تمــــهيد :
ذكر الله بني إسرائيل في الآية السابقة، بأهم الأوامر التي أخذ عليهم العهد والميثاق أن يفعلوها.
وهنا ذكرهم بأهم المنهيات التي أخذ الميثاق عليهم في التوراة بأن ينتهوا عنها فلم ينتهوا.
جاء في عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير :
يقول الله منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج ـ وهم الأنصار ـ كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل : بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريضة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهود أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال ثم إذا وضعت الحرب أوزارهم استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة ولهذا قال تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. ( ٢١٠ ).
ويحكي التاريخ أن العرب كانونا يعيرون اليهود فيقولون لهم كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم ؟ فكان اليهود يقولون : قد حرم علينا قتالهم ولكننا نستحيي أن نخذل حلفاءنا، وقد أمرنا أن نفتدي أسرانا.
المعنى الإجمالـــي للآيـــات :
واذكروا ـ أيضا ـ يا بني إسرائيل وقت أن أخذنا عليكم العهد، وأوصينا فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، وبألا يخرج بعضكم بعضا من مساكنهم، ثم أقررت وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا العهد والالتزام به.
ثم أنتم هؤلاء ـ يا معشر اليهود ـ بعد إقراركم بالميثاق وبعد شهادتكم المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه، خرجتم على تعاليم التوراة، فنقضتم عهودكم وأراق بعضكم دماء بعض، وأخرجتم إخوانكم في الملة والدم كم ديارهم وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم في الأسر فاديتموهم، فلم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم، كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم، وكيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم ؟ إن هذا التفريق بين أحكام الله، جزاء فاعله الهوان في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة، وما الله بغافل عما تفعلون، ولاشك أن أولئك اليهود الذي نقضوا عهودهم وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، قد باعوا دينهم بدنياهم فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون.
المفردات :
تظاهرون عليهم : أصله تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين، أي تتعاونون عليهم.
الإثم : هو الفعل الذي يستحق صاحبه الذم، واللوم.
العدوان : تجاوز الحد في الظلم.
أسارى : جمع أسير بمعنى مأسور، وهو من يؤخذ في سبيل الله القهر والغلبة.
تفادوهم : تنقذوهم بدفع الفداء، وهو ما يدفع في فك الأسير.
خزي : هوان.
يردون : يرجعون.
التفسير :
٣- قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارا تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم. بيان لتناقضهم وتزييفهم لأحكام الله تعالى.
أي أنتم يا معشر اليهود إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم، وتبذلون عوضا لإطلاقهم، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم في مفاداتهم ؟.
وصدرت الجملة الكريمة : وهو محرم عليكم وإخراجهم. بضمير الشأن للاهتمام بها والعناية بشأنها، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليس خافيا عليهم، وقوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟. توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله.
والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى، ولا تتبعونها عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم ؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى، بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر.
قال الأستاذ أحمد شاكر معلقا على تفسير ابن كثير للآية الكريمة :
( ومما يملأ النفس ألما وحزنا، أن صار أكثر الأمم التي تنسب إلى هذا الوصف المكروه، ووقعوا في مثل هذا العمل الذي ذم الله اليهود من أجله، وجعل جزاء من يفعله خزيا في الحياة الدنيا وعذابا شديدا في الآخرة، فنرى أكثر الأمم المنتسبة إلى الإسلام يعتقدون صحة القرآن ويشهدون بذلك ويعرفونه، ويزعمون القيام بأمره ثم هم يخالفونه في التشريع في شؤونهم المالية والجنائية والخلقية، ولا يستحون أن يعلنوا أن تشريعه وتشريع رسول الله في سنته لا يوافق هذا العصر، ويجعلون من حقهم أن يشرعوا ما شاءوا، وافق الكتاب والسنة أم خالفه، أو يصطنعون قوانين أوربا الوثنية الملحدة، ويشربونها في قلوبهم، يزعمونهم أهدى وأنفع للناس مما أنزل إليهم من ربهم، ولا يتعظون بما أنذرهم به ربهم من المثل بالأمم قبلهم )( ٢١٣ ).
يقول الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى سبحانه عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفرا، لأن من عصى أمر الله تعالى بحكم عملي معتقدا أن الحكمة الصلاح فيما فعله، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب، فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ " ( ٢١٤ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته