ﰗﰘﰙﰚﰛﰜ

قالوا أَنُؤْمِنُ لك واتبعك والحالة أنه قد تبعك الأرْذَلونَ أي : الأرذلون جاهاً ومالاً، والرذالة : الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل : كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل : كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخَفَّافُ - أي : الخراز، وقيل : النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك : أنه لا مزية لك في اتباعهم ؛ إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف مَنْ جَمَعَهَا، والأرذل مَنْ حُرمَها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف مَنْ فازَ بِه، وسكن في جوار الله، والأرذل من حُرم ذلك.
قال القشيري : ذكر ما لَقِيَ من قومه، وقوله : واتبعك الأرذلون ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حُكم الله - هم المقدّمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم :" نُصِرْتُ بضعفائكم١ "، إلخ كلامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال القشيري : أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله : وما أسألكم عليه من أجر ؛ ليَعْلَمَ الكافةُ أنه من عَمِلَ له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيهٌ للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألاّ يطلبوا من الناس شيئاً في بَثِّ علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يَعِظُ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يَسْمعون منه، ولا للعلماءِ أيضاً بركةٌ فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينَهم بَعَرَضٍ يسيرٍ، ثم لا بَركةَ لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويَحْصُلون على سخط من الله. هـ.
قلت : أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا ؛ إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفسٍ ولا طمعٍ ولا تكلفٍ. والله تعالى أعلم.



١ أخرجه البخاري في الجهاد حديث ٢٨٩٦، وأبو داود في الجهاد حديث ٢٥٩٤ والترمذي في الجهاد حديث ١٧٠٢، وأحمد في المسند ٥/١٩٨..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير