ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

المعنى الجملي : كان الكلام أول السورة في الأحكام المتعلقة بالنساء واليتامى والقرابة ومن قوله : واعبدوا الله إلى هنا في أحكام عامة في أسس الدين وأصوله وأحوال أهل الكتاب والمنافقين والقتال - ثم عاد الكلام هنا إلى أحكام النساء لشعور الناس بالحاجة إلى زيادة البيان في تلك الأحكام فالآيات السالفة أوجبت مراعاة حقوق الضعيفين : المرأة واليتيم وجعلت للنساء حقوقا مؤكدة في المهر والإرث وحرمت ظلمهن وأباحت تعدد الزوجات وحددت العدد الذي يحل منهن حين الخوف من عدم الظلم ولكن ربما يحدث لهم الاشتباه في بعض الوقائع المتعلقة بها كأن يقع الاشتباه في حقيقة العدل الواجب بين النساء هل يدخل العدل في الحب أو في لوازمه من زيادة الإقبال على المحبوبة والتبسط في الاستمتاع بها أو لا وهل يحل للرجل أن يمنع اليتيمة ما كتب الله لها من الإرث حين يرغب في نكاحها ؟ وبماذا يصالح امرأته إذا أردت أن تفتدي منه ؟- كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته بعد العمل يتلك الأحكام فمن ثم جاءت هذه الآيات مبينة أتم البيان لذلك.
أخرج ابن جرير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت آيات المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء قانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد ثم قالوا سلوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
تفسير المفردات :
المعلقة التي ليست مطلقة ولا ذات بعل من سعته : من غناه واسعا : غنيا.
الإيضاح :
ثم بين أن العدل بين النساء في حكم المستحيل فعلى الرجل أن يعمل جهد المستطاع قال :
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم أي مهما حرصتم على العدل والمساواة بين المرأتين حتى لا يقع ميل إلى إحداهما ولا زيادة ولا نقص فلن تستطيعوا ذلك ولو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائها به ومن ثم رفع الله ذلك عنكم وما كلفكم إلا العدل فيما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم لأن الباعث على الكثير من هذا الميل هو الوجدان النفسي والميل القلبي الذي لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره ولا يملك آثاره الطبيعية ولهذا خفف الله ذلك عنكم وبين أن العدل الكامل غير مستطاع ولا يتعلق به تكليف.
فلا تميلوا كل الميل أي وإذا كان ذلك غير مستطاع فعليكم ألا تميلوا كل الميل إلى من تحبون منهن وتعرضوا عن الأخرى.
فتذروها كالمعلقة أي فتجعلوها كأنها ليست بالمتزوجة ولا بالمطلقة فإن الذي يغفره لكم من الميل هو ما لا يدخل في اختياركم ولا يكون فيه تعمد التقصير أو الإهمال أما ما يقع تحت اختياركم فعليكم أن تقوموا به إذ لا هوادة فيه.
وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما أي وإن تصلحوا في معاملة النساء وتتقوا ظلمهن وتفضيل بعضهن على بعض فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة فإن الله يغفر لكم مادون ذلك مما لا يدخل في اختياركم كالحب وزيادة الإقبال وغير ذلك.
و في الآية عظة وعبرة لمن يتأملها من عباد الشهوات الذين لا يقصدون من الزوجية إلا التمتع باللذات الحيوانية دون مراعاة أهم أسس الحياة الزوجية التي ذكرها الله في قوله : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً الروم : ٢١ ) ولا يلاحظون أمر النسل وإصلاح الذرية هؤلاء السفهاء الذواقون الذين يكثرون من الزواج ما استطاعوا ولا باعث لهم إلا حب التنقل والملل من السابقة ولا يحظر لهم أمر العدل في بال- عليهم أن يتقوا الله ويفكروا في ميثاق الزوجية وفي حقوقها المؤكدة وفي عاقبة نسلهم وشؤون ذريتهم وفي حال أمتهم التي تتألف من هذه البيوت المبينة على أسس الشهوات والأهواء وفي حال ذريتهم التي تنشأ بين أمهات متعاديات.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير