٢ هي الآيتان ٢٨ و٢٩ وعليه سارت المصاحف المتداولة عندنا..
ﰡ
أحدهما : يختارونها على الآخرة، قاله أبو مالك.
الثاني : يستبدلونها من الآخرة، ذكره ابن عيسى، والاستحباب هو التعرض للمحبة.
ويحتمل ما يستحبونه من الحياة الدنيا على الآخرة وجهين :
أحدهما : يستحبون البقاء في الحياة الدنيا على البقاء في الآخرة.
الثاني : يستحبون النعيم فيها على النعيم في الآخرة.
﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ قال ابن عباس : عن دين الله.
ويحتمل : عن محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ ويبغونها عوَجاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : يرجون بمكة غير الإسلام ديناً، قاله ابن عباس.
الثاني : يقصدون بمحمد صلى الله عليه وسلم هلاكاً، قاله السدي.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن معناه يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة الله لا تستمد إلا بطاعته دون معصيته.
والعِوَج بكسر العين : في الدين [ والأمر ] والأرض وكل ما لم يكن قائماً. والعوج بفتح العين : في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح.
(وأيام لنا غُرٍّ طِوالٍ | عصينا الملْك فيها أن نَدِينا) |
﴿ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : من الضلالة إلى الهدى. الثاني : من ذل الاستعباد إلى عز المملكة.
﴿ وذكِّرهم بأيام الله ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه وعظهم بما سلف من الأيام الماضية لهم، قاله ابن جرير.
الثاني : بالأيام التي انتقم الله فيها من القرون الأولى، قاله الربيع وابن زيد.
الثالث : أن معنى أيام الله أن نعم الله عليهم، قاله مجاهد وقتادة، وقد رواه أبيّ بن كعب مرفوعاً، وقد تسمَّى النعم بالأيام، ومنه قول عمرو بن كلثوم :
وأيام لنا غُرٍّ طِوالٍ | عصينا الملْك فيها أن نَدِينا١ |
﴿ إنَّ في ذلك لآيات لكُلِّ صبَّارٍ شكورٍ ﴾ الصبار : الكثير الصبر، والشكور : الكثير الشكر، قال قتادة : هو العبد إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وقال الشعبي : الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف، وقرأ ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾.
وتوارى الحسن عن الحجاج تسع سنين، فلما بلغه موته قال : اللهم قد أمته فأمت سنته وسجد شكراً وقرأ ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾.
٢وإنما خص بالآيات كل صبار شكور، وإن كان فيه آيات لجميع الناس لأنه يعتبر٣ بها [ ولا يغفل٤ عنها ].
ألا هبي بصحتك فاصبحينا *** ولا تبقى خمور الأندرينا..
٢ سقط من ق..
٣ كما قال تعالى: "إنما أنت منذر من يخشاها" وإن كان منذرا للجميع..
٤ زيادة اقتضاها السياق وهي من تفسير القرطبي ٩/٣٤٢ وقد أورد هذه العبارة حرفيا حرفيا المؤلف..
(فلم نشعر بضوء الصبح حتى | سَمِعْنا في مجالِسنا الأذينا) |
أحدها : معناه وإذ سمع ربكم، قاله الضحاك.
الثاني : وإذا قال ربكم، قاله أبو مالك١.
الثالث : معناه وإذ أعلمكم ربكم، ومنه الأذان لأنه إعلام، قال الشاعر :
فلم نشعر بضوء الصبح حتى | سَمِعْنا في مجالِسنا الأذينا |
أحدها : لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي، قاله الربيع.
الثاني : لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي، قاله الحسن وأبو صالح.
الثالث٣ : لئن وحّدتم وأطعتم لأزيدنكم، قاله ابن عباس.
ويحتمل تأويلاً رابعاً : لئن آمنتم لأزيدنكم من نعيم الآخرة إلى نعيم الدنيا.
وسُئِل بعض الصلحاء على شكر الله تعالى، فقال : أن لا تتقوى بنِعَمِهِ على معاصيه. وحكي أنَّ داود عليه السلام قال : أي ربِّ كيف أشكرك وشكري لك نعمة مجددة منك عليّ ؟ قال :" يا داود الآن شكرتني٤ ".
﴿ ولئن كفرتم إن عذابي لشديدٌ ﴾ وعد الله تعالى بالزيادة على الشكر، وبالعذاب على الكفر.
٢ في ق: فيه تأويلات..
٣ سقط من ق..
٤ نقل القرطبي هذه الفقرة حرفيا. انظر تفسيره ٩/٣٤٣..
(لو أن سلمى أبصرت تخدُّدي | ودقةً في عظم ساقي ويدي) |
(وبعد أهلي وجفاءَ عُوَّدي | عضت من الوجد بأطراف اليد) |
أحدهما : أن ينكر قومهم أن يكونوا مثلهم وهم رسل الله إليهم.
الثاني : أن يكون قومهم سألوهم معجزات اقترحوها.
وفي قوله تعالى :﴿ ولكن الله يمنّ على مَنْ يشاء من عباده ﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها : بالنبوة.
الثاني : بالتوفيق والهداية.
الثالث : بتلاوة القرآن وفهم ما فيه، قاله سهل بن عبد الله. ﴿ وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بكتاب.
الثاني : بحجة.
الثالث : بمعجزة.
(ولست إذا تشاجر أمْرُ قوم | بأَوَّلِ مَنْ يخالِفهُم عَنيدا) |
(ومن ورائك يومٌ أنت بالغه | لا حاضرٌ معجز عنه ولا بادي) |
والفرق بين المقام بالفتح وبين المقام بالضم أنه إذا ضم فهو فعل الإقامة، وإذا فتح فهو مكان الإقامة.
﴿ وخاف وعيد ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه العذاب.
والثاني : أنه ما في القرآن من زواجر١.
أحدهما : أن الرسل استفتحوا بطلب النصر، قاله ابن عباس.
الثاني : أن الكفار استفتحوا بالبلاء، قاله ابن زيد.
وفي الاستفتاح وجهان :
أحدهما : أنه الابتداء.
الثاني : أنه الدعاء، قاله الكلبي.
﴿ وخاب كلُّ جبار عنيد ﴾ في ﴿ خاب ﴾ وجهان :
أحدهما : خسر عمله.
الثاني : بطل أمله.
وفي ﴿ جبار ﴾ وجهان :
أحدهما : أنه المنتقم.
الثاني : المتكبر بطراً.
وفي ﴿ عنيد ﴾ وجهان.
أحدهما : أنه المعاند للحق.
الثاني : أنه المتباعد عن الحق، قال الشاعر :
(حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً | وليس وراءَ الله للمرْءِ مذهب) |
ولست إذا تشاجر أمْرُ قوم | بأَوَّلِ مَنْ يخالِفهُم عَنيدا |
أحدها : معناه من خلفه جهنم. قال أبو عبيدة : وراء من الأضداد وتقع على خلف وقدام. جميعاً.
الثاني : معناه أمامه جهنم، ومنه قول الشاعر :
ومن ورائك يومٌ أنت بالغه | لا حاضرٌ معجز عنه ولا بادي |
الرابع : من ورائه جهنم معناه من بعد هلاكه جهنم، كما قال النابغة :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً | وليس وراءَ الله للمرْءِ مذهب |
﴿ ويسقى من ماءٍ صديد ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : من ماء مثل الصديد كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد.
الثاني : من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصد.
أحدها : من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره، قاله إبراهيم التيمي، للآلام التي في كل موضع من جسده.
الثاني : تأتيه أسباب الموت من كل جهة، عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه، قاله ابن عباس.
الثالث : تأتيه شدائد الموت من كل مكان، حكاه ابن عيسى.
﴿ وما هو بميتٍ ﴾ لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه ليكون ذلك زيادة في عذابه.
﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ فيه الوجوه الأربعة الماضية. والعذاب الغليظ هو الخلود في جهنم.
﴿ للذين استكبروا ﴾ وهم القادة المتبوعون.
﴿ إنا كُنّا لكم تبعاً ﴾ يعني في الكفر بالإجابة لكم.
﴿ فهل أنتم مغنون عَنّا مِن عذاب الله من شيء ﴾ أي دافعون عنا يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع.
﴿ قالوا لو هَدانا الله لهديناكم ﴾ فيه ثلاثة أوجه
أحدها : لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه.
الثاني : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها.
الثالث : لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه.
﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيصٍ ﴾ أي من منجى أو ملجأ، قيل إن أهل النار يقولون : يا أهل النار إن قوماً جزعوا في الدنيا وبكوا ففازوا، فيجزعون ويبكون. ثم يقولون : يا أهل النار إن قوماً صبروا في الدنيا ففازوا، فيصبرون. فعند ذلك يقولون ﴿ سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾.
أحدهما : أن تحية أهل الجنة إذا تلاقوا فيها السلام، وهو قول الجمهور.
