تفسير سورة سورة الرحمن
أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى
تفسير مقاتل بن سليمان
أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (ت 150 هـ)
نبذة عن الكتاب
أولًا: هذا التفسير هو المعتمد عن مقاتل بن سليمان، وهو الذي وقع فيه الكلام على مقاتل بن سليمان، حيث يكثر نقل قول مقاتل في كتب التفسير الأخرى وهي مأخوذة من هذا الكتاب.
وقصارى الأمر: أن ينسب هذا التفسير إلى مقاتل حتى ولو كان ناقلاً له؛ لأنه ما دام ناقلاً وانتخب فكأنه قد اقتنع بهذا القول وقال به، فلا ينسب إلى غيره، وهذا ما جرى عليه المفسرون بعد ذلك، فيقولون: قال مقاتل في تفسيره، ولا يقولون: روى مقاتل؛ لأنه الرواية فيه قليلة كما ذكرت، فالإنسان إذا انتخب بهذا الأسلوب كأن ما انتخبه يكون من قوله؛ ولهذا يناقشونه على أنه قول مقاتل، وليس على أنه قول فلان، أو غيره ممن سبقهم.
ثانيًا: ذكر طريقته في كتابه هذا، فذكر من سيروي عنهم التفسير، ثم سرد بعد ذلك بدون إسناد، ولا نسبة للأقوال إلى قائلها، فلو نظرت في أول الصفحة فستجد من روي عنه التفسير في هذا الكتاب، من دون ذكر إسناد، وحين دخل في التفسير حذف الإسناد وذكره تفسير الآيات مباشرةً، فلا نستطيع أن نميز قائل هذه الروايات، وهذا مما نقد على مقاتل ، مع أن مقاتلاً تكلم فيه أصلاً، حيث اتهم بالكذب وروايته لا تقبل، ففعله هذا أيضاً زاد طيناً بلة كما يقال.
ثالثًا: نجد أنه يورد أحاديث نبوية، منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسناد في وسط الكتاب.
رابعًا: هذا التفسير يعتبر تفسيرًا كاملًا للقرآن، ليس آيةً آيةً فحسب، بل حرفًا حرفًا، فهو يفسر الآيات حرفًا حرفًا.
خامسًا: هذا التفسير فيه عناية كبيرة جدًا بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك بذكر النظائر القرآنية، وإذا عرفت أن مقاتلاً له كتاب اسمه: وجوه النظائر، فلا يبعد علينا أن نتصور أنه اهتم في تفسيره هذا بالنظائر القرآنية.
سادسًا: فيه عناية بذكر قصص الآي، خصوصاً أخبار بني إسرائيل، وهو يعتبر أحد الذي يعتنون بالرواية عن بني إسرائيل،
سابعًا: له عناية بمبهمات القرآن، يعني: من نزل فيه الخطاب، فيحرص على ذكر من نزل فيه الخطاب، وهذا يسمى مبهمات القرآن، أو يدخل في المراد بالقرآن.
ثامنًا: له عناية بأسباب النزول.
تاسعًا: هذا التفسير لا يستفيد منه المبتدئ، وإنما هو مرجع يستفيد منه المتخصصون في حال الرجوع إلى الرواية ومعرفة القول فقط.ولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل عن هذا التفسير: (ما أحسن هذا التفسير فلو كان له إسناد)، لو كان له إسناد لتبين.
وقصارى الأمر: أن ينسب هذا التفسير إلى مقاتل حتى ولو كان ناقلاً له؛ لأنه ما دام ناقلاً وانتخب فكأنه قد اقتنع بهذا القول وقال به، فلا ينسب إلى غيره، وهذا ما جرى عليه المفسرون بعد ذلك، فيقولون: قال مقاتل في تفسيره، ولا يقولون: روى مقاتل؛ لأنه الرواية فيه قليلة كما ذكرت، فالإنسان إذا انتخب بهذا الأسلوب كأن ما انتخبه يكون من قوله؛ ولهذا يناقشونه على أنه قول مقاتل، وليس على أنه قول فلان، أو غيره ممن سبقهم.
ثانيًا: ذكر طريقته في كتابه هذا، فذكر من سيروي عنهم التفسير، ثم سرد بعد ذلك بدون إسناد، ولا نسبة للأقوال إلى قائلها، فلو نظرت في أول الصفحة فستجد من روي عنه التفسير في هذا الكتاب، من دون ذكر إسناد، وحين دخل في التفسير حذف الإسناد وذكره تفسير الآيات مباشرةً، فلا نستطيع أن نميز قائل هذه الروايات، وهذا مما نقد على مقاتل ، مع أن مقاتلاً تكلم فيه أصلاً، حيث اتهم بالكذب وروايته لا تقبل، ففعله هذا أيضاً زاد طيناً بلة كما يقال.
ثالثًا: نجد أنه يورد أحاديث نبوية، منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسناد في وسط الكتاب.
رابعًا: هذا التفسير يعتبر تفسيرًا كاملًا للقرآن، ليس آيةً آيةً فحسب، بل حرفًا حرفًا، فهو يفسر الآيات حرفًا حرفًا.
خامسًا: هذا التفسير فيه عناية كبيرة جدًا بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك بذكر النظائر القرآنية، وإذا عرفت أن مقاتلاً له كتاب اسمه: وجوه النظائر، فلا يبعد علينا أن نتصور أنه اهتم في تفسيره هذا بالنظائر القرآنية.
سادسًا: فيه عناية بذكر قصص الآي، خصوصاً أخبار بني إسرائيل، وهو يعتبر أحد الذي يعتنون بالرواية عن بني إسرائيل،
سابعًا: له عناية بمبهمات القرآن، يعني: من نزل فيه الخطاب، فيحرص على ذكر من نزل فيه الخطاب، وهذا يسمى مبهمات القرآن، أو يدخل في المراد بالقرآن.
ثامنًا: له عناية بأسباب النزول.
تاسعًا: هذا التفسير لا يستفيد منه المبتدئ، وإنما هو مرجع يستفيد منه المتخصصون في حال الرجوع إلى الرواية ومعرفة القول فقط.ولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل عن هذا التفسير: (ما أحسن هذا التفسير فلو كان له إسناد)، لو كان له إسناد لتبين.
مقدمة التفسير
سورة الرحمن
مكية، عددها ثمان وسبعون آية كوفي
مكية، عددها ثمان وسبعون آية كوفي
ﰡ
قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ [آية: ١] وذلك أنه لما نزل:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾[الفرقان: ٦٠] قال كفار مكة:﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾[الفرقان: ٦٠]، فأكروا الرحمن، وقالوا: لا نعرف الرحمن، فأخبر الله تعالى عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد، فقال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ الذي أنكروه هو الذي ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ [آية: ٣] يعني آدم ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ [آية: ٤] يعني بيان كل شىء.
﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ [آية: ٥] مطالعهما ومغاربهما ثمانين ومائة مطلع، وثمانين ومائة مغرب، لتعلموا بها عدد السنين والحساب. ثم قالك ﴿ وَٱلنَّجْمُ ﴾ يعني كل نبت ليس له ساق ﴿ وَٱلشَّجَرُ ﴾ كل نبت له ساق ﴿ يَسْجُدَانِ ﴾ [آية: ٦] يعني سجودهما ظلهما طرفي النهار حين تزول الشمس، وعند طلوعها إذا تحول ظل الشجرة فهو سجودها، ثم قال: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ من الأرض مسيرة خمس مائة عام ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ [آية: ٧] الذي يزن به الناس وضعه الله عدلاً بين الناس ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ [آية: ٨] يعني ألا تظلموا في الميزان ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يعني اللسان بالعدل ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ يعني ولا تنقصوا ﴿ ٱلْمِيزَانَ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [آية: ١٠] يعني للخليقة من أهل الأرض ﴿ فِيهَا ﴾ يعني في الأرض ﴿ فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ [آية: ١١] يعني ذات الأجواف، مثل قوله:﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾[فصلت: ٤٧]، يعني البر والشعير.
﴿ وَٱلْحَبُّ ﴾ فيها يعني في الأرض أيضاً، الحب: يعني البر والشعير ﴿ ذُو ٱلْعَصْفِ ﴾ يعني ورق الزرع الذي يكون فيه الحب ﴿ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ [آية: ١٢] يعني الرزق نظيرها في الواقعة﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾[الواقعة: ٨٩] يعني الرزق بلسان حمير الذي يخرج من الحب من دقيق أو سوابق، أو غيره. فذكر ما خلق من النعم، فقال: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ١٣] يعني الجن والإنس، يعني فبأى نعماء ربكما تكذبان بأنها ليست من الله تعالى.
ثم قال: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ يعني آدم، عليه السلام ﴿ مِن صَلْصَالٍ ﴾ يعني من تراب الرمل، ومعه الطين الحر، قال ابن عباس: الصلصال: الطين الجيد إذا ذهب عنه الماء، فتشقق، فإذا تحرك تقعقع، وأما قوله: ﴿ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ [آية: ١٤] يعني هو بمنزلة الفخار من قبل أن يطبخ، يقول: كان ابن آدم من قبل أن ينفخ فيه الروح بمنزلة الفخار أجوف ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ ﴾ يعني إبليس ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ [آية: ١٥] يعني من لهب النار صاف ليس له دخان، وإنما سمى الجان لأنه من حي من الملائكة، يقال لهم: الجن، فالجن الجماعة، والجان الواحد، وكان حسن خلقهما من النعم. فمن ثم قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ١٦].
﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ ﴾ مشرف أطول يوم في السنة، وهو خمس عشرة ساعة، ومشرق أقصر يوم في السنة، وهو تسع ساعات ﴿ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ [آية: ١٧] يعني مغاربهما يعني مغرب أطول ليلة ويوم في السنة، وأقصر ليلة ويوم في السنة، فهما يومان في السنة، ثم جمعها، فقال: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ ﴾ ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ١٨] أنها ليست من الله تعالى.
قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ يعني خلع البحرين ماء المالح، وماء العذب خلع أحدهما على الآخر ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ [آية: ١٩].
قال أبو محمد: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: مرج يعني خلق. وقال الفراء: مرج البحرين يعني أرسلهما. وقال أبو عبيدة: مجازه مرجت الدابة، أى خلعت عنقها.﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ يعني حاجزاً حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته فـ ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ [آية: ٢٠] يعني لا يبغى أحدهما على الآخر، فلا يختلطان ولا يتغير طعمهما، وكان هذا من النعم، فلذلك قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا ﴾ يعني فبأى نعماء ربكما ﴿ تِكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢١] أنها ليست من الله تعالى ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ من الماءين جميعاً، ماء الملح، وماء العذب، ومن ماء السماء ﴿ الُّلؤْلُؤُ ﴾ الصغار ﴿ وَالمَرْجَانُ ﴾ [آية: ٢٢] يعني الدر العظام ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢٣] فهذا من النعم.
قال أبو محمد: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: مرج يعني خلق. وقال الفراء: مرج البحرين يعني أرسلهما. وقال أبو عبيدة: مجازه مرجت الدابة، أى خلعت عنقها.﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ يعني حاجزاً حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته فـ ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ [آية: ٢٠] يعني لا يبغى أحدهما على الآخر، فلا يختلطان ولا يتغير طعمهما، وكان هذا من النعم، فلذلك قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا ﴾ يعني فبأى نعماء ربكما ﴿ تِكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢١] أنها ليست من الله تعالى ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ من الماءين جميعاً، ماء الملح، وماء العذب، ومن ماء السماء ﴿ الُّلؤْلُؤُ ﴾ الصغار ﴿ وَالمَرْجَانُ ﴾ [آية: ٢٢] يعني الدر العظام ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢٣] فهذا من النعم.
قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ﴾ يعني السفن ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ ﴾ يعني المخلوقات ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ [آية: ٢٤] يعني كالجبال يشبه السفن في البحر كالجبال في البر، فكانت السفن من النعم، ثم قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢٥] يعني نعماء ربكما تكذبان، قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [آية: ٢٦] يعني من على الأرض من الحيوان، فإنه يعني هالك ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٢٨] فلما نزلت هذه الآية، قالت الملائكة الذين في السماء: هلك أهل الأرض العجب لهم كيف تنفعهم المعيشة حتى أنزل الله تعالى في القصص:﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾[القصص: ٨٨]، يعني كل شىء من الحيوان في السماوات والأرض يموت إلا وجهه يقول: إلا الله، فأيقنوا عند ذلك كلهم بالهلاك.
الآيات من ٢٩ إلى ٣٢
قوله: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يعني يسأل أهل الأرض الله الرزق، وتسأل الملائكة أيضاً لهم الرزق والمغفرة ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [آية: ٢٩] وذلك أن اليهود قالت: إن الله لا يقضى يوم السبت شيئاً، فأنزل الله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ يوم السبت وغيره، وشأنه أنه يحدث في خلقه ما يشاء من خلق، أو عذاب، أو شدة، أو رحمة، أو رخاء، أو رزق، أو حياة، أوموت، فمن مات محى اسمه من اللوح المحفوظ ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٣٠] يعني نعماء ربكما تكذبان أنها ليست من الله تعالى. ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ [آية: ٣١] يعني سنفرغ لحساب الإنس والجن، ولم يعن به الشياطين، لأنهم هم أغووا الإنس والجن، وهذا من كلام العرب يقول: سأفرغ لك، وإنه لفارغ قبل ذلك، وهذا تهديد والله تعالى لا يشغله شىء يقول: سيفرغ الله في الآخرة لحسابكم أيها الثقلان يعني الجن والإنس. حدثنا عبدالله، قال: حدثنى أبى، قال: قال أبو صالح: قال سعيد بن جبير: في قوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ يقول: سأقصد لحسابكم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٣٢].
الآيات من ٣٣ إلى ٣٤
قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ قد جاء آجالكم، فهذا وعيد من الله تعالى، يقول:﴿ يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾[الأنعام: ١٣٠]، لأن الشياطين أضلوهما، فبعث فيهم رسلاً منهم، قال: ﴿ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ﴾ يعني من قطري ﴿ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقول: أن تنفذوا من أطراف السماوات والأرض هرباً من الموت ﴿ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ ﴾ يعني لاتنفذوا ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ [آية: ٣٣] يعني إلا بملكى حيثما توجهتم فثم ملكى، فأنا آخذكم بالموت ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا ﴾ يعني نعماء ربكما ﴿ تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٣٤] أن أحداً يقدر على هذا غير الله تعالى.
الآيات من ٣٥ إلى ٣٦
ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ
ﯡ
ﯢﯣﯤﯥ
ﯦ
قوله: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ﴾ يعني كفار الجن والإنس في الآخرة شواظ من نار، يعني لهب النار ليس له دخان ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ يعني الصفر الذائب وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار أنهار الدنيا ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ [آية: ٣٥] يعني فلا تمتنعان من ذلك، فذلك قوله في سورة النحل:﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ ﴾[النحل: ٨٨]، يعني الأنهار الخمس بما كانوا يفسدون ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٣٦].
الآيات من ٣٧ إلى ٤٠
﴿ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ يعني انفرجت من المجرة، وهو البياض الذي يرى في وسط السماء، وهو شرج السماء لنزول من فيها، يعني الرب تعالى والملائكة ﴿ فَكَانَتْ ﴾ يعني فصارت من الخوف ﴿ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ [آية: ٣٧] شبه لونها في التغير والتلون بدهان الورد الصافى. قال أبو صالح: شبه لونها بلون دهن الورد، ويقال: بلون الفرس الورد يكون في الربيع كميتاً أشقر، وفى الشتاء أحمر، فإذا اشتد البرد كان أغير فشبه لون السماء في اختلاف أحوالها بلون الفرس في الأزمنة المختلفة. وقال الفراء: في قوله: ﴿ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ أراد بالوردة الفرس الورد، يكون في الربيع وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد البرد كانت حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن لاختلاف ألوانه، ويقال: كدهان الأديم يعني لونه.﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ ﴾ يعني عن عمله ﴿ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [آية: ٣٩] لأن الرب تعالى قد أحصى عليه عمله ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٤٠].
قوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ بعد الحساب يعني بسواد الوجوه وزرقة الأعين ﴿ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ [آية: ٤١] وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب يغلون أيديهم إلى إعناقهم، ثم يجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم من ظهورهم، ثم يدفعونهم في النار على وجوههم، فإذا دنوا منها قالت لهم الخزنة:﴿ هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾[الطور: ١٤] في الدنيا ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٤٢].
قوله: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ [آية: ٤٣] يعني الكافرين في الدنيا ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا ﴾ يعني جهنم شواظاً ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ [آية: ٤٤] شواظاً يعني بالحميم الماء الحار قد انتهى غليانه يعني الذي غلى حتى حره لا يسترحون ساعة من غم يطاف عليهم من ألوان عذابهم، فذلك قوله:﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾من الزقوم والحميم، يعني الشراب،﴿ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴾[الصافات: ٦٨]، فيذهب به مرة إلى الزقوم، ثم إلى الجحيم، ثم إلى منازلهم في جهنم، فذلك قوله: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٤٥].
قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ يوم القيامة في الآخرة ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ [آية: ٤٦] يعني جنة عدن، وجنة النعيم، وهما للصديقين، والشهداء، و المقربين، والسابقين، وهو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله عز وجل، فيخاف فيتركها، فله جنتان. حدثنا عبدالله، قال: حدثني أبي، قال: قال أبو صالح، عن مقاتل، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:" هل تدرون ما الجنتان "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " هما بستانان في ريض الجنة كل واحد منهما مسير خمس مائة عام، في وسط كل بستان دار في دار من نور على نور، وليس منهما بستان إلا يعتز بنعمة وخضرة قرارها ثابت، وفرعها ثابت وشجرها نابت "﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٤٧].
ثم نعت الجنتين، فقال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ [آية: ٤٨] يعني ذواتا أغصان يتماس أطراف شجرها بعضه بعضاً كالمعروشات ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [آية: ٥٠] في عين أخدود من ماء غير آسن ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ ﴾ من كل ألوان الفاكهة ﴿ زَوْجَانِ ﴾ [آية: ٥٢] يعني صنفان ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ يعني ظاهرها من الديباج الأخضر فوق الفرش الديباج، وهى بلغة فارس، نظيرها في آخر السورة ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ [الرحمن: ٧٦]، يعني المحابس الخضر على الفرش. ثم قال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [آية: ٥٤] يعني ثمره، وجنى الشجر في الجنتين دان، يقول: ما يجتنى في الجنتين دان يقول: طول الشجر لهذا المجتنى قريب يتناوله الرجل إن شاء جالساً، وإن شاء أو متكئاً، أو قائماً ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ ﴾ يعني نعماء ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٥٥].
الآيات من ٥٦ إلى ٦٩
﴿ فِيهِنَّ ﴾ يعني في هذه الجنان الأربع في التقديم: جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى، ففى هذه الجنان الأربع جنان كثيرة في الكثرة مثل ورق الشجر، ونجوم السماء، يقول: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ يعني النساء يقول: حافظات النظر عن الرجال، ولا ينظرن إلى أحد غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [آية: ٥٦] لأنهن خلقن في الجنة مع شجر الجنة يعني لم يطمثهن إنس قبل أهل الجنة، ولا جان يعني جن. حدثنا عبدالله، قال: قال أبى: قال أبو صالح: قال مقاتل: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ لم يدميهن. قال أبو محمد: وقال الفراء: الطمث الدم، يقال: طمثتها أدميتها ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٥٧]، ثم نعتهن، فقال: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ﴾ في الشبه في صفاء ﴿ ٱلْيَاقُوتُ ﴾ الأحمر ﴿ وَ ﴾ في بياض ﴿ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ [آية: ٥٨] يعني الدر العظام.
﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٥٩].
ثم قال: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ ﴾ في الدنيا ﴿ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ [آية: ٦٠] في الآخرة ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦١] ثم ذكر جنات أصحاب اليمين، فقال: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ يعني ومن دون جنتى المقربين والصديقين، والشهداء في الفضل ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ [آية: ٦٢] وهما جنة الفردوس، وجنة المأوى ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦٣]، ثم نعتهما فقال: ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ [آية: ٦٤] سوداوان من الرى والخضرة ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [آية: ٦٦] مملؤتان من كل خير لا ينتقصان ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦٩].
﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٥٩].
ثم قال: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ ﴾ في الدنيا ﴿ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ [آية: ٦٠] في الآخرة ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦١] ثم ذكر جنات أصحاب اليمين، فقال: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ يعني ومن دون جنتى المقربين والصديقين، والشهداء في الفضل ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ [آية: ٦٢] وهما جنة الفردوس، وجنة المأوى ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦٣]، ثم نعتهما فقال: ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ [آية: ٦٤] سوداوان من الرى والخضرة ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [آية: ٦٦] مملؤتان من كل خير لا ينتقصان ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٦٩].
ثم قال: و ﴿ فِيهِنَّ ﴾ يعني في الجنان الأربع ﴿ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ [آية: ٧٠] يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٧١] ثم نعتهن، فقال: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ [آية: ٧٢] يعني بالحوار البيضاء، وبالمقصورات المحبوسات على أزواجهن في الخيام، يعني الدر المجوف الدرة الواحدة مثل القصر العظيم جوفاء على قدر ميل في السماء طولها فرسخ، وعرضها فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، فذلك قوله تعالى:﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾[الرعد: ٢٣].
﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٧٣].
﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [آية: ٧٣].
ثم قال: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [آية: ٧٤] لأنهن خلقن في الجنة، يعني لم يطأهن إنس قبل أهل الجنة، ولا جان، يعني ولا جنى ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ يعني المحابس فوق الفرش ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ [آية: ٧٦] يعني الزرابي، وهي الطنافس المخملة، وهي الحسان ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ ﴾ يعني بالجلال والعظيم ﴿ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ [آية: ٧٨] يعني الكريم، فلا أكرم منه، يمدح الرب نفسه تبارك الله وتعالى.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
18 مقطع من التفسير