ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم
تفسير المفردات :
التظاهر : التعاون، والإثم : هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم، والعدوان : تجاوز الحد في الظلم.
المعنى الجملي
ذكر الله بني إسرائيل في الآية السابقة بأهم ما أمروا به من إفراده تعالى بالعبادة والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى، ثم بين أنهم لم يأتمروا بذلك.
وفي هذه الآيات ذكرهم بأهم المنهيات التي أخذ عليهم العهد باجتنابها، ثم نقضوا الميثاق ولم ينتهوا، والخطاب هناك للذين كانوا في عصر موسى عليه السلام، وهو هنا للحاضرين في عصر التنزيل، وإرشادا إلى أن الأمة كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ما داموا على سنتهم، يحتذون حذوهم ويجرون على نهجهم، كما أن ما يفعله الشخص حين الصغر يؤثر في قواه العقلية وأخلاقه النفسية حين الكبر، والمشاهدة أكبر برهان على ذلك
الإيضاح :
أي ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم : أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلكم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم.
ومن حديث ذلك أن بني قينقاع من اليهود كانوا حلفاء الأوس وأعداء لإخوانهم في الدين بني قريظة، كما كان بنو النضير حلفاء الخزرج، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء يقتتلون، ومع كل حلفاؤه، وهذا ما نعاه الله على اليهود بقوله : تقتلون أنفسكم .
وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان كان كل من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب، والعدوان كالإخراج من الديار.
وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أي وكانوا إذا أسر بعض العرب وحلفاؤهم من اليهود بعضا من اليهود أعدائهم واتفقوا على فداء الأسرى، يفدى كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه، ثم يعتذرون عن هذا بأن الكتاب أمرهم بفداء أسرى ذلك الشعب المقدس، فإن كانوا مؤمنين حقا بما يقولون، فلم قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم والكتاب ينهاهم عن ذلك ؟ أفليس هذا إلا لعبا واستهزاء بالدين ؟
أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون الخ وذلك أن الله أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وقال : أيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه – لكنهم قتلوا وأخرجوا من الديار مخالفين العهد، وافتدوا الأسرى على مقتضى العهد، أفليس هذا إلا إيمانا ببعض الكتاب، وكفرا ببعضه الآخر ؟ وذلك منتهى ما يكون من الحماقة، فإن الإيمان لا يتجزأ، فالكفر ببعضه كالكفر بكله.
قال الأستاذ الإمام : في التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على أن من يقدم على الذنب لا يتألم ولا يندم بعد وقوعه، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله عنه وتحريمه له فهو كافر به، وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة، نحو :( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ).
ثم توعدهم على نقضهم الميثاق الذي جعلهم أمة واحدة، ذات شريعة هي رباط وحدتهم بخزي عاجل في هذه الحياة، وعذاب آجل في الآخرة فقال :
فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب فقد دلت المشاهدة على أن كل أمة تفسق عن أمر ربها وتطرح أوامر دينها وراءها ظهريا يتفرق شملها، وينزل بها عذاب الهون جزاء فساد أخلاقها وكثرة شرورها.
أما من استقاموا على الطريقة، وزكت نفوسهم وصلحت أحوالهم فلهم عند ربهم نعيم مقيم، يرشد إلى ذلك قوله : قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها .
ثم زاد في الوعيد والتهديد والزجر الشديد فقال :
وما الله بغافل عما تعملون فهو مجازيكم على ما اجترحتم من السيئات.
تفسير المراغي
المراغي