تفسير سورة سورة الفرقان

أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري

مجاز القرآن

أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (ت 209 هـ)

الناشر

مكتبة الخانجى - القاهرة

الطبعة

1381

المحقق

محمد فواد سزگين

نبذة عن الكتاب





أشهر آثار أبي عبيدة (ت 208هـ) وأجلها، وللمشايخ في التنفير عنه وإخمال ذكره مذاهب وأقوال، لما اشتهر به من الاعتداد بمقالات الصفرية ومدحه وتعظيمه للنظام (رأس المعتزلة) ومن هنا قال الجاحظ: (لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة) ولكن كان من حسن طالع هذا الكتاب أن تصدى لتحقيقه د فؤاد سزكين، وبه نال شهادة الدكتوراه عام 1950م، وكان في السادسة والعشرين من العمر، وقام بنشر الكتاب عام 1954م، وقال في مقدمته لنشرته ما ملخصه: (حين عزمت على تحقيق كتاب مجاز القرآن كموضوع للحصول على درجة الدكتوراه لم يكن بين يدي من أصوله إلا نسخة إسماعيل صائب (من مخطوطات القرن الرابع، بلا تاريخ، رواها ثابت بن أبي ثابت عن الأثرم عن أبي عبيدة، وعليها تملك يدل أنها كانت في القسطنطينية سنة 980هـ وعلى الجزء الثاني منها تصحيحات من رواية أبي حاتم السجستاني لكتاب المجاز، على حين أن الجزء الأول يخلو من هذه التعليقات تماما) وهي على قيمتها وقدمها لا تكفي لإقامة نص الكتاب، لما بها من نقص وانطماس ومحو في كلماتها، ولذلك لزمني البحث عن غيرها من الأصول، فاستحضرت الجزء المحفوظ بدار الكتب المصرية منها (وهي نسخة حديثة جدا، نسخت عن نسخة تونس عام 1319هـ) ، ونسخة من جامعة القاهرة بمصر، المصورة عن المخطوطة المحفوظة بمكة المكرمة (ولعلها من مخطوطات القرن السادس، ناقصة 20 ورقة من أولها) ثم حصلت على صورة من نسخة تونس (المكتوبة عام 1029هـ وهي فرع مباشر أو غير مباشر من نسخة مراد منلا) وأخيرا على نسخة مراد منلا وهي قيمة وقديمة (يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الرابع، وناسخها عمر بن يوسف بن محمد) وبذلك أصبح لدي من أصول كتاب المجاز ما استطعت معه أن أجرؤ على إخراجه. ولم يكن الحصول على أصول متعددة كافيا لإخراج الكتاب كما كنت أتوقع ... فكل نسخة لها مشاكلها الخاصة) واتخذ سزكين نسخة مراد منلا اصلا لنشرته، قال: (وارتكبنا نوعا من التلفيق واختيار الأصل حيث وجدنا نصه أكمل وأوضح، وقد وردت في بعض الأصول أسماء لبعض معاصري أبي عبيدة مثل الفراء والأصمعي، فرجحنا دائما الرواية التي لا تحوي هذه الأسماء) . ونبه إلى الفروقات الشاسعة بين متن المخطوطات، قال: ويكاد يتعذر الجمع بين روايتي النسختين في تفسير سورة النساء.. (إلى أن قال) : فهذه نسخ المجاز التي بين أيدينا الآن، وليس الخلاف بينها بالأمر الجديد، فقد كانت منذ القديم مختلفة، وتدلنا النصوص المنقولة عنها أن الرواية التي كان يعتمد عليها القاسم بن سلام والطبري والجوهري كانت تشبه نسخة مراد منلا، وأن أبا علي الفارسي وابن دريد وابن بري والقرطبي والسجاوندي كانوا يعتمدون على نسخة شبيهة بنسخة إسماعيل صائب، كما تدل أيضا أن نسخة البخاري وابن قتيبة والمبرد والزجاج والنحاس كانت رواية أخرى غير الروايتين اللتين عندنا معا. قال: (وعليّ أن أعترف بالجميل لأستاذي العلامة هلموت ريتر الذي حبب إلي هذا الموضوع وأشرف على سيري فيه، وللعلامة محمد بن تاويت الطنجي الذي أدين له بشيء كثير في إخراج هذا الكتاب، فقد قرأ مسودته وصحح أخطاء كانت بها، ثم أشرف على طبعه، فالله يجزيه عن العلم خير الجزاء، كما أتوجه بالشكر الجزيل للعلامة أمين الخولي أستاذ التفسير بجامعة القاهرة حيث تفضل بقراءة هذا الجزء ولاحظ عليه ملاحظات قيمة، كما تفضل بكتابة التصدير الذي نثبته في أول الكتاب. قال: (وكان أبو عبيدة يرى أن القرآن نص عربي، وأن الذين سمعوه من الرسول ومن الصحابة لم يحتاجوا في فهمه إلى السؤال عن معانيه ... وقد تعرض مسلك أبي عبيدة هذا لكثير من النقد، فأثار الفراء (ت 211هـ) الذي تمنى أن يضرب أبا عبيدة لمسلكه في تفسير القرآن (تاريخ بغداد 13/ 255) وأغضب الأصمعي (أخبار النحويين ص61) وراى أبو حاتم أنه لا تحل كتابة المجاز ولا قراءته إلا لمن يصحح خطأه ويبينه ويغيره (الزبيدي ص 125) وكذلك كان موقف الزجاج والنحاس والأزهري منه، وقد عني بنقد أبي عبيدة علي بن حمزة البصري (ت 375هـ) في كتابه (التنبيهات على أغاليط الرواة) ولكن القسم الخاص بنقد أبي عبيدة غير موجود في نسخة القاهرة، ولهذا لا نستطيع أن نقول شيئا عن قيمة هذا النقد) ا. هـ قلت أنا زهير: وإنما ذكرت كلام سزكين هذا على طوله ليعلم الناس ما لحق الكتاب من الخمول، فهذا المرحوم إبراهيم مصطفى، قد جاهد وأكثر البحث عن مخطوطة للكتاب، وانتهى به جهاده أن قال: (وقد بقي لنا من هذا الكتاب جزء يسير..... وبالمكتبة الملكية بمصر قطعة من أوله تحت رقم (586) سجلت بعنوان (تفسير غريب القرآن) وخطها مغربي حديث، ولم أجد منه غير هذه القطعة، وأسأل من عرف منه نسخة أخرى أن يهديني إليها مشكورا) (إحياء النحو: ص 16) وهو من جيل طه حسين، وكتابه (إحياء النحو) من أشهر الكتب التي صدرت في الثلاثينيات من القرن العشرين (لجنة التأليف والترجمة: 1937م) . وقد قدم له طه حسين بمقدمة طويلة جاءت في (14) صفحة، وهو الذي اقترح على المؤلف تسمية الكتاب (إحياء النحو) وتطرق (ص11) إلى تعريف كتاب المجاز فذكر أن أبا عبيدة قدم فيه مسلكا آخر في درس اللغة العربية يتجاوز الإعراب إلى غيره من قواعد العربية، وحاول أن يبين ما في الجملة من تقديم وتأخير أو حذف أو غيرها، وكان بابا من النحو جديرا أن يفتح، وخطوة في درس العربية حرية أن تتبع الخطة الأولى في الكشف عن علل الإعراب، ولكن النحاة =والناس من ورائهم= كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه وفتنوا به كل الفتنة، حتى كان أبو عثمان المازني (ت 247) يقول: (من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي) فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) وأهمل الكتاب ونسي، ووقع بعض الباحثين في أيامنا على اسمه فظنوه كتابا في البلاغة، وما كانت كلمة المجاز إلى ذلك العهد قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة النحو في عبارة غيره من علماء العربية، فإنهم سموا بحثهم (النحو) أي سبيل العرب في القول، واقتصروا منه على ما يمس آخر الكلمة، وسمى بحثه المجاز، أي طريق التعبير، وتناول غير الإعراب من قوانين العبارة العربية، ولم يكثر ما أكثر سيبويه وجماعته، ولم يتعمق ما تعمقوا، ولا أحاط إحاطتهم، ولكنه دل على تبصرة انصرف الناس عنها غافلين، وقد بدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها كثيرا من أنواع المجاز التي يقصد إلى درسها، ثم أخذ في تفسير القرآن الكريم كله، يبين ما في آياته من مجاز على المعنى الذي أراد. ومن أمثلة بحوثه قوله: (ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت إلى مخاطبة الغائب، قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) أي بكم. ومن مجاز ما جاء خبرا عن غائب ثم خوطب الشاهد (ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى) ومن ذلك قوله: و (لا) من حروف الزوائد، ومثل على ذلك بشواهد منها الآية (ما منعك ألا تسجد) قال: مجازه أن تسجد. ويفهم مراد أبي عبيدة بالمجاز من كلامه في توجيه الآية (مالك يوم الدين) قال: (مالكَ) نصب على النداء، وقد تحذف ياء النداء، لأنه يخاطب شاهدا، ألا تراه يقول (إياك نعبد) فهذه حجة لمن نصب، ومن جر قال: هما كلامان مجازه (مالكِ يوم الدين) حدّث عن غائب، ثم رجع فخاطب شاهدا فقال: إياك نعبد


«سورة الفرقان» (٢٥)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

« [وَلا] حَياةً وَلا نُشُوراً» (٣) مصدر نشر الميّت نشورا وهو أن يبعث ويحيا بعد الموت قال الأعشى:
حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميّت الناشر
«١» [٦٠٩].
«إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ» (٤) الإفك البهتان وأسوأ الكذب، افتراه أي اختلقه واخترعه من عنده..
«فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ» (٥) أي تقرأ عليه وهى من أمليته عليه «٢»، وهى فى موضع آخر أمللت عليه..
«وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» (١١) ثم جاء بعده
«إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» (١٢) والسعير مذكر وهو ما تسعّر من سمار النار، ثم جاء بعده فعل مؤنثة مجازها أنها النار، والعرب تفعل ذلك تظهر مذكرا من سبب مؤنثة ثم يؤنّثون ما بعد المذكر «٣» على معنى المؤنثة.
(١). - ٦٠٩: ديوانه ص ١٠٥- والطبري ١٩/ ٥١٣ والجمهرة ٢/ ٣٤٩: والقرطبي ١٣/ ٣ واللسان والتاج (نشر).
(٢). - ٨ «فهى تملى... أمليته عليه» : روى ابن حجر هذا الكلام عنه وزاد: يشير إلى قوله تعالى فى سورة البقرة «وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ» (٢٨٢- فتح الباري ٨/ ٣٧٧).
(٣). - ١٠- ١٢ «اعتدنا... المذكر» : روى ابن حجر هذا الكلام عن أبى عبيدة أثناء كلامه على قول البخاري: وقال غيره السعير مذكر (فتح الباري ٨/ ٣٧٧).
قال المخيّس «١» :
إن تميما خلقت ملموما
[٦١٠] فتميم رجل ثم ذهب بفعله إلى القبيلة فأنّثه فقال: خلقت، ثم رجع إلى تميم فذكّر فعله فقال «ملموما» ثم عاد إلى الجماعة فقال:
قوما ترى واحدهم صهميما
ثم عاد إليه فقال:
لا راحم الناس ولا مرحوما.
«دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً» (١٣) أي هلكة «٢» وهو مصدر ثبر الرجل أي هلك، قال:
إذا جارى الشيطان فى سنن الغىّ ومن مال ميله مثبور (٤٥٥).
«ما كانَ يَنْبَغِي لَنا» (١٨) مجازه ما يكون لنا و «كان» من حروف الزوائد هاهنا قال ابن أحمر:
(١). - ٦١٠: «المخيس» : المخيس بن أرطأة الأعرجى الراجز وهو أول شاعر مدح بنى العباس فى خلافتهم فمدح السفاح والمنصور. انظر ترجمته فى معجم المرزباني ص ٥٧٩- وأنشد الجوهري هذه الأشطار مع آخر وقال: وأنشد أبو عبيد للمخيس واستشكله ابن برى وقال: صوابه أن يقول وأنشد أبو عبيدة للمخيس الأعرجى قال كذا قال أبو عبيدة فى كتاب المجاز فى سورة الفرقان عند قوله عز وجل «وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» فالسعير مذكر ثم أنثه فقال إذا... سمعوا لها وكذلك قوله إن تميما... الشطر، فجمع وهو يريد أبا الحي ثم قال فى الآخر: لا راحم، الشطر قال وهذا الرجز فى رجز رؤية (اللسان- صهم).
لقد ورد الشطر الأول فقط بين الأبيات المفردات اللاتي فى آخر ديوانه (١٨٥)، والثاني مع الثالث فى الجمهرة ٣/ ٣٧٣ وكلها فى التاج أيضا (صهم).
(٢). - ٨- ٩ «ثبورا- هلكة» : روى ابن حجر هذا الكلام عنه فى فتح الباري ٨/ ٣٧٧.
— 71 —
ما أمّ غفر على دعجاء ذى علق ينفى القراميد عنها الأعصم الوقل
«١» [٦١١]
فى رأس خلقاء من عنقاء مشرفة لا ينبغى دونها سهل ولا جبل
وقل وو قل وندس وندس وحدث وحدث وفرد وفرد، والغفر ولد الوعل الصغير، والدعجاء: اسم هضبة «٢» وذو علق جبل، والقراميد أولاد الوعول واحدها قرمود، والقراهيد «٣» الصغار أيضا: الأعصم الذي بإحدى يديه بياض «٤»، والوقل المتوقّل فى الجبال، والخلقاء الملساء، والعنقاء:
الطويلة. قال أبو عبيدة: أي لا يكون سهل ولا جبل مثلها..
«وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ» (١٨) أي أنسأتهم وأخّرتهم ومددت لهم..
«وَكانُوا قَوْماً بُوراً» (١٨) واحدهم بائر أي هالك ومنه قولهم: نعوذ بالله من بوار الأيّم «٥»، وبار الطعام وبارت السّوق أي هلكت وقال عبد الله ابن الزّبعرى:
(١). - ٦١١: البيتان فى الطبري ٢٣/ ٩١ والأول فى الجمهرة ٣/ ٣٧٥ ومعجم البلدان ٣/ ٧١٢ واللسان والتاج (قرمد).
والثاني فى القرطبي ١١/ ١٥٨- «ذو علق» : قال فى معجم البلدان: جبل معروف فى أعلاه هضبة سوداء قال الأصمعى وأنشد أبو عبيدة لابن أحمر البيت... إلخ.
(٢). - ٤ «الهضبة» كل جبل خلق من صخرة واحدة وقيل كل صخرة راسية صلبة ضخمة هضبة (اللسان).
(٣). - ٤: القراميد والقراهيد: قال صاحب اللسان قال الأزهرى القراميد والقراهيد أولاد الوعول واحدها قرد.
(٤). - ٥ «الأعصم... بياض» : روى صاحب اللسان هذا الكلام عن أبى عبيدة (عصم) وهو فى الجمهرة أيضا (٣/ ٣٧٥)
(٥). - ١٠- ١١ «نعوذ... الأيم» : أي كسادها وهو أن تبقى المرأة فى بيتها لا يخطبها خاطب من بارت السوق إذا كسدت والأيم التي لا زوج لها وهى مع ذلك لا يرغب فيها أحد (اللسان).
— 72 —
يا رسول المليك إنّ لسانى راتق ما فتقت إذ أنا بور
(٣٩٠) وقال بعضهم: رجل بور ورجلان بور ورجال بور وقوم بور، وكذلك الواحدة والثنتان والجميع من المؤنثة «١»..
«وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» (٢١) مجازه لا يخافون ولا يخشون. وقال أبو ذؤيب:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وحالفها فى بيت نوب عوامل
(٣٠٩) ويروى خالفها بالخاء..
«وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً» (٢٢) أي حراما محرّما، قال المتلمّس:
حنّت إلى النّخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدّهاريس
(٢٣٥) وفى آية أخرى «لِذِي حِجْرٍ» (٨٩/ ٥) أي لذى عقل ولبّ، ومن الحرام سمّى حجر الكعبة «٢»، والأنثى من الخيل يقال لها حجر..
«وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ» (٢٣) مجازه وعمدنا إلى ما عملوا «٣»، قال:
(١). - ٢- ٣ «بعضهم... المؤنثة» : انظر ما رواه صاحب اللسان عن أبى عبيدة فى تفسيره هذا (بور).
(٢). - ١١ «حجر الكعبة» قال الطبري: لأنه لا يدخل إليه فى الطواف وإنما يطاف من ورائه.
(٣). - ١٢- ١٣ «وعمدنا... عملوا» : فى الطبري ١٩/ ٣. (١٩/ ٢).
فقدم الخوارج الضّلّال إلى عباد ربّهم فقالوا
«١» [٦١٢] إنّ دماءكم لنا حلال مثل الغبار إذا طلعت فيه الشمس وليس له مسّ ولا يرى فى الظل «٢»..
«يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً» (٢٦) أي شديدا صعبا..
«مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» (٢٧) أي سببا ووصلة قال جرير:
أفبعد مقتلكم خليل محمد ترجو القيون مع الرسول سبيلا
«٣» [٦١٣].
«وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ» (٣٠) وقال هاهنا فى موضع «يقول» والعرب تفعل ذلك قال الشاعر:
مثل العصافير أحلاما ومقدرة لو يوزنون بزفّ الرّيش ما وزنوا
[٦١٤] وهى فى موضع آخر لم يزنوا لأنهم لم يفعلوا بعد وقال:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا منى وما يسمعوا من صالح دفنوا
«٤» (٢١٠) أي يطيروا ويدفنوا..
«لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» (٣٢) مجازه لنطيّب به نفسك ونشجّعك.
(١). - ٦١٢: الأشطار فى الطبري ١٩/ ٣ القرطبي ١٣/ ٢١. [.....]
(٢). - ٣- ٤ «وهو... الظل» : روى ابن حجر هذا الكلام عنه (فتح الباري ٧/ ٣٧٦).
(٣). - ٦١٣: ديوانه ص ٤٥٤.
(٤). - ٦١٥: ديوانه ص ٤٥٩.
«أَصْحابَ الرَّسِّ» (٣٨) أي المعدن «١» قال النابغة الجعدىّ:
سبقت إلى فرط ناهل... تنابلة يحفرون الرّساسا
«٢» [٦١٦] والرّساس المعادن..
«وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً» (٣٩) أي أهلكنا واستأصلنا..
«إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا» (٤٢) كاد هاهنا فى موضع المقاربة وقد فرغنا فوق هذا من مواضع «كادَ»..
«تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» (٤٣) أي حفيظا..
«كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» (٤٥) فالظل ما أصبح ونسخته الشمس، ولو شاء الله لم تنسخه الشمس فتركه تاما ممدودا لم تنقصه الشمس، ولكنه جعل الشمس دليلا عليه، أي على الظل حيث نسخته، والشمس مؤنثة وجاءت صفتها على تقدير صفة المذكر، والعرب قد تفعل ذلك وإنما يريدون به البدل كقولهم: هى عديلى أي التي تعادلنى ووصىّ ونحو ذلك. قال الأعشى:
هى الصاحب الأدنى وبينى وبينها... مجوف علافى وقطع ونمرق
«٣» [٦١٧]
(١). - ١ «الرس أي المعدن» : نقل ابن حجر تفسير أبى عبيدة هذا (فتح الباري ٨/ ٣٧٧).
(٢). - ٦١٦: ديوانه ص ٧٥ والجمهرة ١/ ٨١ فى الطبري ١٩/ ٦ وعجزه فى اللسان (رسس) والقرطبي ١٣/ ٣٢.
(٣). - ٦١٧: ديوانه ص ١٤٧.
رجل علافىّ مجوف ضخم الجوف، وقال:
وصاحبى ذات هباب دمشق
«١» [٦١٨] وقالت:
قامت تبكيه على قبره من لى من بعدك يا عامر [٦١٩]
تركتنى فى الدار ذا غربة قد ذل من ليس له ناصر
«٢» والفيء ما نسخ الشمس من الظل: وهو بالعشي وإذا استدارت الشمس.
«أرسل الرّياح نشرا» (٤٨) أي حياة وهو من «نشر»..
«بَلْدَةً مَيْتاً» (٤٩) مخففة بمنزلة تخفيف هيّن وليّن وضيّق: هين ولين وضيق ولم تدخل الهاء فيها، والبلدة مؤنثة فتكون ميتة لأن المعنى وقع على المكان والعرب تفعل ذلك قال:
إن تميما خلقت ملموما
(٦١٠) فذهب بتذكيره إلى تميم وقال آخرون: بل الأرض التي ليس فيها نبات ميت بلا هاء، والروحانية إذا ماتت فهى ميتة بالهاء.
(١). - ٦١٨: من رجز فى اللسان والتاج (دمشق) للزفيان قال فى اللسان: وأنشد أبو عبيدة قول الزفيان والشطر فى الطبري مع آخر ٢١/ ٥٧، الدمشق الناقة الخفيفة السريعة.
(٢). - ٦١٩: التنبيه للبكرى ص ٣٠ والسمط ص ١٧٤ وذيله ص ٧٤ واين يعيش ١/ ٦٩٦.
«وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ» (٥٣) إذا تركت الشيء وخلّيته فقد مرجته، ومنه قولهم مرج الأمير الناس أي خلّاهم بعضهم على بعض مرجت دابتك أي تركتها فى أمر مريج أي مختلط، وإذا رعيت الدابة فقد أمرجتها قال العجّاج:
رعى بها مرج ربيع ممرجا
«١» [٦٢٠] وفى الحديث مرجت عهودهم وأماناتهم «٢» أي اختلطت وفسدت..
«هذا عَذْبٌ فُراتٌ» (٥٣) أي شديد العذوبة..
«أُجاجٌ» (٥٣) والأجاج أملح الملوحة وما بين ذلك المسوس والزّعاق الذي يحرق كل شىء من ملوحته قال ذو الإصبع:
لو كنت ماء كنت لا... عذب المذاق ولا مسوسا
«٣» [٦٢١].
«وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً» (٥٣) كل ما بين شيئين برزخ وما بين الدنيا والآخرة برزخ..
«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً» (٥٤) مجازه خلق من النّطف البشر وفى آية أخرى «مِنْ ماءٍ دافِقٍ» (٨٦/ ٦) أي نطفة..
«وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً» (٥٥) أي مظهورا به أي هيّنا ومنه ظهرت به فلم التفت إليه.
(١). - ٦٢٠: ديوانه ص ٩ واللسان والتاج (مرج).
(٢). - ٦ «مرجت.. أماناتهم» : فى النهاية واللسان (مرج) فى الطبري ١٩/ ١٤ والقرطبي ١٣/ ٥٨.
(٣). - ٦٢١: ذو الإصبع: هو حرثان بن السموأل الملقب ذا الإصبع العدواني لقب بذلك لان حية لسعت إصبعه فقطعها انظر أخباره فى الأغانى (الدار) ٣/ ٨٩ وترجم له فى السمط ص ٢٨٩، والخزانة ٢/ ٤٠٨- والبيت فى الجمهرة ٣/ ٤٢٩ واللسان (مسس).
وله موضع آخر مجازه معينا عدوّه..
«قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» (٥٧) والعرب قد تستثنى الشيء من الشيء وليس منه على الاختصار، وفيه ضمير تقديره قل ما أسألكم عليه من أجر إلّا أنه من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتخذه. قال أبو خراش:
نجا سالم والنّفس منه بشدقه... ولم ينج الا جفن سيف ومئزرا
(٥١١) فاستثنى الجفن والمئزر وليسا من سالم إنما هو على الاختصار وقال:
وبلد ليس به أنيس... إلّا اليعافير والّا العيس
(١٦٥) يعنى الإبل فاستثنى اليعافير، والعيس من الناس كأنه قال: إلّا أن بها يعافير وعبسا، واليعافير الظباء واحدها يعفور، وفى آية أخرى «فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ» (٢٦/ ٧٧) وقال:
فديت بنفسه نفسى ومالى... وما آلوك إلا ما أطيق
«١» [٦٢٣] وقال:
يا ابن رفيع هل لها من غبق... ما شربت بعد ركىّ العرق
(٤٠٨) من قطرة غير النجاء الدفق.
«الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما» (٥٩) والسموات جميع فجاءت على تقدير الواحد والعرب إذا جمعوا جميع موات ثم أشركوا بينه وبين واحد جعلوا خبر جميع الجميع المشرك بالواحد على تقدير خبر الواحد قال:
ان المنيّة والحتوف كلاهما... توفى المخارم ترقبان سوادى
(٥٧٦) وكذلك الجميع مع الجميع قال القطامىّ:
ألم يحزنك ان حبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا
(٥٧٧) أي وحبال تغلب..
«وَجَعَلَ فِيها سِراجاً» (٦١) أي شمسا وضياء.
و «جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً» (٦٢) أي يجىء الليل بعد النهار ويجىء النهار بعد الليل يخلف منه وجعلهما خلفة وهما اثنان لأن الخلفة مصدر فلفظه من الواحد والاثنين والجميع من المذكر والمؤنث واحد وقال الشاعر:
ولها بالماطرون إذا... أكل النّمل الذي جمعا «٢» [٦٢٤]
خلفة حتى إذا ارتبعت... سكنت من جلّق بيعا
(١). - ٦٢٣: البيت فى ديوان عروة بن الورد ٢٠٥ والطبري ٢٠/ ٦٥ وشواهد المغني ص ٣٢٨.
(٢). - ٦٢٤: فى الكامل للمبرد ٢١٨ والطبري ١٩/ ١٩ والجمهرة ٢/ ٢٣٨ والقرطبي ١٣/ ٦٦، وانظر ما تقدم من الخلاف فى عزو البيت فى رقم ٢٣٢.
الآيات من ٦٥ إلى ٦٦
وقال:
بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن فى كل مجثم
«١» [٦٢٥].
«إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً» (٦٥) أي هلاكا ولزاما لهم ومنه رجل مغرم بالحب حب النساء من الغرم والدّين قال الأعشى:
فرع نبع يهتزّ فى غصن المج د غزير النّدى شديد المحال (٣٧٥)
إن يعاقب يكن غراما وإن يع ط جزيلا فإنه لا يبالى
وقال بشر بن أبى خازم:
ويوم النسار ويوم الجفا ر كانوا عذابا وكانوا غراما
«٢» [٦٢٦] أي هلكة..
«ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» (٦٦) أي قرارا وإقامة لأنه من أقام أي مخلدا ومنزلا، وقال جرير:
حيّوا المقام وحيّوا ساكن الدار
«٣» [٦٢٧] وقال سلامة بن جندل:
يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب
(٥١٦)
(١). - ٦٢٥: هذا البيت من معلقة زهير (فى ديوانه ص ٥) وهو مما استشهد به المفسرون وأصحاب اللغة فى تفسير الآية ولكن عجز البيت لا يوافق عجز البيت الذي ورد فى النسختين اللتين بأيدينا فأثبتناها فى الفروق والبيت فى الطبري ١٩/ ١٩ والجمهرة ٢/ ٢٣٨ واللسان والتاج (خلف) والقرطبي ١٣/ ٦٥. [.....]
(٢). - ٦٢٦: فى الطبري ١٩/ ٢١ والجمهرة ٢/ ٨١ والاقتضاب ص ٣١٦ ومعجم البلدان ٢/ ٨٩، ٤/ ٧٧٩ وينسب فى اللسان إلى الطرماح (غرم).
(٣). - ٦٢٧: ديوانه ص ٣٨٠.
وإذا فتحوا أوله فهو من قمت وفى آية أخرى «وَمَقامٍ كَرِيمٍ» (٢٦/ ٥٨) أي مجلس وقال عبّاس بن مرداس:
فأىّ ما وأيّك كان شرّا... فقيد إلى المقامة لا يراها
«١» [٦٢٨] يدعو عليه بالعمى «٢»، أي إلى المجلس..
«يَلْقَ أَثاماً» (٦٨) أي عقوبة.
«يضعّف له العذاب يوم القيامة» (٦٩) أي يلق عقوبة وعقابا كما وصف «يضعّف له العذاب» وقال بلعاء بن قيس الكناني:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى... عقوقا والعقوق له أثام
«٣» [٦٢٩] أي عقابا.
فى ليلة من جمادى ذات أندية... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
«٤» [٦٣٠] التأويب سير النهار كله ثم يتأوب ليلا أهله وقال لبيد
ومقام ضيّق فرّجته... بلساني وبيانى وجدل «٥» [٦٣١]
لو يقوم الفيل أو فيّالة... زاح عن مثل مقامى وزجل
(١). - ٦٢٨: فى الكتاب ١/ ٣٥٢ والطبري ١٩/ ٢١، ٢٠/ ٣٩، ٢١/ ٧٨ والشنتمرى ١/ ٣٩٩ والخزانة ٢/ ٢٣٠.
(٢). - ٤ «يدعو... بالعمى» : أي يدعو العباس بن مرداس على خفاف بن ندبة لأن البيت من جملة أبيات له قالها لخفاف بن ندبة فى أمر شجر بينهما.
(٣). - ٦٢٩: «بلعاء» : هو بلعاء بن قيس الكناني.. وكان رأس بنى كنانة فى أكثر حروبهم ومغازيهم وكان كثير الغارات على العرب وهو شاعر محسن وقد قال فى كل فن أشعارا جيادا وانظر ترجمته فى المؤتلف ص ١٠٦ وله أخبار فى حروب الفجار وانظر الأغانى ١٩/ ٧٧ وفاته فى هذه الحرب ص ٨٠- والبيت فى الكامل للمبرد ص ٤٤٦ والطبري ١٩/ ٢٤ واللسان (اثم) والقرطبي ١٣/ ٧٦.
(٤). - ٦٣٠: فى الحماسة ٤/ ١٢٤ والصحاح واللسان والتاج (ندى) والعبنى ٤/ ٥١٠.
(٥). - ٦٣١: ديوانه ٢/ ١٦ ومعجم البلدان ٣/ ٦٥٢، ٨٣٣.
«اللغو» (٧٢) كل كلام ليس بحسن وهو فى اليمين لا والله وبلى والله..
«لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً» (٧٣) مجازه لم يقيموا عليها تاركين لها لم يقبلوها..
«قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي» (٧٧) ومنه قولهم ما عبأت بك شيئا «١» أي ما عددتك شيئا..
«فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً» (٧٧) أي جزاء وهو الفيصل قال الهذلي:
فإما ينجوا من حتف يوم... فقد لقيا حتوفهما لزاما
«٢» [٦٣٢] يلزم كلّ عامل ما عمل من خير أو شر وله موضع آخر فسوف يكون هلاكا قال أبو ذؤيب:
ففاجئه بعادية لزام... كما يتفجّر الحوض اللقيف
«٣» [٦٣٣] الحوض اللقيف الذي قد تهدمت حجارته سقط بعضها على بعض لزام أي كثيرة بعضها فى إثر بعض.
(١). - ٤- ٥ «ومنه... شيئا» : روى ابن حجر هذا الكلام عن أبى عبيدة فى فتح الباري ٨/ ٣٧٧.
(٢). - ٦٣٢: ديوان الهذليين ١/ ١٠٢ والطبري ١٩/ ٣٣ والقرطبي ١٣/ ٨٦ واللسان والتاج (لزم).
(٣). - ٦٣٣: البيت للصحز الغى الهذلي فى ديوان الهذليين ٢/ ٦٥ والطبري ١٩/ ٣٣ والقرطبي ١٣/ ٨٦ واللسان والتاج (لزم).
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

12 مقطع من التفسير