تفسير سورة الأنبياء

الدر المصون
تفسير سورة سورة الأنبياء من كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون المعروف بـالدر المصون .
لمؤلفه السمين الحلبي . المتوفي سنة 756 هـ

قوله: ﴿اقترب لِلنَّاسِ﴾ : اللامُ متعلقٌ ب «اقترب». قال الزمخشري: «هذه اللامُ لا تخلُو: إمَّا أَنْ تكونَ صلةً لاقترب، أو تأكيداً لإِضافةِ الحسابِ إليهم كقولك: أَزِفَ للحَيِّ رحيلُهم الأصل: أَزِفَ رحيلُ الحيِّ، ثم أَزِفَ للحيِّ الرحيلُ، ثم أزف للحيِّ رحيلُهم، ونحوه ما أوردَه سيبويه في باب» ما يثنى فيه المستقِرُّ توكيداً «نحو:» عليك زيدٌ حريصٌ عليك «، و» فيك زيد راغب فيك «، ومنه قولهم:» لا أبا لك «لأنَّ اللاَم مؤكدةٌ لمعنى الإِضافة. وهذا الوجهُ أغربُ من الأول. قال الشيخ: /» يعني بقولِه صلةً لاقتربَ أي: متعلقةً به. وأمَّا جَعْلُه اللامَ تأكيداً لإِضافة الحسابِ إليهم مع تقدُّمِ اللامِ ودخولِها على الاسمِ الظاهرِ، فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً فتحتاج إلى ما تتعلَّقُ به. ولا يمكن تعلُّقها ب «حسابُهم» ؛ لأنه مصدرٌ موصولٌ، لأن قُدِّم معمولُه عليه. وأيضاً فإنَّ التوكيدَ يكونُ متأخراً عن المُؤَكَّد، وأيضاً فلو أُخِّر في هذا التركيبِ لم يَصِحَّ. وأمَّا تشبيهُه بما أورد سيبويهِ فالفرقُ واضحٌ
129
فإنَّ «عليك» معمولٌ ل «حريصٌ»، و «عليك» المتأخرةُ تأكيدٌ، وكذلك «فيك زيدٌ راغبٌ فيك» يتعلَّقُ «فيك» ب «راغبٌ»، و «فيك» الثانيةُ توكيدٌ. وإنما غَرَّه في ذلك صحةُ تركيبِ حسابِ الناس، وكذلك «أَزِفَ رحيلُ الحيِّ» فاعتقدَ إذا تقدَّم الظاهرُ مجروراً باللامِ وأُضيف المصدرُ لضميرِه أنَّه من بابِ «فيك زيد راغب فيك»، فليس مثلَه. وأمَّا «لا أبا لك» فهي مسألةٌ مشكلةٌ، وفيها خلاف، ويمكن أن يقال فيها ذلك؛ لأنَّ اللامَ فيها جاوَرَتِ الإِضافةَ، ولا يُقاس عليها لشذوذِها وخروجها عن الأقيسةِ «.
قلت: مسألةُ الزمخشري أشبهُ شيءٍ بمسألةِ»
لا أبا لَك «، والمعنى الذي أَوْرده صحيحٌ. وأمَّا كونُها مشكلةً فهو إنما بناها على قولِ الجمهورِ، والمُشْكِلُ مقررٌ في بابِه، فلا يَضُرُّنا القياسُ عليه لتقريرِه في مكانِه.
قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في»
مُعْرِضُون «، وأن يكون خبراً للضمير، و» مُعْرِضون «خبر ثانٍ. وقولُ أبي البقاء في هذا الجارِّ» إنه خبرٌ ثانٍ «يعني في العددِ، وإلاَّ فهو أولٌ في الحقيقة. وقد يقال: لَمَّا كان في تأويلِ المفرد جُعِل المفردُ الصريحُ مقدَّماً في الرتبةِ فهو ثانٍ بهذا الاعتبارِ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من» للناس «.
130
قوله: ﴿مُّحْدَثٍ﴾ : العامَّةُ على جَرِّ «من» مُحْدَثٍ «نعتاً ل» ذِكْرٍ «على اللفظِ. وقوله: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ فيه أوجهٌ، أجودُها: أن يتعلَّقَ ب» يَِأْتيهم «وتكونُ» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ مجازاً. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضمير المستترِ في» مُحْدَثٍ «. الثالث: أن يكونَ حالاً مِنْ نفسِ» ذِكْرٍ «وإنْ
130
كان نكرةً لأنَّه قد تَخَصَّصَ بالوصفِ ب» مُحْدَثٍ «، وهو نظيرُ» ما جاءني رجلٌ قائماً منطلقٌ «فَفَصَل بالحالِ بين الصفةِ والموصوفِ. وأيضاً فإنَّ الكلامَ نفيٌ وهو مُسَوِّغٌ لمجيء الحالِ من النكرةِ. الرابع: أَنْ يكونَ نعتاً ل» ذِكْر «فيجوزُ في محلِّه الوجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظِ، والرفعُ باعتبارِ المحلِّ لأنه مرفوعُ المحل إذ» مِنْ «مزيدةٌ فيه، وسيأتي. وفي جَعْلِه نعتاً ل» ذِكْرٍ «إشكالٌ من حيث إنه قد تقدَّم غيرُ الصريحِ على الصريحِ. وتقدَّم تحريرُه في المائدة. الخامس: أَنْ يتعلَّقَ بمَحذوفٍ على سبيلِ البيان.
وقرِأ ابنُ أبي [عَبْلة] »
مُحْدَثٌ «رفعاً نعتاً ل» ذِكْرٍ «على المحلِّ لأنَّ» مِنْ «مزيدةٌ فيه لاستكمالِ الشرطين. وقال أبو البقاء:» ولو رُفِع على موضع «مِنْ ذكْر» جاز «. كأنه لم يَطَّلِعْ عليه قراءةً. وزيدُ بنُ علي» مُحْدَثاً «نصباً على الحال مِنْ» ذِكْر «، وسَوَّغ ذلك وصفُه ب» مِنْ ربِّهم «إنْ جَعَلْناه صفةً، أو اعتمادُه على النفي. ويجوز أن يكونَ من الضمير المستتر في» مِنْ ربهم «إذا جَعَلْناه صفةً.
قوله: ﴿إِلاَّ استمعوه﴾ هذه الجملةُ حالٌ من مفعول»
يأتيهم «، وهو استثناءٌ مفرغٌ، و» قد «معه مضمرةٌ عند قوم.
قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِنْ فاعل»
استمعوه «.
131
قوله: ﴿لاَهِيَةً﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعل «اسْتَمَعوه» عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الحالِ فتكونَ الحالان مترادِفَتَيْنِ، وأن تكون
131
حالاً من فاعل «يَلْعَبون» فتكونَ الحالان متداخلتين. وعَبَّر الزمخشري عن ذلك فقال: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالان مترادفتان أو متداخلتان «وإذا جعلناهما حالَيْنِ مترادفتين ففيه تقديمُ الحالِ غيرِ الصريحة على الصريحة، وفيه من البحثِ كما في باب النعت. و» قلوبُهم «مرفوعٌ ب» لاهِيَةً «.
والعامَّةُ على نصب»
لاهِيَةً «. وابنُ أبي عبلة بالرفع على أنها خبرٌ ثانٍ بقولِه» وهم «عند مَنْ يُجَوِّز ذلك، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ عند مَنْ لا يُجَوِّزه.
قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ يجوزُ في محلِّ»
الذين «ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ والنصبُ والجرُّ. فالرفعُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ من واو» أَسَرُّوا «تنبيهاً على اتِّسامهم بالظلمِ الفاحش، وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد.
الثاني: أنه فاعلٌ. والواوُ علامةُ جمعٍ دَلَّتْ على جمعِ الفاعل، كما تَدُلُّ التاءُ على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك. وأنشدوا:
٣٣٣١ - يَلُوْمونني في اشتراء النَّخي لِ أهلي فكلُّهُمُ أَلْوَمُ
وقد تقدَّمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ
132
كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} [الآية: ٧١] وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة. وضعَّف بعضُهم هذه اللغةَ، وبعضُهم حَسَّنها ونسبها لأزد شنوءة، وقد تقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾.
الثالث: أن يكونَ» الذين «مبتدأً، و» أَسَرُّوا «جملةً خبريةً قُدِّمَتْ على المبتدأ، ويُعْزَى للكسائي.
الرابع: أن يكون»
الذين «مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ فقيل تقديره: يقولُ الذين. واختاره النحاس قال:» والقول كثيراً ما يُضْمَرُ. ويَدُلُّ عليه قولُه بعد ذلك: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقيل: تقديرُه: أَسَرَّها الذين ظلموا.
الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هم الذين ظلموا.
السادس: أنه مبتدأٌ. وخبرُه الجملةُ من قوله: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ ولا بُدَّ من إضمار القولِ على هذا القول تقديرُه: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلاَّ بَشَرٌ، والقولُ يُضمر كثيراً.
والنصبُ مِنْ وجهين، أحدُهما: الذمُّ. الثاني: إضمار أعني. والجرُّ من وجهين أيضاً: أحدهما: النعت، والثاني: البدلُ، من «للناس»، ويعزى هذا للفراءِ وفيه بُعْدٌ.
133
قوله: ﴿هَلْ هاذآ﴾ إلى قوله: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ يجوز في هاتَيْن الجملتين الاستفهاميتين أَنْ يكونا في محلِّ نصب بدلاً من «النجوى»، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ بإضمار القول. قالهما الزمخشريُّ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ على أنهما محكيَّتان بالنجوى، لأنها في معنى القولِ. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل «تَأْتُون».
134
قوله: ﴿قُلْ رَبِّي﴾ : قرأ الأخَوان وحفصٌ «قال» على لفظِ الخبرِ. والضميرُ للرسولِ عليه السلام. والباقون «قُلْ» على الأمرِ له.
قوله: ﴿فِي السمآء﴾ في أوجهٌ، أحدها: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من القول. والثاني: أنه حالٌ من فاعل «يعلمُ». وضَعَّفَه أبو البقاء، وينبغي أَنْ يمتنعَ. والثالث: أنه متعلقٌ ب «يَعْلَمُ»، وهو قريبٌ مِمَّا قبله. وحَذْفُ متعلَّق السميع العليم للعلمِ به.
قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾ : خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو أضغاثُ. والجملةُ نصبٌ بالقول.
قوله: ﴿كَمَآ أُرْسِلَ﴾ يجوزُ في هذه الكاف وجهان، أحدهما: أن تكونَ في محلِّ جرٍّ نعتاً ل «آيةٍ» أي: بآية مثلِ آيةِ إرسالِ الأوَّلين. ف «ما» مصدريةٌ. والثاني: أن تكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: إتياناً مثلَ إرسال الأولين.
قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَآ﴾ و ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ : قد تقدَّمَ نظيرُه.
قوله: ﴿نوحي إِلَيْهِمْ﴾ : قرأ حفصٌ «نُوْحي» بنون العظمة مبنياً للفاعلِ أي: نوحي نحن. والباقون بالياء وفتحِ الحاء مبنياً للمفعولِ، وقد تقدَّم ذلك في يوسف. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ نعتاً ل «رِجالاً» و «إليهم» في القراءةِ الأُوْلى منصوبُ المحلِّ. والمفعولُ محذوفٌ أي: نُوحي إليهم القرآنَ أو الذِّكْرَ، ومرفوعُ المحلِّ في القراءةِ الثانيةِ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ.
قوله: ﴿إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ ما تقدَّم عليه أي: فاسْأَلوهم، حُذِفَ لدلالةِ ما تقدَّم عليه. ومفعولا العِلْمِ يجوز أَنْ يُرادا أي: لا تَعْلمون أنَّ ذلك كذلك، ويجوزُ أن لا يُرادا أي: إنْ كنتم مِنْ غيرِ ذوي العلمِ.
قوله: ﴿لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ : في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنَّها في محلِّ نصب نعتاً ل «جَسَداً»، و «جَسَداً» مفردٌ يُراد به الجمعُ، وهو على حذفِ مضافٍ أي: ذوي أجسادٍ غيرِ آكلينَ الطعامَ. وهذا رَدٌّ لقولِهم: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ [الفرقان: ٧]. و «جعل» يجوز أن يكونَ بمعنى صَيَّر فيتعدى لاثنين، ثانيهما «جسداً»، ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى خلق وأنشأ فيتعدى لواحدٍ، فيكون «جسداً» حالاً بتأويلِه بمشتقٍ أي: مُتَغَذِّيْنَ؛ لأنَّ الجسدَ لا بُدَّ له من الغذاءِ.
وقال أبو البقاء: «إنَّ» لا يأكلون «حالٌ أخرى بعد» جَسَداً «إذا قلنا
135
إنَّ» جعل «يتعدى لواحدٍ». وفيه نَظَرٌ، بل هي صفةٌ ل «جَسَداً» بالاعتبارين، لا يليق المعنى إلاَّ به.
136
قوله: ﴿صَدَقْنَاهُمُ الوعد﴾ :«صَدَق» يتعدَّى لاثنينِ إلى ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذف. تقولُ: صَدَقْتُك الحديثَ، وفي الحديث. نحو: أمر واستغفر وقد تقدَّم في آل عمران.
قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً في محلِّ نصبٍ صفةً ل «كتاباً» ويجوزُ أَنْ يكونَ «فيه» هو الوصفَ وحدَه و «ذِكْرُكم» فاعلٌ. وقال بعضهم: «في الكلامِ حَذْفُ مضافٍ تقديرُه: فيه ذِكْرُ شَرَفِكم. و» ذَكَر «هنا مصدرٌ يجوز أن يكونَ مضافاً لمفعولِه أي: ذِكْرُنا إياكم. ويجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعلِه أي: ما ذَكَرْتُمْ من الشِّرْك وتكذيبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: / ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ : في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً ب «قَصَمْنا». و «من قرية» تمييزٌ. والظاهرُ أنَّ «كم» هنا خبريةٌ لأنها تفيدُ التكثيرَ.
قوله: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ في محلِّ جرٍّ صفةً ل «قريةٍ». ولا بُدَّ من مضافٍ محذوفٍ قبل «قرية» أي: وكم قَصَمْنا من أهلِ قرية بدليلِ عَوْدِ الضميرِ في قوله: ﴿فلمَّا أحَسُّوا﴾ ولا يجوز أَنْ يعودَ على قولِه «قوماً» ؛ لأنه لم يَذْكُرْ لهم ما يَقْتَضي ذلك.
قوله: ﴿إِذَا﴾ : هذه فجائيةٌ. وقد تقدَّمَ الخلافُ فيها مُشْبَعاً. و «هم» مبتدأٌ، و «يَرْكُضون» خبرُه، وتقدَّم في أولِ هذه الموضوعِ أنَّ هذه الآيةَ وأمثالَها دالَّةٌ على أن «لَمَّا» ليست ظرفيةً، بل حرفُ وجوبٍ لوجوب لأنَّ الظرفَ لا بُدَّ له مِنْ عاملٍ ولا عاملَ هنا لأنَّ ما بعدَ إذا لا يعملُ فيما قبلَها. والجواب: أنه عَمِل فيها معنى المفاجأةِ المدلولِ عليه ب «إذا».
والضميرُ في «مِنْها» يعودُ على «قرية». ويجوز أَنْ يعودَ على «بَأْسَنا» لأنه في معنى النِّقْمة والبأساء، فَأَنَّثَ الضميرَ حملاً على المعنى. و «مِنْ» على الأولِ لابتداءِ الغايةِ، وللتعليل على الثاني. والرَّكْضُ: ضَرْبُ الدابَّة بالرِّجْلِ. يُقال: رَكَضَ الدابَّةَ يَرْكُضها رَكْضاً.
قوله: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ : اسم «زالَتْ» «تلك» و «دعواهم» الخبرُ، هذا هو الصواب. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء بجواز العكس. وهو مردودٌ بأنه إذا خَفِي الإِعرابُ مع استوائِهما في المُسَوِّغ لكونِ كلٍ منهما اسماً أو خبراً وَجَبَ جَعْلُ المتقدِّم اسماً والمتأخرِ خبراً، وهو من باب «ضرب موسى عيسى» وقد تقدَّم إيضاحُ هذا في أول سورة الأعراف. وهناك شيءٌ لا يتأتى ههنا فَلْيُلْتَفَتْ إليه. و «تلك» إشارةٌ إلى الجملةِ المقولة.
137
قوله: ﴿حَصِيداً﴾ مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجعلَ هنا تصييرٌ. و ﴿حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ من باب «هذا حلوٌ حامِضٌ». كأن قيل: جَعَلْناهم جامعين بين الوصفين جميعاً. ويجوز أن يكونَ «خامِدِيْن» حالاً من الضمير في «جَعَلْناهم»، أو من الضميرِ المستكنِّ في «حَصِيداً» فإنَّه في معنى مَحْصُود. ويجوزُ أن يكونَ مِنْ باب ما تعدَّد فيه الخبرُ نحو: «زيدٌ كاتبٌ شاعرٌ». وجَوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكونَ صفةً ل «حَصيداً» وحَصِيد بمعنى مَحْصود كما تقدَّم؛ فلذلك لم يُجْمع. وقال أبو البقاء: «والتقدير: مثل حصيدٍ، فلذلك لم يُجْمع كما لم يُجْمَعْ» مثل «المقدر» انتهى. وإذا كان بمعنى مَحْصُودين فلا حاجة.
138
قوله: ﴿لاَعِبِينَ﴾ : حالٌ من فاعل «خَلَقْنا».
قوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ : في «إنْ» هذه وجهان، أحدهما: أنها نافيةٌ أي: ما كُنَّا فاعلين. والثاني: أنها شرطيةٌ. وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ جوابِ «لو» عليه. والتقدير: إنْ كُنَّا فاعلينَ اتَّخَذْناه.
قوله: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ : العامَّةُ على رفع الغين نَسَقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبِها. قال الزمخشري: «وهو في ضَعْفِ
138
قولِه:
٣٣٣٢ - سأَتْركُ منزلي لبني تميمٍ وألحقُ بالحجازِ فَأَسْتَريحا
وقرىء شاذاً» فيَدْمُغُه «بضمِّ الميم، وهي محتملةٌ لأن يكونَ في المضارع لغتان: يَفْعَلُ ويَفْعُل، وأن يكونَ الأصلُ الفتحَ، والضمة للإِتباع في حرف الحلق. ويدمغه: أي يصيب دماغه، من قولهِم دَمَغْتُ الرجلَ أي: ضَرَبْتُه في دماغِه كقولهم رَأَسَه وكَبَده ورَجَله، إذا أصاب منه هذه الأعضاءَ.
قوله: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه متعلقٌ بالاستقرار الذي تَعَلَّق به الخبرُ أي: استقرَّ لكم الويلُ من أجلِ ما تَصِفُون. و»
مِنْ «تعليليَّةٌ. وهذا وجهٌ وجيهٌ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، والثالث: أنه حالٌ من الويلِ أي: الويلُ واقعاً مِمَّا تَصِفون، كذا قَدَّره أبو البقاء. و» ما «في ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً فلا عائدَ عند الجمهورِ، وأن تكونَ بمعنى الذي، أو نكرةً موصوفةً ولا بُدَّ من العائد، عند الجميع، حُذِف لاستكمالِ الشروطِ.
139
قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على «مَنْ» الأولى. أخبرَ تعالى عن مَنْ في السماوات والأرض، وعن مَنْ عنده بأنَّ الكلَّ له في مِلْكِه، وعلى هذا فيكون من باب ذِكْرِ الخاصِّ بعد العام مَنْبَهَةً على شرفه. لأنَّ قولَه: ﴿مَن فِي السماوات﴾ شَمَل مَنْ عنده، وقد مَرَّ
139
نظيرُه في قولِه: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله: ﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على هذا فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه حال/ مِنْ «مَنْ» الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء: «حالٌ: إمَّا مِن الأولى أو الثانيةِ على قولِ مَنْ رَفَع بالظرف» يعني أنَّه إذا جَعَلْنا «مَنْ» في قولِه ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ مرفوعاً بالفاعليةِ، والرافعُ الظرفُ؛ وذلك على رأي الأخفش، جاز أَنْ يكونَ «لا يَسْتبكرون» حالاً: إمَّا مِنْ «مَنْ» الأولى، وإمَّا مِن الثانية؛ لأن الفاعلَ يجيءُ منه الحالُ. ومفهومُه أنَّا إذا جَعَلْنا مبتدأً لا يجيءُ «يستكبرون» حالاً، وكأنه يرى أنَّ الحالَ لا تجيءُ من المبتدأ، وهو رأيٌ لبعضِهم. وفي المسألةِ كلامٌ مقررٌ في غيرِ هذا الموضوعِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ «لا يستكبرون» حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «عندَه» الواقعِ صلةً، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «له» الواقع خبراً.
والوجهُ الثاني من وجهَيْ «مَنْ» : أن تكونَ مبتدأً، و «لا يستكبرون» خبرُه، وهذه جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلَها. وهل الجملةُ مِنْ قوله ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ استئنافيةٌ أو معادِلَةٌ لجملة قولِه: ﴿وَلَكُمُ الويل﴾ أي: لكم الوَيْلُ، ولله تعالى جميعُ العالَمِ عُلْوِيِّه وسُفْلِيِّه؟ والأولُ أظهرُ.
ولا يَسْتَحْسِرون أي: لا يَكِلُّون ولا يَتْبعون. يقال: اسْتَحْسر البعيرُ أي كَلَّ وتَعِب. قال: علقمة بن عبدة:
140
ويقال: حَسَر البعيرُ، وحَسَرْته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً. وأَحْسَرْتُه أيضاً. فيكون فَعَل وأفْعَلَ بمعنىً في أحدِ وجهَيْ فَعَل. قال الزمخشري: «الاستحسارُ مبالغةٌ في الحُسورِ. فكان الأبلغُ في وصفِهم أَنْ ينفيَ عنهم أَدْنى الحُسورِ. قلت: في الاستحسارِ بيانُ أنَّ ما هُمْ فيه يوجب غايةَ الحُسور وأقصاه، وأنَّهم أَحِقَّاءُ لتلك العباداتِ الباهظة بأَنْ يَسْتَحْسِروا فيما يَفْعلون» وهو سؤالٌ حسنٌ وجوابٌ مطابق.
141
قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً من الفاعل في الجملةِ قبلَه. و ﴿لاَ يَفْتُرُونَ﴾ يجوز فيه الاستئنافُ والحالُ من فاعلِ «يُسَبِّحون».
قوله: ﴿أَمِ اتخذوا﴾ : هذه «أم» المنقطعةُ، فتتقدَّرُ ب بل التي لإِضرابِ الانتقال، وبالهمزةِ التي معناها الإِنكار. و «اتَّخذ» يجوزُ أََنْ يكونَ بمعنى صَنَع، فتتعلَّقَ «مِن» به. وجَوَّز الشيخُ أن يكونَ بمعنى صَيَّر التي في قوله: ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] قال: «وفيه معنى الاصطفاءِ والاختيار». و ﴿مِّنَ الأرض﴾ يجوز أَنْ يتعلَّقَ بالاتخاذ كما تقدَّم، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها نعتٌ ل «آلهة» أي: مِنْ جنسِ الأرض.
قوله: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ جملةٌ في محلِّ نصبٍ صفةً لآلهة. وقرأ العامَّةُ «يُنْشِرون» بضمِّ حرفِ المضارعة مِنْ أَنْشَر. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين يُقال: أَنْشَر اللهُ الموتى فَنَشَروا، ونَشَر يكون لازماً ومتعدياً.
قوله: ﴿إِلاَّ الله﴾ :«إلاَّ» هنا صفةٌ للنكرة قبلها بمعنى «غَيْر». والإِعرابُ فيها متعذَّر، فَجُعِل على ما بعدها. وللوصفِ بها شروطٌ منها: تنكيرُ الموصوفِ، أو قُرْبُه من النكرة بأَنْ يكونَ معرفاً بأل الجنسية. ومنها أَنْ يكونَ جمعاً صريحاً كالآية، أو ما في قوةِ الجمعِ كقوله:
٣٣٣٣ - بها جِيَفُ الحسرى فأمَّا عِظامُها فبِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فصَلِيْبُ
٣٣٣٤ - لو كان غيري سُلَيْمى اليومَ غيَّره وَقْعُ الحوادِثِ إلاَّ الصارمُ الذَّكَرُ
ف «إلاَّ الصارِمُ» صفةُ لغيري لأنه في معنى الجمع. ومنها أَنْ لا يُحْذَفَ موصوفُها عكسَ «غير». وقد أَتْقَنَّا هذا كلَّه في «إِيضاحِ السبيل إلى شرح التسهيل» فعليك به. وأنشد سيبويهِ على ذلك قولَ الشاعر:
٣٣٣٥ - وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أخُوه لَعَمْرُ أبيكَ إلاَّ الفرقدانِ
أي: وكلُّ أخٍ غيرُ الفرقدين مفارِقُه أخوه. وقد وقع الوصفُ ب إلاَّ كما وقع الاستثناء ب «غير»، والأصلُ في «إلاَّ» الاستثناءُ وفي «غير» الصفةُ. ومن مُلَحِ كلامِ أبي القاسم الزمخشري: «واعلم أنَّ» إلاَّ «وغير يَتَقَارضان».
ولا يجوزُ أَنْ ترتفعَ الجلالةُ على البدل مِنْ «آلهة» لفسادِ المعنى. قال
142
الزمخشري: «فإن قلت: ما مَنَعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنَّ» لو «بمنزلةِ» إنْ «في أنَّ الكلامَ معها موجَبٌ، والبدلُ لا يَِسُوغ إلاَّ في الكلام غيرِ الموجبِ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك﴾ [هود: ٨١] وذلك لأنَّ أعمَّ العامِّ يَصِحُّ نفيُه ولا يَصِحُّ إيجابُه». فجعل المانعَ صناعياً مستنداً إلى ما ذُكِر مِنْ عدم صحةِ إيجاب أعمِّ العام.
وأحسنُ مِنْ هذا ما ذكره أبو البقاء مِنْ جهة المعنى فقال: «ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، لأنَّ المعنى يصيرُ إلى قولك: لو كان فيهما اللهُ لَفَسَدَتا، ألا ترى أنَّك لو قلت:» ما/ جاءني قومُك إلاَّ زيدٌ «على البدلِ لكان المعنى: جاءني زيدٌ وحدَه. ثم ذكر الوجه الذي رَدَّ به الزمخشريُّ فقال:» وقيل: يمتنعُ البدلُ لأنَّ قبلها إيجاباً «. ومنع أبو البقاء النصبَ على الاستثناء لوجهين، أحدُهما: أنه فاسدٌ في المعنى، وذلك أنك إذا قلتَ:» لو جاءني القومُ إلاَّ زيداً لقتلتُهم «كان معناه: أنَّ القَتْلَ امتنع لكونِ زيدٍ مع القوم. فلو نُصِبَتْ في الآية لكان المعنى: إنَّ فسادَ السماواتِ والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة. وفي ذلك إثباتُ إلهٍ مع الله. وإذا رُفِعَتْ على الوصفِ لا يلزمُ مثلُ ذلك؛ لأنَّ المعنى: لو كان فيهما غيرُ اللهِ لفسدتا. والوجهُ الثاني: أنَّ آلهة هنا نكرةٌ، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يُسْتثنَ منه عند جماعةٍ من المحققين؛ إذ لا عمومَ له بحيث يدخلُ فيه المستثنى لولا الاستثناءُ».
وهذا الوجهُ الذي منعاه أعني الزمخشري وأبا البقاء قد أجازه
143
أبو العباس المبرد وغيره: أمَّا المبردُ فإنه قال: «جاز البدلُ لأنَّ ما بعد» لو «غيرُ موجَبٍ في المعنى. والبدلُ في غير الواجبِ أحسنُ من الوصفِ. وفي هذه نظرٌ من جهة ما ذكره أبو البقاء من فسادِ المعنى.
وقال ابنُ الضائعِ تابعاً للمبرد: لا يَصِحُّ المعنى عندي إلاَّ أن تكون»
إلاَّ «في معنى» غير «التي يُراد بها البدلُ أي: لو كان فيهما آلهةٌ عِوَضَ واحدٍ أي بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا. وهذا المعنى أرادَ سيبويه في المسألةِ التي جاء بها توطئةً.
وقال الشَّلَوْبين في مسألةِ سيبويه»
لو كان معنا رجلٌ إلاَّ زيدٌ لَغُلِبْنا «: إنَّ المعنى: لو كانَ معنا رجلٌ مكانَ زيد لَغُلبنا، ف» إلاَّ «بمعنى» غير «التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوحٌ من أبي عليّ إلى البدلِ. وما ذكره ابنُ الضائع من المعنى المتقدمِ مُسَوِّغٌ للبدل. وهو جوابٌ عَمَّا أَفْسَد به أبو البقاء وجهَ البدل، إذ معناه واضحٌ، ولكنه قريبٌ من تفسير المعنى لا من تفسيرِ الإِعراب.
144
قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ﴾ : العامَّةُ على إضافة «ذِكْر» إلى «مَنْ» إضافةَ المصدرِ إلى مفعولِه، كقولِه تعالى: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]. وقُرِىء «ذِكْرٌ» بالتنوين فيهما، و «مَنْ» مفتوحة الميم، نُوِّنَ
144
المصدرُ ونُصِبَ به المفعولُ كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤-١٥].
وقرأ يحيى بن يعمر «ذِكْرٌ» بتنوينه و «مِنْ» بكسرِ الميم، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنَّ ثَمَّ موصوفاً محذوفاً قامَتْ صفتُه وهي الظرف مَقامَه. والتقدير: هذا ذِكْرٌ مِنْ كتاب معي، ومِنْ كتابٍ قبلي. والثاني: أنَّ «معي» بمعنى عندي. ودخولُ «مِنْ» على «مع» في الجملة نادرٌ؛ لأنها ظرفٌ لا يَتَصَرَّف. وقد ضَعَّف أبو حاتم هذه القراءةَ، ولم يَرَ لدخول «مِنْ» على «مع» وجهاً.
وقرأ طلحةُ «ذِكْرٌ معي وذكرٌ قبلي» بتنوينهما دونَ «مِنْ» فيهما. وقرأَتْ طائفةٌ «ذكرُ مَنْ» بالإِضافة ل «مَنْ» كالعامَّة، «وذكرٌ مِنْ قبلُ» بتنوينِه وكسرِ ميم «مِنْ». ووجهها واضحٌ ممَّا تتقدم.
قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الحق﴾ العامَّةُ على نصب «الحق». وفيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه مفعولٌ به بالفعلِ قبلَه. والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّد. قال الزمخشريُّ: «ويجوزُ أَنْ يكونَ المنصوبُ أيضاً على التوكيدِ لمضمونِ الجملةِ السابقة، كما تقول:» هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطل «فأكَّدَ انتفاءَ العِلْم».
وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع «الحق». وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه مبتدأٌ والخبرُ مضمرٌ. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ. قال الزمخشري: «وقُرِىء» الحقُّ «بالرفعِ على توسيطِ التوكيد بين السببِ والمُسَبَّب. والمعنى: أن إعراضَهم بسببِ الجهلِ هو الحقُّ لا الباطلُ».
145
قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ :«عبادٌ» خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هم عبادٌ. و «مُكْرَمون» في العامَّة مخففٌ، وقراءة عكرمة مشدداً.
قوله: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ﴾ : جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «عبادٌ». والعامَّةُ على كسرِ الباء في «يَسْبِقونه» وقُرىء بضمِّها. وخُرِّجَتْ على أنه مضارعٌ سَبَقه أي غلبه في السبق يُقال: سابقه فَسَبقه يَسْبُقه أي: غلبه في السَّبْق. ومضارع فَعَلَ في المغالبة مضمومُ العينِ مطلقاً إلاَّ في ياءَيْ العينِ أو اللام، والمرادُ: لا يَسْبقونه بقوله، فَعَوَّض الألفَ واللامَ عن الضمة عند الكوفيين، والضميرُ محذوفٌ عند البصريين أي بالقول منه.
قوله: ﴿فذلك نَجْزِيهِ﴾ : يجوزُ في ذلك وجهان أحدُهما: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ. وهذا وجهٌ حسنٌ. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره هذا الظاهرُ. والمسألةُ من بابِ الاشتغال. وفي هذا الوجهِ إضمارُ عاملٍ مع الاستغناءِ عنه، فهو مرجوحٌ والفاءُ وما في حَيِّزها في موضعِ جزمٍ جواباً للشرط و «كذلك» نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضمير المصدر أي: جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ، أو نجزي الجزاءَ حالَ كونِه مثلَ ذلك.
وقرأ العامَّةُ «نجزي» بفتحِ النونِ. وأبو عبد الرحمن المقرىء بضمِها.
146
وجهُها أنه مِنْ أجزأ بالهمز، مِنْ أجزأني كذا أي: كفاني، ثم خَفَّفَ الهمزةَ فانقلبت إلى الياء.
147
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ : قرأ ابن كثير «ألم يرَ» من غير واو. والباقونَ/ بالواوِ بين همزةِ الاستفهام و «لم». ونظيرُ حذفِ الواوِ وإثباتِها هنا ما تقدَّم في البقرة وآل عمران في قولِه ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقد تقدَّم حكمُ ذلك. والرؤيةُ هنا يجوز أن تكونَ قلبيةً، وأن تكونَ بَصَريةً. ف «أنَّ» وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْنِ عند الجمهور على الأول، ومَسَدَّ واحدٍ والثاني محذوف، عند الأخفش، وسادَّةٌ مسدَّ واحدٍ فقط على الثاني.
قوله: ﴿كَانَتَا﴾ الضميرُ يعودُ على السماوات والأرض بلفظِ التثنيةِ، والمتقدِّم جمعٌ. وفي ذلك أوجه أحدُها: ما ذكره الزمخشري فقال: «وإنما قيل» كانتا «دونَ» كُنَّ «لأنَّ المرادَ جماعةُ السماواتِ وجماعةُ الأرَضين. ومنه قولُهم:» لِقاحان سَوْداوان «أي: جماعتان. فَعَلَ في المضمر نحوَ ما فَعَل في المظهر. الثاني: قال أبو البقاء:» الضميرُ يعودُ على الجنسين «. الثالث: قال الحوفي:» قال: كانتا رَتْقاً والسماوات جمعٌ لأنه أراد الصِّنْفَيْنِ. قال الأسودُ ابنُ
147
يَعْفَر:
٣٣٣٦ - إن المنيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهما يُوفي المخارم يَرْقُبان سوادي
لأنه أراد النوعين، وتبعه ابن عطية في هذا فقال: «وقال:» وكانتا «من حيث هما نوعان. ونحوُه قولُ عمرِو بن شييم:
٣٣٣٧ - ألم يُحْزِنْكَ أنَّ حبالَ قيسٍ وتَغْلِبَ قد تباينتا انقطاعا
ورَتْقاً: خبرٌ. ولم يُثَنَّ لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ. ثم لك أن تجعلَه قائماً مقامَ المفعولِ كالخَلْقِ بمعنى المَخْلوق، أو تجعلَه على حَذْفِ مضافٍ أي: ذواتَيْ رَتْقٍ. وهذه قراءةُ الجمهور.