الثاني : أن التحية هاهنا الملك، ومعناه أن ملكهم فيها دائم السلامة، مأخوذ من قولهم في التشهد : التحيات لله، أي الملك لله، ذكره ابن شجرة.
وفي المحيّي لهم بالسلام ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الله تعالى يحييهم بالسلام.
الثاني : أن الملائكة يحيونهم بالسلام.
الثالث : أن بعضهم يحيي بعضاً بالسلام١.
وتشبيه الكلمة الطيبة بها لأنها ثابتة في القلب كثبوت أصل النخلة في الأرض، فإذا ظهرت عرجت إلى السماء كما يعلو فرع النخلة نحو السماء فكلما ذكرت نفعت، كما أن النخلة إذا أثمرت نفعت.
(فلا تجزعوا إنّي لكم غير مُصْرخ | فليس لكم عندي غناءٌ ولا صبر) |
(تناذرها الرّاقون من سُوءِ سُمِّها | تُطلِّقُه حيناً وحيناً تُراجع) |
(هو الجلاء الذي يجتث أصلكم | فمن رأى مِثل ذا يوماً ومَنْ سمعا) |
﴿ كلَّ حين بإذن ربها ﴾ والحين عند أهل اللغة : الوقت. قال النابغة :
تناذرها الرّاقون من سُوءِ سُمِّها | تُطلِّقُه حيناً وحيناً تُراجع١ |
أحدها : يعني كل سنة، قاله مجاهد، لأنها تحمل كل سنة.
الثاني : كل ثمانية أشهر، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنها مدة الحمل ظاهراً وباطناً.
الثالث : كل ستة أشهر، قاله الحسن وعكرمة، لأنها مدة الحمل ظاهراً.
الرابع : كل أربعة أشهر، قاله سعيد بن المسيب لأنها مدة يرونها من طلعها إلى جذاذها.
الخامس : كل شهرين، لأنها مدة صلاحها إلى جفافها.
السادس : كل غدوة وعشية، لأنه وقت اجتنائها، قاله ابن عباس.
وفي قوله تعالى :﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ وجهان :
أحدهما : أن المراد بالحياة الدنيا زمان حياته فيها، وبالآخرة المساءلة في القبر، قاله طاوس وقتادة.
الثاني : أن المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر أن يأتيه منكر ونكير فيقولان له : من ربك وما دينك ومن نبيك ؟ فيقول : إن اهتَدَى : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ ويضلُّ اللهُ الظالمين ﴾ فيه وجهان :
أحدهما٢ : عن حجتهم في قبورهم، كما ضلوا في الحياة الدنيا بكفرهم.
الثاني٣ : يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ فيه وجهان :
أحدهما٤ : مِن إمهال وانتقام.
الثاني : من ضغطة القبر ومساءلة منكر ونكير.
وروى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منه سعد بن معاذ، ولقد ضم٥ ضَمّةً " [ ثم فرج عنه ].
وقال قتادة : ذكر لنا أنّ عذاب القبر من ثلاثة : ثلثٌ من البول. وثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من النميمة. وسبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف مساءَلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر : يا رسول الله أيكون معي عقلي : ؟ قال :" نعم " قال. كُفيت إذن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
٢ سقط من ق..
٣ سقط من ق..
٤ سقط من ق..
٥ رواه النسائي من عبد الله بن عمر. انظر جامع الأصول ١١/١٧٢..
الثاني : أنها الكافر نفسه.
﴿ كشجرة خبيثةٍ ﴾ فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها شجرة الحنظل، قاله أنس بن مالك.
الثاني : أنها شجرة لم تخلف، قاله ابن عباس.
الثالث : أنها الكشوت١.
﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ أي اقتلعت من أصلها، ومنه قول لقيط :
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم | فمن رأى مِثل ذا يوماً ومَنْ سمعا |
أحدهما : ما لها من أصل.
الثاني : ما لها من ثبات. وتشبيه الكلمة الخبيثة بهذه الشجرة التي ليس لها أصل يبقى، ولا ثمر يجتنى أن الكافر ليس له عمل في الأرض يبقى، ولا ذكر في السماء يرقى.
(يُثبِّتُ الله ما آتاكَ من حسنٍ | تثبيتَ موسى ونصراً كالذي نصِرا) |
(تنصَّرت الأشْرافُ من عار لطمةٍ | وما كان فيها لو صبرت لها ضَرَرْ) |
(تكنفني منها لجاجٌ ونخوةٌ | وبعث لها العين الصحيحة بالعور) |
(فيا ليتني أرْعَى المخاض ببلدتي | ولم أنكِرِ القول الذي قاله عمر) |
(فلم أر مثلهم أبطال حربٍ | غداة الحرب إن خيف البَوارُ) |
(خالت البرقة شركاً في الهدى | خلة باقية دون الخلل) |
(وإنّ فؤاداً قادَني بصبابةٍ | إليك على طول الهوَى لصَبورُ) |
﴿ بوادٍ غير ذي زرع ﴾ يعني مكة أسكنها في بطحائها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله وتوكلاً عليه.
﴿ عند بيتك المحرم ﴾ لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال١.
﴿ ربّنا ليقيموا الصلاة ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة.
الثاني : أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة.
﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ في ﴿ أفئدة ﴾ وجهان :
أحدهما : أن الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد، قال الشاعر :
وإنّ فؤاداً قادَني بصبابةٍ | إليك على طول الهوَى لصَبورُ |
أحدها : أنه بمعنى تحن إليهم.
الثاني : أنه بمعنى تنزل إليهم، لأن مكة في واد والقاصد إليها نازل إليها.
الثالث : ترتفع إليهم، لأن ما في القلوب بخروجه منها كالمرتفع عنها.
الرابع : تهواهم. وقد قرئ تهْوَى.
وفي مسألة إبراهيم عليه السلام أن يجعل اللهُ أفئدةً من الناس تهوي إليهم قولان :
أحدهما : ليهووا السكنى بمكة فيصير بلداً محرّماً، قاله ابن عباس.
الثاني : لينزعوا إلى مكة فيحجوا، قاله سعيد بن جبير ومجاهد.
قال ابن عباس : لولا أنه قال من الناس لحجه اليهود والنصارى وفارس والروم.
﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم.
الثاني : ومن الظاهر من ثمرات النخل والأشجار، فأجابه بما في الطائف من الثمار، وما يجلب إليهم من الأمصار.
﴿ لَعَلَّهُمْ يشكرون ﴾ أي لكي يشكروك.
قوله عز وجل :﴿ ربنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين ﴾ وفي استغفاره لوالديه مع شركهما ثلاثة أوجه :
أحدهما : كانا حيين فطمع في إيمانهما. فدعا لهما بالاستغفار، فلما ماتا على الكفر لم يستغفر لهما.
الثاني : أنه أراد آدم وحوّاء.
الثالث : أنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق. وكان إبراهيم يقرأ :﴿ رب اغفر لي ولوالدي ﴾ يعني ابنيه، وكذلك قرأ يحيى بن يعمر٢.
٢ سقط من ك..
(بدجلة دارُهُم ولقد أراهم | بدجلة مهطعين إلى السماع) |
(أنغض رأسه نحوي وأقنعا | كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعَا) |
(وأَقْصِرُ طَرْفي دُون جُمْل كرامةً | لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر) |
أحدها : معناه مسرعين قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعاً إذا أسرع، ومنه قوله تعالى :﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ أي مسرعين. قال الشاعر :
(ألا أبلِغ أبا سفيان عني | فأنتَ مُجوَّف نخب هواء) |
بدجلة دارُهُم ولقد أراهم | بدجلة مهطعين إلى السماع |
الثالث : أنه المطرِق الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد.
﴿ مقنعي رءُوسهم ﴾ وإقناع الرأس فيه تأويلان :
أحدهما : ناكسي رؤوسهم بلغة قريش، قاله مؤرج السدوسي وقتادة.
الثاني : رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس رفْعُه، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه قول الشاعر :
أنغض رأسه نحوي وأقنعا | كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعَا |
وأَقْصِرُ طَرْفي دُون جُمْل كرامةً | لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر |
وقوله :﴿ هواء ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنها تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه فكأنها تهوي، قاله سعيد بن جبير ومجاهد.
الثاني : أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر، فلا تنفصل ولا تعود، قاله قتادة.
الثالث : أنها المتخرقة التي لا تعي شيئاً، قاله مُرّة.
الرابع : أنها خالية من الخير، وما كان خالياً فهو هواء، قاله ابن عباس ومنه قول حسان :
ألا أبلِغ أبا سفيان عني | فأنتَ مُجوَّف نخب هواء١ |
عقت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
قالها رضي الله عنه يوم فتح مكة وقد جاءت في ديوانه كما أوردها ابن هشام في السيرة النبوية ٤/٦٤ وما بعدها بتحقيق مصطفى السقا ورفاقه
المجوف: الجبان الذي لا قلب له. والنخب: من النخب بمعنى النزع يقال: رجل نخب أي جبان، كأنه منتزع الفؤاد.
.
أحدهما : أنه عنى بالمكر الشرك، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه عنى به العتو والتجبّر، وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع النسرين في الهواء، قاله علي رضي الله عنه. وقال ابن عباس : هو النمرود بن كنعان بن سنحاريب بن حام بن نوح بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه لا سبيل إلى السماء اتخذه حصناً وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصرح عليهم، فهلكوا جميعاً، فهذا معنى قوله :﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾.
﴿ وعند الله مكرهم ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : وعند الله مكرهم عالماً به لا يخفى عليه، قاله علي بن عيسى.
الثاني : وعند الله مكرهم محفوظاً عليهم حتى يجازيهم عليه، قاله الحسن وقتادة.
﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ فيه قراءتان.
إحداهما : بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، ومعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، احتقاراً له، قاله ابن عباس والحسن.
الثانية : بفتح اللام الأولى وضم الثانية، ومعناها وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال استعظاماً له. قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم ﴿ وإن كاد١ مكرهم لتزول منه الجبال ﴾.
وفي ﴿ الجبال ﴾ التي عنى زوالها بمكرهم قولان : أحدهما : جبال الأرض.
الثاني : الإسلام والقرآن، لأنه لثبوته، ورسوخه كالجبال.
أحدهما : أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة، لم تعمل عليها خطيئة، قاله ابن مسعود. وقال ابن عباس : تبدل الأرض من فضة بيضاء.
الثاني : أنها هي هذه الأرض، وإنما تبدل صورتها ويطهر دنسها، قاله الحسن.
﴿ السماواتُ ﴾ فيها ستة أقاويل :
أحدها : أن السماوات تبدل بغيرها كالأرض فتجعل السماء من ذهب، والأرض من فضة، قاله علي بن أبي طالب.
الثاني : أن السماوات تبدل بغيرها كالأرض، فتصير السماوات جناناً والبحار نيراناً وتبدل الأرض بغيرها، قاله كعب الأحبار.
الثالث : أن تبديل السماوات تكوير شمسها وتكاثر نجومها، قاله ابن عيسى.
الرابع : أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتب، قاله القاسم بن يحيى.
الخامس : أن تبديلها أن تنشق فلا تظل، قاله ابن شجرة.
السادس : أن تبديلها اختلاف أحوالها، تكون في حال كالمهل، وفي حال كالوردة، وفي حال كالدهان، حكاه ابن الأنباري.
﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ أي صاروا إلى حكم الله تعالى وأمره فروى الحسن قال : قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله يوم تبدَّل الأرض غير الأرض أين الناس يومئذٍ ؟ قال " إن هذا الشيء ما سألني عنه أحد ثم قال على الصراط يا عائشة١ ".
(ما بين مأسورٍ يشد صِفادُهُ | صقرٍ إذا لاقى الكريهة حامي) |
(فآبوا بالنهاب وبالسبايا | وأُبنا بالملوكِ مُصَفّدينا) |
(هذا الثناء فإن تسمع لقائله | فلم أعرض، أبيت اللعن، بالصفدِ) |
(عهدي بها في الحي قد سربلت | صفراء مثل المهرة الضامر) |
مكية باتفاق إلا قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ فمدنية: بسم الله الرحمن الرحيم
عهدي بها في الحي قد سربلت | صفراء مثل المهرة الضامر |
أحدهما : أنه القطران الذي تهنأ به الجمال، قاله الحسن، وإنما جعلت سرابيلهم من قطران لإسراع النار إليها.
الثاني : أنه النحاس الحامي، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير :﴿ من قطران ﴾ بكسر القاف وتنوين الراء وهمز١ آن لأن القطر النحاس، ومنه قوله تعالى :﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ [ الكهف : ٩٦ ] والآني : الحامي، ومنه قوله تعالى :﴿ وبين حَمِيمٍ آن ﴾ [ الرحمن : ٤٤ ].
أحدهما : هذا الإنذار كاف للناس، قاله ابن شجرة.
الثاني : هذا القرآن كافٍ للناس، قاله ابن زيد.
﴿ ولينذروا به ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : بالرسول.
الثاني : بالقرآن.
﴿ وليعلموا أنما هو إله واحدٌ ﴾ لما فيه من الدلائل على توحيده.
﴿ وليذكّرَ أولوا الألباب ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : وليتعظ، قاله الكلبي.
الثاني : ليسترجع يعني بما سمع من المواعظ. أولو الألباب، أي ذوو العقول. وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.