاستواء، جاز أن يقال ذلك بمعنى أن ما اقتضاه هذا السؤال سوى عندي، وأكثر النحويين جعلوا " سواء " مبتدأ وما بعده خبره، وقالوا: " كل جملة حصلت خبرا لمبتدأ فلابد من أن يكون فيها ضمير منطوق به، أو مقدر إلا هذه الجملة، فإنه لا ضمير فيها بوجه، وذكر بعضهم أن المبتدأ ههنا مقدر، وقد دل عليه لفظ الاستفهام وسواء: خبره فالجملة قد تدل على المخبر عنه نحو من كذب

صفحة رقم 87

كان شراً له أي كان الكذب شراً له، وهذا التقدير أجود لأمور منها: أنه لا ينكسر الباب على هذا، لأن الباب مقرر في أن الجملة إذا كانت خبراً فلابد لها من ضمير يرجع إلى المخبر عنه، والثاني: أنا إذا قلنا: " سواء عليهم القيام والقعود " يخبر عن القيام والقعود بالسواء لا عن السواء بالقيام والقعود والثالث: إن سواء نكرة غير موصوفة ولا محدودة، فيقبح الابتداء به، وقال أبو على الغنوي في نصرة المذهب الأول: " إنك إذا قلت سواء هو خبر، بقى الكلام بلا مبتدأ فالجملة بعده خبر ساقط على التقدير المتقدم ويشهد لصحة ما قلنا قولهم: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فإن قولهم: " تسمع " يدل على مبتدأ، وقولهم: " خير " خبره، كأنه قيل: " تسمع وسماعك بالمعيدي خير "، والإنذار إخبار فيه تخويف، كما أن التبشير إخبار فيه سرور، وقولهم: نذرت يقتضي معنى خشيت وخفت، وأما قولهم: " أنذرت "، فذلك تقديم قول يقتضي خوفاً من محذور أو رجاء لسرور.
إن قيل: كيف قال سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ الآية وقد علم أنه قد آمن من الذين كفروا قوم قيل: إيمان من آمن لا ينافي مقتضى الآية، وذلك أنه تعالى نفى أنهم ينتفعون بالإنذار مع حصول الكفر، فأما إذا زال الكفر وهو الجحود، فإنه لا يمتنع أن ينتفعوا بالإنذار، كقولك: " المريض سواء أطعمته أم لم تطعمه لا ينفعه الطعام " - تنبيهاً أنه ما دام مرضه حاصلاً لم ينفعه ذلك، ولا تقتضي أنه لا ينتفع بذلك إذا زال مرضه، وقد تقدم أن الطب ضربان: إزالة المرض، وحفظ الصحة، وأن الإنذار يجري مجرى الغداء الحافظ للصحة، وأن النظر في الأدلة المقتضية للتوحيد وإثبات الرسل جار مجرى الدواء المعيد للصحة، والمريض لا ينتفع بالغذاء ما لم يزل مرضه، فتبين أن الذي في قلبه مرض من الكفر لا ينتفع بما يجري مجرى الغذاء ما دام به المرض، وقد روى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ما دل على هذا، وهو أنه قال: " عنى به الجاحدين لنعمه " وأن الإنذار لا ينفعهم مع كفرهم "، وقيل: إن ذلك حكم على جميعهم، لأن النبي - عليه السلام - كان يحب أن يؤمنوا بأجمعهم، وإيمان بعضهم ليس يقتضي أن الحكم على الكل كاذب، وقيل: الآية نزلت في اليهود الذين حجدوا نبوة النبي - ﷺ - مع ظهور المعجزات لهم، ولم يؤمن أحد منهم، وقال الربيع: " نزلت في قادة الأحزاب الذين نزلت فيهم.

صفحة رقم 88

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية