ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

أخرج ابن أبي سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه أو ينكحها من شاء، فلما مات أبو قيس بن سلمة قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم يورثها من المال شيئا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :" ارجعي لعل ينزل فيك شيء " ورواه ابن أبي حاتم والفريابي والطبراني عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار نحوه بلفظ توفي أبو قيس بن الأسلمة وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت : إنما أعدّك ولدا وأنت من صالحي قومك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال :" ارجعي إلى بيتك " فنزلت ولا تنكحوا ما نكح آباءكم ما موصولة يعني التي نكحها آباؤكم وإنما ذكر ما دون من لأنه أريد به الصفة، وقيل ما مصدرية بمعنى المفعول من النساء بيان ما نكح على الوجهين، وفائدة البيان مع ظهور أن منكوحات الآباء لا تكون إلا من النساء التعميم إلا ما قد سلف الظاهر أن الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه، وقيل استثناء من المعنى اللازم للنهي كأنه قيل تعذبون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا بما قد سلف إنه كان فاحشة يعني أقبح المعاصي عند الله لم يرخص فيه لأمة من الأمم ومقتا ممقوتا لله وعند ذي المروت كان العرب يقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت وكان منهم الأشعت بن قيس وأبو معيط عمرو بن أمية، والمقت أشد البغض وساء سبيلا سبيل من يفعله. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : مر بي خالي ومعه لواء فقلت : أين تذهب ؟ قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج بامرأة أبيه آتيه برأسه " ١ رواه الترمذي وأبو داود، وفي رواية له وللنسائي وابن ماجه والدرامي فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله، وفي هذه الرواية قال : مر بي عمي بدل خالي. ( فائدة ) : المراد بالآباء الأصول بعموم المجاز إجماعا حتى يحرم منكوحة الجد وإن علا سواء كان الجد من قبل الأب أو من قبل الأم. والنكاح قيل : معناه الوطء حقيقة كذا قال ابن الجوزي في التحقيق، وبناء على هذا احتج بهذه الآية على ثبوت حرمة المصاهرة في الزنا ومعنى الآية على هذا لا تطؤا موطوءات الآباء سواء كان الوطء بنكاح صحيح أو فاسد ملك يمين أو بشبهة أو بزنا، وفي القاموس النكاح الوطء والعقد وهذه العبارة تفيد الاشتراك، وفي الصحاح أصل النكاح العقد ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستقبحونه بما يستحسنوه قال الله تعالى : وانكحوا الأيامى منك ٢ إلى غير ذلك من الآيات، والصحيح عندي أن المراد بالنكاح في هذه الآية العقد دون الجماع للإجماع، على أن منكوحة الأب التي وقع عليها عقد النكاح ولم يطأها يحرم على الابن لا خلاف في ذلك وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا مختلف فيه، فحمل الآية على معنى يوجب حكما مجمعا عليه أولى من خلاف ذلك. فإن قيل : إذا أريد بالنكاح في الآية العقد فما وجه القول بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين مع أن حرمتها أيضا مجمع عليه ؟ قلنا : وجه ذلك دلالة النص فإن المقصود من النكاح إنما هو الوطء وهو سبب للجزئية فإذا كان النكاح الذي هو سبب للوطء الحلال موجبا لحرمة المصاهرة كان الوطء الحلال موجبا لها بالطريق الأولى.
مسألة : الزنا لا يوجب حرمته المصاهرة عند الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة وأحمد لوجب وهي رواية عن مالك، وزاد أحمد عليه فقال : إذا أتى رجل امرأة في دبرها أو أتى رجلا في دبره حرمت على الوطء أم المفعول به وبنته رجلا كان أو امرأة، وقد ذكرنا أن الاستدلال على حرمة المصاهرة بهذه الآية ضعيف فالأولى الاستدلال عليه بالقياس على الوطء الحلال لأن علة التحريم كون الوطء سببا للولد ووصف الحل ملغاة شرعا بأن وطء الأمة المشتركة وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها وأمة المجوسية والحائض والنفساء ووطء المحرم والصائم فإن كله حرام ويثبت به حرمة المصاهرة إجماعا فعلم أن المعتبر في الأصل هو ذات الوطء من غير نظر لكونه حلالا أو حراما، قال ابن همام : قد روى أصحابنا فيه أحاديث منها قال رجل : يا رسول الله إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح ابنتها. قال :" لا أدري ذلك ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها " وهو مرسل منقطع، وفيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن ابنة حكيم، ومن طريق ابن وهب عن أبي أيوب عن ابن جريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يتزوج المرأة فيغمز لا يزيد على ذلك :" لا يتزوج ابنتها " وهو مرسل منقطع إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات انتهى كلامه. احتج الشافعي بحديثين : أحدهما حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحرام لا يفسد الحلال " رواه الدارقطني وفيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، قال يحيى بن معين ليس بشيء كان يكذب ضعفه ابن المديني جدا، وقال البخاري والنسائي والرازي وأبو داود ليس بشيء وقال الدارقطني متروك، وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به، ثانيهما حديث ابن عمر نحو حديث عائشة رواه الدارقطني وابن ماجه وفيه عبد الله ابن عمر أخو عبيد الله، قال ابن حبان : فحش خطؤه فاستحق الترك وفيه إسحاق بن محمد العروي، قال يحيى : ليس بشيء كذاب وقال البخاري تركوه.
مسألة : ابن المزينة يحرم عليه منكوحة أبيه الزاني كما يحرم بنت المزنية على أبيها الزاني لأنهما ابنه وابنته حقيقة لغة والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولا شرعيا، وكذا إذا لاعن رجل آمراته بنفي نسب ابنه وابنته فنفى القاضي نسبهما من الأب وألحقهما بالأم لا يجوز لابن الملاعنة أن ينكح منكوحة الملاعن ولا للملاعن أن ينكح ابنة الملاعنة لأنه يحتمل أن يكذب الملاعن نفسه ويدعيها فيثبت نسبهما منه.
مسألة : مس الرجل امرأة والمرأة رجلا بشهوة له حكم الوطء عند أبي حنيفة في وجوب حرمة المصاهرة وكذا نظره إلى فرجها الداخل ونظرها إلى ذكره بشهوة يوجب حرمة وجوب المصاهرة عنده، ولو مس فأنزل أو نظر إلى فرجها فأنزل أو أولج امرأة في دبرها فأنزل قيل يوجب حرمة المصاهرة عنده والصحيح أنه لا يوجب الحرمة عنده أيضا وعند الأئمة الثلاثة المس والنظر لا يوجبان الحرمة، وجه قول أبي حنيفة أن المس والنظر سببان داعيان إلى الوطء فيقامان مقامه في موضع الاحتياط وإذا أنزل لم يبق داعيا إلى الوطء والمس بشهوة إن ينتشر الآلة أو يزداد انتشار هو الصحيح.

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: فيمن تزوج امرأة أبيه (١٣٦٢)..
٢ سورة النور، الآية: ٣٢..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير