ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) اعتراضا، تنبيها على ما في ذات الإنسان، والشح أبلغ من البخل إذ هو غريزة.
فإن قيل: فلم ذم إذا الإنسان عليه؟
قيل: ذم الإنسان إنما هو باتباعه بأكثر مما يجب، كما يذم باتباع الشهوة ووجوده في الإنسان محمود لوجود الشهوة، واتباعه هو المكروه،
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (ثلاث مهلكات شح مطاع)
فذم طاعة الشح لا ذاته ثم حرض على الإحسان والتقوى وضمن أنه يجازي بها، بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)

صفحة رقم 183

نبه تعالى على قصور الإنسان عن تحري العدالة بين نسائه، وأن يحرص على
تحريها سيما في الحب، ونهى عن كل الميل عن واحدة فتكون معلقة لا زوجا
مطلقة ولا ذات بعل، لا بعضه، نبه الله تعالى على صعوبة تحري الحق، وأن
الإنسان إذا لم يستطع العدل بينه وبين امرأته مع أن حقها معلوم، فكيف يستطيع أن يعدل بينه وبين رب العزة ونعمه لا تحصى، وحقوقه لا تستقصى، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا)،
ثم قال: (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: إن تحريتم الصلاح، واستجملتم التقوى بقدر وسعكم، فهو ما كان منكم.
فإن قيل: إذا كان الله لا يكلف إلا الوسع، وقد حكم أنكم لا تستطيعون

صفحة رقم 184

أن تعدلوا، فلا ذنب فيما لا يستطاع، فكيف يغفر ذلك والغفران لا يكون إلا لذنب؟
قيل: الإنسان وإن كان لا يستطيع أن يعدل بين نسائه، فإنه يمكنه أن
يحترز من ذلك بأن لا يتزوج بعدة منهن، وكل ما دخل فيما لا يستطيعه فهو
مأخوذ بدخوله فيه، كمن شرب فسكر، ثم جنى جناية، فإنه مأخوذ بجنايته، لما كان هو سبب سكره، وروى أن النبي - ﷺ - كان يقول (اللهم إني أعدل فيما أعدل واستغفرك فيما لا أملك)،
وكان يطوف بين نسائه ليقسم بينهن، ثم استأذهن أن تمرضه عائشة.

صفحة رقم 185

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية