تشهدُون أن هذا حق من ميثاقي عَليكم في التوراة (١).
٨٥ - قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (٢). روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية، قال: كان (٣) بنو إسرائيل إذا استضعف قومٌ قومًا أخرجوهم من ديارِهم، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأُخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم بعضًا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض (٤).
وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء. وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (٥)،
(٢) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام ١/ ٦١.
(٣) في (ش): (كانوا).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٩، أبن أبي حاتم في "تفسيره". بمعناه ١/ ١٦٣.
(٥) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" ١/ ٥٠.
والنضير حلفاء الخزرج (١)، وكانوا يقتتلون، فتقاتل بنو قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيّرهم العرب بذلك، وتقول: كيف تقاتلونهم وتفادونهم؟ فيقولون: إنَّا أُمرنا أن نفادَيهم، وحُرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ (٢) قالوا: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلّ (٣) حلفاؤنا، فذلك حِين عيّرهم الله تعالى فقال: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ أي (٤): يا هؤلاء، فحذف حرف النداء (٥)، وقيل: معناه التوكيد لأنتم، و (تقتلون) في موضع الرفع بالخبر. وقال الزجاج: هؤلاء في معنى: الذين (وتقتلون) صلة لهؤلاء، كأنه قيل: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة (٦)، ومثله: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه: ١٧] (٧) بمنزلة: وما التي بيمينك.
(٢) ساقطة من (أ) و (م).
(٣) في (م): (يذل).
(٤) رواه بمعناه الطبري في تفسيره ١/ ٣٩٦، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٦٣، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠٢١، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١١٠ وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٠٥، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٦٤.
(٥) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠١٧.
(٦) قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في "معاني القرآن".
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٧.
وقوله تعالى: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (١)، فمن شدّد: أدغم التاء في الظاء لمقاربتها، ومن خفف حذف التاء التي أدغمها الآخرون، فكل وَاحِد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة، فبعضهم خفف بالحذف، وبعضهم بالإدغام (٢)، والمحذوفة هي التي تدغم، والمدغمة هي التي تحذف، وذلك أنها لما أُعِلّت بالإدغام أُعِلّت بالحذف.
قال سيبويه (٣): الثانية أولى بالحذف؛ لأنّهَا هي التي تُسَكن وتدغم، في نحو فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] و وَازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤]. ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (٤). ومعنى تظاهرون تعاونون (٥)، ومنه قوله: وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ [التحريم: ٤]، وقوله: سِحرَانِ تَظَاهَرَا (٦) [القصص: ٤٨] أي: تعاونا (٧) على سحرهما، ومنه: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤]، أي: معين (٨). والتقدير فيه
(٢) ينظر "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٦.
(٣) "الكتاب" ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٤) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٥) في (م): (تعارفون).
(٦) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران). ينظر "السبعة" "النشر" ٢/ ٣٤١.
(٧) في (م): (تعارفا).
(٨) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠١٩.
الجمع، وإن كان اللفظ على الإفراد، كقوله: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩] (١) وسمي العون ظهيرًا لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه (٢).
وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب. هذا أصل الباب. ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (٣).
وقوله تعالى: بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم. ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (٤). وقوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (٥)، وهما جمع أسير. وأسير: فَعِيل في معنى مفعول؛ لأنك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فجمعه يُكسَّر على فَعْلَى، نحو: لديغ ولدغَى، وقتيل وقتلى، وجريح وجَرحَى، وإذا (٦)
(٢) "تفسيرالثعلبي" ١/ ١٠١٩.
(٣) انظر: "مقاييس اللغة" ٣/ ٧٤١.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٦، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠١٩.
(٥) قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين. ينظر: "السبعة" ص ١٦٣، و"التيسير" ص ٦٤، "النشر" ٢/ ٢١٨.
(٦) في (ش): (وإن).
كان كذلك فالأقيس الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسَراء. والذين قالوا أُسَرَاء شبهوه بظُرَفاء، كما قالوا في قتيل: قُتلَاء، فكما أن أُسَراء وقُتلَاء في جمع قتيل وأسير ليس بالقياس، كذلك أُسارى ليس بالقياس (١).
ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (٢)، شُبِّه به، فقيل في جمعه: أُسارى، كما قيل: كسالى، وأجرى عليه هذا الجمع للحمل على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى وهلكى؛ لما كانوا مُبتلين بهذه الأشياء ومصابين بها، فأشبه في المعنى فَعِيلًا الذي بمعنى مفعول، فلما أشبهه أجري عليه في الجمع (٣). والحمل على المعنى لا يكون الأصلَ عند سيبويه، قال: ولو كان أصلًا قبح (هالِكون وزَمِنون)، وكذلك أُسَارى ليس بالأصل في هذا الباب، ولكن قد استعمل كثيرًا. قال سيبويه: قالوا: كَسْلى شبهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبهوه بكُسالى. قال: وإنّما جمع ما كان على فعلان نحو سكران وكسلان على فُعَالى، وإن
(٢) في "الحجة": لعادته السيئة شبه به.
(٣) في "الحجة" ٢/ ١٤٤: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.
كانت في أبنية الآحاد نحو: حيارى؛ لأن فعالًا قد جاء في بعض أبنية الجموع، نحو: رُخَالٍ (١) (٢) وظُؤارٍ (٣) وثُناء (٤)، وقد لحقت تاء التأنيث بعض الجموع (٥)، نحو: الحجارة والذِّكارة (٦)، وكما لحق التاء في هذا النحو الذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في سكارى وكسالى، فجعلت الألف بمنزلة التاء، كما جعلت بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء (٧) ودوامّ (٨).
وأصل الأسر في اللغة: الشدّ. قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق
(٢) رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر
"القاموس" ص ١٠٠٥ (مادة: رخل).
(٣) الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له. ينظر القاموس ص ٤٣٢ مادة: ظئر.
(٤) الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر "القاموس" ص ١٢٦٧.
(٥) في "الحجة" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة.
(٦) الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود. انظر "اللسان" ٣/ ١٥٠٩ مادة: ذكر
(٧) القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة. "اللسان" ٣/ ١٤٢٦ مادة: دمم.
(٨) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ١٤٣ - ١٤٥ بتصرف يسير.
منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (١)، ثمّ كثر استعماله حتّى قيل للمأخوذ: أسير، وإن لم يكن هناك شدّ (٢).
وقوله تعالى: تُفَادُوهُم قرئ أيضا بوجهين (٣): بالألف، من المفاداة، وبغير ألف، من الفداء. يقال: فديتُه بمال، فيتعدّى إلى مفعولين، ويتعدّى إلى الثاني بالجار، كقوله: وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧]، وكقول الشاعر:
| يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم | وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (٤) |
| لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ | فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (٥) والولد (٦) |
(٢) ينظر في "تهذيب اللغة"١/ ١٥٩، "اللسان" ٤/ ٧٨. (مادة: أسر)
(٣) قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. ينظر "السبعة" ص ١٦٢ - ١٦٣، "التيسير" للداني ص ٦٤، و"النشر" ٢/ ٢١٨.
(٤) البيت لأبي ذؤيب في "شرح أشعار الهذليين" ص ١٩٢. مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة. والقيان: الخدم.
(٥) في "الحجة" بالأبناء.
(٦) ذكره أبو علي في "الحجة" ٢/ ١٤٦ ولم ينسبه.
(٧) هذا كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ١٤٦.
| ولوأنّ مَيْتًا يُفْتَدَى لَفَدَيْتُه | بما اقتال (١) من حُكْمٍ عليَّ طبيبُ (٢) (٣) |
أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً. ويقال: فديته بنفسي (٦).
وقال نصير (٧) الرازي (٨): يقال: فاديتُ الأسيرَ، وفاديت الأُسارى،
(٢) البيت لكعب بن سعد الغنوي في النوادر ص ٢٤٤، وعنه نقل أبو علي في "الحجة" دون نسبة ١/ ٣٤٢، ورواية "اللسان" والصحاح مادة [قول] والأصمعيات ص ٩٧ هكذا:
| ومنزلة في دار صدق وغبطة | وما اقتال من حكم علي طبيب |
| فلو كان ميت يفتدى لفديته | بما لم تكن عنه النفوس تطيب |
(٣) هذا كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ١٤٧.
(٤) سقطت من (ش).
(٥) هذا كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ١٤٧ بتصرف يسير.
(٦) في "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٠٠، وينظر: "اللسان" ٥/ ١٥٠ (مادة: فدى).
(٧) في (ش): (نظير).
(٨) هو: نصير بن أبي نصير الرازي، تقدمت ترجمته [البقرة: ١٥].
هكذا تقوله العرب. وإذا قلت: فديت الأسير فهو أيضا جائز بمعنى فَدَيْتُه مما كان فيه، أي: خلّصته، منه وفاديت أحسن في هذا المعنى. ومعنى فديته بالشيء، أي: خلّصته به، وجعلته عوضًا منه؛ صيانة له، كقوله تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] أي: خلّصناه به (١) من الذبح (٢).
قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (٣).
وقوله تعالى: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ. (هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا. ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (٤) فأظهر المكنى عنه فأعاده، فقال: إخراجهم فكان رفع الإخراج (٥) بالتكرير على هو؛ لأن معناه: وإخراجهم، محرم عليكم، فهو مبتدأ مؤخر عن خبره، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم، وهذا معنى قول الفرّاء (٦) والزجّاج (٧) جميعًا. قال الفراء: وإن شئتَ جعلتَ هو عمادًا (٨).
(٢) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٥٤ بتصرف واختصار. (مادة: فدى).
(٣) نقله عنه "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٥٤، وعنه ابن منظور في "اللسان" ٦/ ٣٣٦٦، "القرطبي" في "تفسيره" ٢/ ٩١. (مادة: فدى).
(٤) قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و (م).
(٥) في (ش): (الإحرام).
(٦) في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٥٠ - ٥١.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٧.
(٨) كذا نقله عنه "القرطبي" في "تفسيره" ٢/ ٢٢.
قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (١)، أو ويقوم أبوه قبح؛ لأن الواو تطلب الاسم، فإذا قبح ذلك أدخلوا هو؛ لأنه اسم فقيل: أتيت زيدًا وهو قائم (٢)، كذلك وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ: حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم.. (٣) ورفعت الإخراج في هذا الوجه بمحرّم لأن معنى قوله: (ومحرم) مبني على حُرِّمَ.
وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (٤) محرم عليكم إخراجهم، كما قال عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الصمد: ١] أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (٥): الأمر الذي هو الحقُّ توحيدُ الله عز وجل (٦).
ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (٧) تَفْدُوهم (٨).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٥١.
(٣) من قوله: حُ (رِّم عليكم).. ساقط من (أ) و (م).
(٤) في (ش): (الخير).
(٥) في (أ): (وتأويل).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٧.
(٧) في (م): (أسارى).
(٨) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٢٢.
والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (١) ناله سواه. وقول زُهَير:
يقول (٢) لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣)
أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (٤).
وقوله تعالى: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يعني (٥): ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أُجلوا عن مَساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم (٦). والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (٧). شمر (٨): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: {وَلَا تُخْزُونِ فِى
(٢) في (أ): (يقول).
(٣) ديوان زهير ص ٧٩، وصدر البيت:
وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ.
(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٧٩٣ - ٧٩٧، و"لسان العرب" ٢/ ٨٤٤. مادة (حرم).
(٥) في (ش): (بمعنى).
(٦) "تفسيرالثعلبي" ١/ ١٠٢٣.
(٧) ينظر: "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٢٧، "اللسان" ٢/ ١١٥٥ مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٢٣.
(٨) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة ٢٥٥ هـ. ينظر: "إنباه الرواة" ٢/ ٧٧ - ٧٨، و"بغية الوعاة" ٢/ ٤ - ٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي