ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

المعنى الجملي : ذكر الله تعالى في هذه الآيات حال قوم من أهل الضلال البعيد – آمنوا في الظاهر نفاقا وكان الكفر قد استحوذ على قلوبهم ولم يجعل فيها مكانا للاستعداد للفهم ومن ثم لم يمنعهم ذلك من الرجوع إلى الكفر مرة بعد أخرى إذ هم لم يفقهوا حقيقة الإيمان ولا ذاقوا حلاوته ولا أشربت قلوبهم حبة ولا عرفوا فضائله ومناقبه ثم أوعد بعدئذ المنافقين بالعذاب الأليم وذكر أنهم أنصار الكافرين على المؤمنين فلا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا منهم أولياء ولا أن يبتغوا عندهم جاها ولا منزلة.
و لا يخفى ما في هذا النص من الوعيد للكفار والمنافقين ثم بين بعض أحوال المنافقين فقال :
الذين يتربصون بكم يتربصون ينتظرون ما يحدث من خير أو شر : أي إن هؤلاء المنافقين ينتظرون ما يحدث لكم من كسر أو نصر أو شر أو خير.
فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم أي فإن نصركم الله وفتح عليكم ادعوا أنهم كانوا معكم فيستحقون مشاركتكم في النعمة وإعطاءهم من الغنيمة.
وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين الاستحواذ : الاستيلاء على الشيء والتمكن من تسخيره أو التصرف فيه : أي وإن كان للكافرين نصيب من الظفر منوا عليهم بأنهم كانوا عونا لهم على المؤمنين بتخذيلهم والتواني في الحرب معهم وإلقاء الكلام الذي تخور به عزائمهم عن قتالكم فاعرفوا لنا هذا الفضل وهاتوا نصيبا مما أصبتم.
و السر في التعبير عن ظفر المؤمنين بالفتح وأنه من الله وعن ظفر الكافرين بالنصيب – الإيماء إلى أن العاقبة للحق دائما وأن الباطل ينهزم أمامه مهما كان له أول أمره من صولة ودولة وقد يقع أثناء ذلك نصيب من الظفر للباطل ولكن تنتهي بغلبة الحق عليه كما قال : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( الروم : ٤٨ ) ما دام أهله متبعين لسنة الله بأخذ الأهبة وإعداد العدة كما أمر بذلك الكتاب العزيز بقوله : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ( الأنفال : ٦٠ ).
و إنما غلب المسلمون في هذه العصور على أمرهم وفتح الكافرين بلادهم التي فتحوها من قبل بقوة إيمانهم لأنهم تركوا أخذ الأهبة وإعداد العدة وقام أعداؤهم بكل ما تستدعيه الحروب الحاضرة فأنشؤوا البوارج والمدافع والدبابات المدرعة والغواصات المهلكة والطائرات المنقضة إلى نحو ذلك من آلات التدمير والهلاك في البر والبحر والجو ووسائل ذلك من علوم طبيعية أو آلية ( ميكانيكية ) أو رياضية.
فالله يحكم بينكم يوم القيامة أي فالله يحكم بين المؤمنين الصادقين والمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر حكما يليق بشأن كل من الثواب والعقاب فيثيب أحباءه ويعاقب أعداءه أما في الدنيا فأنتم وهم سواء في عصمة الأنفس والأموال كما جاء في الحديث :" فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ".
ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي إن المؤمنين ما داموا مستمسكين بدينهم متبعين لأمره ونهيه قائمين بعمل ما يستدعيه الدفاع عن بيضة الدين من أخذ الأهبة وإعداد العدة لن يغلبهم الكافرون ولن يكون لهم عليهم سلطان وما غلب المسلمون على أمرهم إلا بتركهم هدى كتابهم وتركهم أوامر دينهم وراء ظهريا فذلوا بعد عزة وأجلب الكفار عليهم بخيلهم ورجلهم ودخلوا عليهم في عقر دارهم وامتلكوا بلادهم ولله الأمر من قبل من قبل ومن بعد.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير