وتلك نعمة تمُنُّها عليَّ أن عَبدتَّ بني إسرائيل أي : تلك التربية نعمة تمُن بها عليّ ظاهراً، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام : أَوَ تلك نعمةٌ تَمُنٌُّها عَلَيَّ ؛ استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها عليَّ منة، وتعبيده : تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنّها " و " وعبّدتَّ "، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " ؛ لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده.
وقول فرعون : وما رب العالمين : سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [ الحديد : ٣ ] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئاً، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين تَرَق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبداً، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي