ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

قوله :«وَتِلْكَ نِعْمَةٌ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه خبر١ على سبيل التهكم، أي : إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك٢. وقيل :«ثَمَّ »٣ حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي :«أَوَ تِلْكَ »، وهذا مذهب الأخفش٤، وجعل من ذلك :
٣٨٩٨ - أَفْرَحُ إن أُرْزَأَ الكِرَامَ٥ ***. . .
وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله : وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ ٦ [ النساء : ٧٩ ] وفي غيره.
قوله :«أَنْ عَبَّدْتَ » فيه أوجه :
أحدها : أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ »٧ كقوله : وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ [ الحجر : ٦٦ ].
الثاني : أنها في محل نصب مفعولاً من أجله٨.
الثالث : أنها بدل من «نِعْمَة »٩.
الرابع : أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا ».
الخامس : أنها مجرورة بباء مقدرة، أي : بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس : أنها خبر مبتدأ مضمر، أي : هي أن عَبَّدْتَ.
السابع : أنها منصوبة بإضمار «أعني » والجملة من «تَمُنُّهَا » صفة ل «نِعْمَة » و «تَمُنُّ » يتعدى بالباء، فقيل : هي محذوفة، أي : تَمُنُّ بها.
وقيل : ضُمِّنَ «تَمُنُّ » معنى «تَذْكُرُ »١٠. ويقال : عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته :[ إذا اتخذته عبداً ]١١ ١٢.

فصل :


اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ » : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا [ الشعراء : ١٨ ].
فمن قال : هو إقرار، قال : عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي : بلى و وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال : هو إنكار قال : قوله :«وَتِلْكَ نِعْمَةٌ » هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني : أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله : فَهُمُ الخالدون [ الأنبياء : ٣٤ ] وقال الشاعر :
٣٨٩٩ - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ *** وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ١٣
أي : أتروح من الحي، وقال عمر١٤ بن عبد الله بن أبي ربيعة :
٣٩٠٠ - لَمْ١٥ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا*** وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ *** تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ١٦
أي : أتتركني. يقول : تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة١٧. أو يريد : كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي ؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ١٨.
وقال الحسن : إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية١٩. وقيل : إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً٢٠. وقيل : معناه : تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي٢١ من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ٢٢. وقيل : معناه أنك تدَّعي أن بني إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته٢٣.
١ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٧٩..
٢ انظر القرطبي ١٣/٩٦..
٣ ثم: تكملة ليست في المخطوط..
٤ قال الأخفش: ( وقال: وتلك نعمة تمنها عليَّ فيقال هذا استفهام كأنه قال: أوَ تلك نعمة تمنها) معاني القرآن ٢/٦٤٥-٦٤٦..
٥ جزء بيت من بحر المنسرح، قال حضرمي بن عامر، وتمامه:
......... وأن *** أورث زوداً شصائص نبلا
وقد تقدم تخريجه. والشاهد فيه حذف همزة الاستفهام الإنكاري، والمعنى أأفرح..

٦ [النساء: ٧٩]. وذكر هناك: وقيل في قوله "فمن نفسك" أن همزة الاستفهام محذوفة، تقديره: أفمن نفسك، وهو كثير كقوله تعالى: "وتلك نعمة تمنها علي" وقول الشاعر:
أفرح أن أرزأ الكرام ***...
البيت، وهذا لم يجره من النحاة إلا الأخفش، وأما غيره فلم يجره إلا قبل (أم) كقوله:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً *** بسبع رمين الجمر أم بثمان
انظر اللباب ٣/١٢٢..

٧ انظر: الكشاف ٣/١١١..
٨ حكاه أبو حيان عن الحوفي. البحر المحيط ٧/١٢..
٩ انظر البيان ٢/٢١٣، التبيان ٢/٩٩٥..
١٠ انظر: التبيان ٢/٩٩٥. من الوجه الثاني..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ البيت من بحر المتقارب، قاله امرؤ القيس، وهو في ديوانه (١٥٤)، تفسير ابن عطية ١/١٠٠، القرطبي ١٣/٩٦. الرواح: السير في العشي. الابتكار: الخروج مبكراً. الشاهد فيه حذف همزة الاستفهام في (تروح)؛ إذ أصلها: أتروح؟ والدليل وجود (أم) في الكلام..
١٤ في الأصل: عمرو. وهو تحريف..
١٥ في ب: ألم..
١٦ البيتان من بحر المتوسط، قالهما عمر بن أبي ربيعة، وليسا في ديوانه وهما في القرطبي ١٣/٩٦. والشاهد فيهما حذف همزة الاستفهام في (تتركني)، إذ الأصل: أتتركني. وليس في الكلام (أم)..
١٧ انظر البغوي ٦/٢٠٩-٢١٠..
١٨ المرجع السابق ٦/٢١٠..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..
٢٠ المرجع السابق..
٢١ لي: سقط من ب..
٢٢ انظر البغوي ٦/٢١٠..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية