قال رسول الله - ﷺ -: "وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (١).
٧١ - قوله تعالى: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ الذلول: المذللة بالعمل، و تُثِيرُ اَلأرَضَ أي: تقلبها للزراعة (٢). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (٣):
| إِذا كَانَ في صَدْر (٤) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ | فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (٥) |
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٢ و"تفسير الثعلبي" ١/ ٨٤ ب، و"تفسير أبي الليث" ١/ ٣٨٨.
(٣) نسبه المرتضى في أماليه، إلى أبي الطمحان، ونُسب في اللسان إلى الأقيبل القيني.
(٤) في (أ)، (ج): (صد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه يوافق المصادر الأخرى التي ورد بها البيت.
(٥) البيت في "أمالي المرتضى" ١/ ٢٥٩، "مقاييس اللغة" (أحسن) ١/ ٦٧، "الفائق" ١/ ٢٧، "اللسان" (أحن) ١/ ٣٥.
(٦) "تهذيب اللغة" (ثار) ١/ ٤٦٧، انظر: "الصحاح" (ثور) ٢/ ٦٠٦، "معجم مقاييس اللغة" (ثور) ١/ ٣٩٥.
وقوله تعالى: تُثِيرُ الأَرْضَ صفة لذلول (١)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (٢) قلنا: إن المراد بقوله: تُثِيرُ الأَرْضَ النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (٣)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (٤) قول طرفة:
| لا كَبِيرٌ (٥) دالفٌ من هَرَمٍ | أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (٦) |
انظر: "إعراب المشكل" ١/ ٥٣، "الكشاف" ١/ ٢٨٨، "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٤٦، "الإملاء" ١/ ٤٢، "البحر المحيط" ١/ ٢٥٥، "الدر المصون" ١/ ٤٢٩، ٤٣٠.
(٢) في (ب): (وكذلك).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٢٤، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٨٦، "الإملاء" ١/ ٤٢.
(٤) في (ب): (في).
(٥) في (ب): (كثير).
(٦) قوله: (دالف): الدالف هو الذي يقارب الخطو ويمشي مشي المقيد، (الهَرَم): أقصى الكبر، كَلُّ الظفُر) أي: ظفري غير كليل، كناية عن قوته وبطشه، وكليلُ الظفَّر: المهين الذي لا يؤبه له. ورد البيت في ديوان طرفة ص ٧٥، "مقاييس اللغة" (ظفر) ٣/ ٤٦٦، وفيه (لا كليل دالف)، وورد الشطر الثاني في "اللسان" (ظفر) ٥/ ٢٧٤٩، وفيه (لست بالفاني ولا كل الظفر).
قال ابن الأنباري (١): غلط أبو حاتم في هذا (٢)، لأنه قال: الوقف جيد على قوله: (ذلول) (٣)، ثم يبدأ بـ (تثير (٤) الأرض)، وقال: إن الله تعالى وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفاً لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهد من بقرنا.
وقد أبطل (٥) الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف (٦)، وردّ عليه هذا الاختيار بأن البقرة متى أثارت سقت، وغير جائز أن يُدّعى أعجوبةٌ في حرف من القرآن لم تؤثر (٧) عن أهل العلم ما ادعاه، فلا يقبل (٨) عنه ذلك، مع ما ذكرنا أنه لا يصح من (٩) طريق النحو أن المراد منه الإثبات. وموضع (تثير) رفع في التأويل لأنه نعت لذلول، والمعنى: أنها بقرة لا ذلول مثيرة للأرض، أي: ليست كذا ولا كذا، أي: لا توصف بالتذليل ولا بإثارة الأرض، كما تقول في (١٠) الكلام: عبد الله ليس بعاقل حازم، وزيد ليس
(٢) في (ب): (في هذه الآية) بدل (في هذا لأنه).
(٣) قال النحاس (ليس بقطع طاف وزعم الفراء: أنه ليس بقطع). "القطع والائتناف" ص١٤٨، وانظر: "تفسير القرطبي" ١/ ٣٨٤.
(٤) قوله: (بـ (تثير) ساقط من (ب).
(٥) (أبطل): ساقط من (ج).
(٦) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" ١/ ٥٢١، "القطع والائتناف" ص ١٤٨، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٨٥.
(٧) في (ب): (يؤثر).
(٨) في (ج): (فلا يقبل).
(٩) (من): ساقط من (ب).
(١٠) (في الكلام): ساقط من (ب).
بآكل شارب، فتنفي (١) عنه الفعلين.
وقوله تعالى: وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (٢).
[وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيّاً على الفعل] (٣) جاز عطف الفعل عليه، كما تقول: زيد صائم ويصلي، ويجوز أن تكون (لا) مستأنفة، يراد بها: لا ذلول تثير الأرض، وليست تسقي الحرث.
قال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (٤) فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ: حرث. فمعنى الحرث: الأرض المهيأة للزرع (٥)، ومنه قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣]، على التشبيه بالأرض التي (٦) قد هُيِّئت للزرع. فأما الزرع فإنما هو النماء، من ذلك قولك للصبي: زرعه الله (٧)، ويوضح هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا
(٢) وأجاز الزمخشري أن تكون (لا) مزيدة، لتأكيد النفي في الأولى. انظر "الكشاف" ١/ ٢٨٨، قال أبو حيان: (ووافقه على جعل الثانية مزيدة صاحب المنتخب، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن قوله: (لا ذلول) صفة منفية بلا، وإذا كان الوصف كان الوصف قد نفى بـ (لا) لزم تكرار (لا) النافية لما دخلت عليه....) "البحر" ١/ ٢٥٥، وانظر "الدر المصون" ١/ ٤٣٠.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) لأن استقامة السياق تقتضيه.
(٤) في (ب): (لتزرعه).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (حرث) ١/ ٧٧٤، "الصحاح" (حرث) ١/ ٢٧٩، "جمهرة أمثال العرب" ٢/ ٣٤، ٣٥، "مقاييس اللغة" (حرث) ٢/ ٤٩، "اللسان" (حرث) ٢/ ٨١٩.
(٦) في (أ)، (ج) (الذي)، وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (زرع) ٢/ ١٥٢٤، "اللسان" (زرع) ٣/ ١٨٢٦.
تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} [الواقعة: ٦٣، ٦٤].
وقوله تعالى: مُسَلَّمَةٌ قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (١).
وقال الحسن: من أثر العمل (٢).
وقال مجاهد: من الشية (٣).
وقوله تعالى: لَا شِيَةَ فِيهَا الوشى في اللغة معناه (٤): خلط لون، وكذلك في الكلام يقال: وشيتُ (٥) الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيَةً (٦). والشية مما نقص منه الواو (٧)، وعوض فيه الهاء كالدية من وَدَيْتُ، والعِدة من وَعدتُ (٨)، ويجوز أن يكون (٩) الشية مصدراً، يقال: وَشَيْتُ أشي شِيَةً (١٠)
(٢) في الثعلبي عن الحسن: مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل، ١/ ٨٤ ب، وذكره "الماوردي" ١/ ٣٦٥.
(٣) ذكره الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٤٢٣، وانظر: "الدر" ١/ ١٥٢.
(٤) (معناه) ساقط من (ب).
(٥) في (ب): (وشية).
(٦) بنصه في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٢٤، وانظر "تهذيب اللغة" (وشى) ٨/ ٤٨٤٧.
(٧) (الواو): ساقطة من (ج).
(٨) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٨٢، والطبري في "تفسيره" ١/ ٣٥٢، و"تفسير القرطبي" ١/ ٣٨٦.
(٩) في (ب): (تكون).
(١٠) في (ب): (وشية).
ووَشْيا (١).
قال الزجاج: أي (٢) ليس فيها لون يفارق سائر لونها (٣).
وقوله تعالى: قَالُوا الْآنَ الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (٤)، حد الماضي من آخره وحد الزمان (٥) المستقبل من أوله (٦).
وذكر الفراء في أصله قولين (٧):
أحدهما: أن أصله (أوان) (٨) حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام، ولم يخلعا منه كما فعلوا بالذي وتركوه على مذهب الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة.
والقول الثاني: أن أصله: آن (٩) ماضي يئينُ، بني اسماً لحاضر الوقت، ثم ألحق به الألف واللام وترك على بنائه؛ لأن أصله فَعَلَ
(٢) (أي) ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب) ومثله في معاني القرآن.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ١٢٤.
(٤) في (ب): (الزمان).
(٥) (الزمان): ساقط من (ب).
(٦) ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص ٥٢٣.
(٧) "معاني القرآن" ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، وقد ذكر كلام الفراء ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص ٥٢٣، ٥٢٤، والأزهري في "تهذيب اللغة" (الآن) ١/ ٩٨، وعبارة الواحدي متفقة مع ما ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل".
(٨) في (ب): (وان).
(٩) في "معاني القرآن": (الآن) أصلها من قولك آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب (فَعَلَ) فأتاها النصب من نصب (فعل)، وهو وجه جيد كما قالوا..) ١/ ٤٦٨، ومثله في "تهذيب اللغة" ١/ ٩٩.
منصوبة، كما قالوا: نهى رسول الله - ﷺ - عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (١) وكانتا كالاسمين وهما منصوبتان. ولو خفضا على النقل لهما من حد الأفعال إلى الأسماء في النية لكان صواباً.
قال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيراً يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (٢).
ومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسماً للوقت، وألحق به الألف واللام (٣).
قال أبو علي الفارسي (٤): حكم ما يبنى من الأسماء أن يكون لمضارعته الحرف، فلمضارعته له (٥) ما يجب أن يخرج إلى حكمه كما أن
(٢) انتهى كلام الفراء، انظر: "المعاني" ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، و"تأويل المشكل" ص ٥٢٣، ٥٢٤.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (أمس) ١/ ٢٠٠، و"الأزمنة" لقطرب ص ١٠٩، ١١٠.
(٤) "الإغفال" لأبي علي الفارسي ص ٢٥٣. وقد نقل عنه الواحدي طويلا، بتصرف في كلامه بالاختصار والتقديم والتأخير، وسأذكر الفروق الهامة في أماكنها إن شاء الله.
(٥) (له): ساقط من (ب).
نوعاً منها لمشابهتها الأفعال (١) يخرج إلى حكمها (٢) فيمنع ما لا يكون لها من الجر والتنوين. وكذلك (الآن) بني لما فيه من مضارعته الحرف.
وجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه. [وذلك التضمن هو تضمن معنى (٣) التعريف، لأن التعرف حكمه أن يكون بحرف، فلما تضمن معنى الحرف وجب بناؤه] (٤)، كما أن خمسة عشر لما تضمن معنى الحرف بني. فإن قيل: كيف تضمن معنى الحرف، والحرف نفسه فيه، ولو جاز بناؤه وفيه الحرف لجاز بناء الرجل ونحوه؟
قيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (٥) بغير الألف واللام، والآن يتعرف بغيرهما (٦).
والدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (٧) عليه نكرة كرجل، والرجل، وليس (الآن) كذلك. ألا ترى أنه ليس (آن) (٨) منكورا، ثم
(٢) قوله: (كما أن نوعا منها لمشابهتها الأفعال يخرج إلى حكمها) ليس في "الإغفال" انظر: ص ٢٥٣.
(٣) في "الإغفال" (تضمن معنى حرف التعريف) ص ٢٥٤.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥) في (ب): (لا يعرّف).
(٦) نقله بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص ٢٥٤، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٥٠.
(٧) في "الإغفال": (دخولهما)، وفي حاشيته (ج): (دخولها).
(٨) في (ب): (الآن).
يكتسي التعريف بالحرف كالرجل.
ويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (١)، وما هو أقل القليل، ثم قد تتسع فيه العرب، فتقول: أنا الآن أنظر في النجوم، وأنا الآن أنظر في العلم، وأنا الآن أصل من قطعني (٢)، وليس يراد أنه (٣) في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن غرضه أنه في وقته ذلك وما أتى من (٤) بعد، وتطاول، يفعل هذا الضرب من الفعل.
وهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة. ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان. فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه.
فإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (٥)؟
(٢) في (ج): (من قطع).
(٣) في (ب): (وليس أنه يراد).
(٤) (من): ساقط من (ب)، وفي "الإغفال": (وما يأتي بعد) ص ٢٥٥.
(٥) في "الإغفال": (بهما).
فالجواب: أن قولهم: (الذي) فيه الألف واللام وليس (١) تعريف الاسم بهما، إنما تعريفه بغيرهما.
والدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (٢) سوى الذي (٣) ولا ألف ولام فيها. فقد وجدت الألف واللام في هذا الاسم (٤) أيضا لغير التعريف (٥).
ويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيراً من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة.
أنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (٦) جاهلي:
| لئنْ لَم تُغَيِّرْ (٧) بَعْضَ مَا قَدْ صَنَعْتُمُ | لَأَنْتَحِيَنْ (٨) للعَظْمِ ذُوأنا عارِقُه (٩) |
(٢) مثل (من) و (ما) و (أي)، انظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٥٣.
(٣) والتي وبابهما مما فيه (الألف واللام).
(٤) قوله: (في هذا الاسم) أي: الآن كما في "الإغفال" ص ٢٥٧، واختصار الواحدي للكلام جعله محتملًا لأن يراد به (الذي).
(٥) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص ٢٥٧ - ٢٦٠.
(٦) هو قيس بن جروة الطائي، ويلقب بـ (عارق الطائي) شاعر جاهلي، انظر أخباره وترجمته في: "الحماسة"، "شرح المرزوقي" ٣/ ١٤٤٦، ١٤٦٦، "المزهر" ٢/ ٤٣٨، "الخزانة" ٧/ ٤٤٠.
(٧) في (ب): (يغير) وكذا يروى في بعض المصادر.
(٨) في (ب): (لا نتحن).
(٩) يروى البيت (فإن): بدل (لئن)، ومعنى (لا نتحين): لأقصدن ولأميلن. (عارقه): من عرق العظم، إذا نهشه بأسنانه. يقول: إن لم تغير ما صنعتم من الظلم، لأميلن إلى كسر العظم الذي أخذت ما عليه من اللحم، ورد في "نوادر أبي زيد" =
فإن قيل: إذا كانت اللام زيادة (١) في الذي غير متعرف بها، فهل يوجد حرف زائد لا يجوز إسقاطه؟ قلنا: قد يكون زائدًا لازماً، ألا ترى أنهم يقولون: آثِراً ما (٢)، ولا يسقطون هذا الزائد، ورب (٣) زائد لازم حتى يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
ومثل ذلك (مِن) في وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الحج: ٤٨]، و (ما) في سِيَّما (٤)، فليس لزوم هذا الحرف وامتناع حذفه مما يمنع من الحكم بزيادتها (٥). ومما يقوي زيادة اللام، ما (٦) أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (٧)، عن أبي العباس محمد بن يزيد (٨) عن أبي عثمان (٩) قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر:
(١) في (ب): (زائدة).
(٢) جعلوا (ما) لازمة وهي زائدة، انظر "الكتاب" ١/ ٢٩٤.
(٣) في (ب): (وب).
(٤) انظر: "الكتاب" ٢/ ١٧٠، ١٧١.
(٥) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص ٢٦١ - ٢٦٦.
(٦) (ما): ساقط من (ب).
(٧) في (ب): (الحسين) وفي "الإغفال": (أبو بكر بن السراج ص ٣٦٦) وهو محمد بن السري، أبو بكر سبقت ترجمته، وليس في نسبه (الحسن أو الحسين). انظر: "طبقات النحويين" ص١١٢، و"إنباه الرواة" ٣/ ١٤٥، "معجم الأدباء" ١٨/ ١٩٧.
(٨) المبرد، سبقت ترجمته.
(٩) المازني، سبقت ترجمته.
| وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وَعَسَاقِلا | وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ (١) |
يَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (٤)
فكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (٥) إلغاء الألف واللام نحو: طرًّا
(٢) في "الإغفال": (الألف واللام) ص ٢٦٦.
(٣) في "الإغفال": (فقال أدخلها للضرورة كقول الآخر: باعَدَ أم العَمَرِ من أسيرِهَا وروينا عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ياليت أم العمر..) ص ٢٦٦، ٢٦٧.
(٤) لم يعرف قائل الرجز: وبعده:
مكان من أشتى على الركائب.
ويروى (أم العمر) ورد البيت في "الإغفال" ١/ ٢٦٧. "المخصص" ١/ ١٦٨، ١١/ ٢٢٠، "الإنصاف" ١/ ٣١٦، "المنصف" ٣/ ١٣٤، "تهذيب اللغة" (ربع) ٢/ ١٣٤٧، "الصحاح" (ضرب) ١/ ١٦٩، "اللسان" (ضرب) ٥/ ٢٥٦٩، و (وبر) ٨/ ٤٧٥٢، و (ربع) ٣/ ١٥٦٣، "شرح المفصل" ١/ ٤٤.
(٥) (على نية): ساقط من (أ)، (ج).
وقاطبة (١).
وقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (٢)، وبعد: فإن حرف التعريف حرف كسائر الحروف التي تلزم معنى، ثم تزاد (٣) في موضع آخر معرًّى من ذلك المعنى، كـ (باء الجر، ومن) وغيرهما، وكما جاءت (ما ولا) زائدتين، ولكل واحد منهما معنى يلزمه إذا لم يزد، وكذلك حرف التعريف (٤).
فإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (٥) المبنية كـ (أين وكيف) ونحوه (٦)؟ فالجواب أن هذا الاسم لا يجوز أن يكون كـ (أين) ونحوه من المنكورة (٧) المبنية؛ لأن هذا مختص (٨)
(٢) كلام أبي الحسن الأخفش ورد في "الإغفال" ص ٢٦٣، ٢٦٤. وفيه: (الألف واللام) زائدة، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٦٦.
(٣) في (أ): (يزاد) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه أنسب للسياق، ومثله في "الإغفال" ص ٢٦٨.
(٤) انتهى كلام أبي علي في "الإغفال" في هذه المسألة ص ٢٦٨. ثم عاد إليها مرة أخرى ص ٢٧٧، ونقل عنه الواحدي كما سيأتي.
(٥) في (ب): (المكنوزة).
(٦) "الإغفال" ص ٢٧٧.
(٧) في (ب): (المكنوزة).
(٨) (مختص): ساقط من (ب).
مشار به إلى شيء بعينه، كما أن (هذا) مشار به إلى شيء واحد بعينه من سائر ما يحضر (١).
ألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (٢) فيه فالإشارة به والقصد فيه إلى المعين المخصوص يخرجه عن أن يراد به الشائع المنكور (٣) كـ "كيف" وبابه.
قال أبو على: وأما قول الفراء (٤) إن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون الآن (٥) من قولنا: آنَ أن (٦) يفعل كذا، دخلت عليه [الألف واللام مثل شُبَّ (٧) إلى دُبَّ. وهذا قول يفسد في: اللفظ والمعنى، ومن حكم مثله ألا يعرج عليه] (٨) أما فساده في اللفظ: فلأن ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون فعلاً مجرّداً من الفعل. أويكون فعلًا معه فاعل.
فإن كان فعلاً مجردّاً من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا.
(٢) في (ج): (تتسع)، ومثله في "الإغفال" ص ٢٧٧.
(٣) في (ب): (المكنون لكيف).
(٤) لم يذكر أبو علي الفراء باسمه وإنما قال: (وذكر بعضهم أن قولنا: (الآن) يجوز أن
يكون..) "الإغفال" ص ٢٨٣.
(٥) في (ب): (الآن).
(٦) في (ج): (تفعل).
(٧) في "الإغفال" (من شب..) ص ٢٨٣.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص ٢٨٣، واستقامة السياق تقتضيه.
ألا تراهم سمَّوا (١) العنبر بن عمرو بن تميم (٢): خَضَّمَ (٣) لكثرة أكله (٤)، فأعربوه ولم يحكوه.
قال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلاً سُمَيَ كَعْسَبَ (٥)، وهو فعلل (٦) من الكعسبة، وهي (٧) شدة العدو، وإنما لم يجز حكايةُ الفعل إذا نُقِل فسمّي به من أجل أن الفعل يلزمه الفاعل (٨)، فلا يفارقه. فلو حكي بعد التسمية للزمه الفاعل كما كان يلزمه قبل، لأنه لا يخلو (٩) من الفاعل، الحكاية (١٠) فيه إذا سمي به تؤدي إلى خلاف الغرض المقصود؛ لأن
(٢) العنبر بن عمرو بن تميم، كان شاعر، وإليه ينسب بني العنبر، انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص ٢٠١، ٢١١، و"المزهر" ٢/ ٢٧٥.
(٣) في جميع النسخ (خضما) وفي "الإغفال": (خضم) ص ٢٨٣. قال سيبويه: ولا يصرفون (خضّم) وهو اسم للعنبر بن عمرو بن تميم. "الكتاب" ٣/ ٢٠٨.
(٤) قال في الصحاح (خضّم) على وزن (بعّم) اسم العنبر بن عمرو بن تميم، يزعمون أنهم سموا بذلك لكثرة الخضم، وهو المضغ. الصحاح (خضم) ٥/ ١٩١٤، وانظر "اللسان" (خضم) ٢/ ١١٧٦ - ١١٧٨.
(٥) في "الإغفال" ص ٢٨٢: (يسمى كعسبا). وكذا في "الكتاب" ٣/ ٢٠٦.
(٦) في "الكتاب" (وإنما هو (فَعَلَ) من الكعسبة. قال عبد السلام هارون: (لا يقصد بـ (فعل) الوزن الصرفي، وإلا فهو (فعلل) وإنما يقصد أنه منقول من الفعلية "الكتاب" مع حاشية عبد السلام هارون ٣/ ٢٠٦.
(٧) في (ب): (وهو).
(٨) في (ب): (الفعل).
(٩) (يخلو): ساقط من (ب).
(١٠) في (ب): (فالحكاية).
المسمي بالفعل لو حكاه في حال (١) التسمية للزمه التسمية بالجملة دون المفرد، إذ الفعل لا يخلو من الفاعل بحال، فلما كان كذلك أزيل (٢) عن الفعلية بإعرابه، وترك حكايته، وصح التسمية به (٣) لذلك دون فاعله. ويدل على امتناع هذه الكلمة أن [تكون] (٤) فعلا، دخول لام (٥) التعريف عليها، وهذه اللام دخولها يكون على الأسماء، كما أن التنوين من خواص الأسماء.
ولا يجوز (٦) في قولهم: (الآن) (٧) أن يكون فعلاً معه فاعله غير مجرد منه؛ لأن دخول اللام عليه يمنع ذلك، ألا ترى أن اللام لا تدخل على الجمل كما لا تدخل على الفعل فهذا فساده (٨) من جهة اللفظ.
وأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (٩) مقلوب من (١٠) أنى يَأني وأصل هذه الكلمة في اللغة إنما هو بلوغ الشيء (١١) وانتهاؤه ومكثه وامتداده، فهو خلاف الآن وعكسه. والدليل على صحة
(٢) في (ب): (أزيد).
(٣) في (ب): (بذلك).
(٤) في جميع النسخ (يكون) بالياء والتصحيح من "الإغفال" ص ٢٨٤.
(٥) في (ب): (اللام والتعريف).
(٦) "الإغفال" ص ٢٨٨.
(٧) في (ب): (ألا أن يكون).
(٨) أي قول الفراء.
(٩) (آن): ساقط من (ب).
(١٠) في (ج): (عن).
(١١) انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) ١/ ٢٢٥، و (الآن) ١/ ٩٩.
القلب في هذا، أنه لا مصدر لـ (آن)، كما أن قولهم: أيس يأيس لما كان مقلوبًا من يئس ييأس (١) لم يكن له مصدر [ولوكان له مصدر] (٢) لكان من باب جذب وجبذ (٣)، ولم يكن قلبا.
فإن قلت (٤): فقد قالوا: الإياس، وقد سمّوا الرجل إياسًا؟
قيل: إن إياساً من إسْتَه إذا أعطيتَه (٥)، وتسميتهم بإياس كتسميتهم بـ (عطية وعطاء)، ومن هذا الباب قوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٦) أي أما بلغ، أما حان. والآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو باق، والباقي غير المتقضي (٧) المنتهي.
وأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (٨) فهذا الكلام مخرجه مخرج الأمثال التي تلزم طريقةً واحدةً ووجهاً واحداً، كقولك للرجل: أَطِرِّي
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص ٢٨٨، والسياق يقتضيه.
(٣) جبذ مقلوب من جذب قلبًا مكانيًّا. انظر: "تهذيب اللغة" (جذب) ١١/ ١٥، "اللسان" (جذب) ١/ ٢٥٨.
(٤) في (ب): (وأن).
(٥) في "الإغفال" وقد سموا الرجل إياسا فما تنكر أن يكون غير قلب، فإن إياسا من إسته إذا أعطيته... "الإغفال" ص ٢٨٨، وانظر: "اللسان" (يأس) ٦/ ٢٥٩.
(٦) الحديد: ١٦، وفي (ج) زيادة: أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.
(٧) في (ب): (المقتض)، وفي "الإغفال": (المنقض) ص ٢٩٢.
(٨) قال أبو علي: (.. فإن قلت كيف يكون فيه ضمير الفاعل، وقد يقال: (أعييتني منذ شب إلى دب) ولو كان في هذا ضمير فاعل لوجب أن يكون مذ شببت إلى أن دببت؟ فالجواب:
| أنه إنما كان كذلك لأنه كلام مخرجه مخرج الأمثال | الخ) "الإغفال" ص ٢٨٧. |