وقرأ الحسنُ وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى»
رَتَقاً «بفتحِ التاءِ وفيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ أيضاً، ففيه الوجهان المتقدِّمان في الساكنِ التاءِ. والثاني: أنه فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبَض والنَّقَض بمعنى المَقْبوض والمَنْقوض، وعلى هذا فكان ينبغي أَنْ يطابقَ بخبرِه في التثنية. وأجاب الزمخشري عن ذلك فقال:» هو على تقديرِ موصوفٍ أي: كانتا شيئاً رَتَقاً «. ورَجَّح بعضُهم
148
المصدريةَ بعدمِ المطابقَةِ في التثنية، وقد عرفت جوابه. وله أن يقولَ: الأصلُ عدمُ حذفِ الموصوف فلا يُصارُ إليه دونَ ضرورةٍ.
والرَّتْقُ: الانضمامُ. ارْتَتَقَ حَلْقُه: أي: انضمَّ. وامرأةٌ رَتْقاءُ أي: مُنْسَدَّة الفَرْجِ، فلم يُمْكِنْ جماعُها من ذلك. والفَتْقُ: فَصْل ذلك المُرْتَتِقِ، وهو من أحسن البديع هنا؛ حيث قابل الرَّتْقَ بالفَتْق. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: متى رَأَوْهما رَتْقاً حتى جاء تقريرُهم بذلك؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارِدٌ في القرآن الذي هو معجِزٌ في نفسِه، فقام مقامَ المَرْئيِّ المشاهَدِ. والثاني: أنَّ تَلاصُقَ السماءِ والأرضِ وتبايَنهما كلاهما جائزٌ في العقلِ فلا بُدَّ للتباين دون التلاصُقِ من مخصِّصٍ وهو القديمُ سبحانه «.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يجوز في «جَعَل»
هذه أَنْ تكونَ بمعنى «خلق» فتتعدى لواحدٍ وهو كلُّ شيءٍ، و ﴿مِنَ المآء﴾ متعلقٌ بالفعلِ قبلَه. ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «كل شيء» لأنه في الأصلِ يجوز أن يكونَ وَصْفاً له، فلما قُدِّم عليه نُصِبَ على الحال. ومعنى خَلْقِه من الماء أحدُ شيئين: إمَّا شدةُ احتياجِ كلِّ حيوانٍ للماء فلا يعيشُ بدونِه، وإمَّا لأنه مخلوقٌ من النُّطْفَة التي تسمى ماءً. ويجوز أن تكونَ «جَعَلَ» بمعنى صَيَّر فتتعدَّى لاثنين، ثانيهما الجارُّ بمعنى: أنَّا صَيَّرْنا كلَّ شيء حيّ بسبب من الماء لا بُدَّ له منه.
والعامَّةُ على خفض «حيّ» صفةً لشَيْء. وقرأ حميد بنصبه على أنه مفعولٌ ثانٍ ل جَعَلْنا. والظرفُ لغوٌ. ويَبْعُد على هذه القراءةِ أَنْ يكونَ «جعل» بمعنى «خَلَقَ»، وأنْ ينتصبَ «حَيَّاً» على الحال.
149
قوله: ﴿أَن تَمِيدَ﴾ مفعولٌ من أجله أي: أن لا تميدَ فَحُذِفَتْ «لا» لفَهْمِ المعنى، أو كراهةَ أَنْ تميد. وقَدَّره أبو البقاء فقال: «مخافَةَ أن تميدَ». وفيه نظرٌ لأنَّا إنْ جَعَلْنا المخافةَ مسندةً إلى المخاطبين أخْتَلَّ شرطٌ من شروطِ النصبِ في المفعولِ له وهو الفاعل. وإنْ جَعَلْناها مسندةً لفاعل الجَعْل استحال ذلك، لأنَّه تبارك وتعالى لا يُسْنَدُ إليه الخوف. وقد يقال: يُختارُ أن تُسْنَدَ المخافةُ إلى المخاطبين. قولكم: يختلُّ شرطٌ من شروطِ النصب. جوابُه: أنه ليس بمنصوبٍ، بل مجرورٌ بحرف العلةِ المقدرِ. / وحَذْفُ حرفِ الجر مُطَّردٌ مع أنْ وأنَّ بشرطه.
قوله: ﴿فِجَاجاً سُبُلاً﴾ في «فجاجاً» وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به و «سُبُلا» بدلٌ منه. والثاني: أنه منصوب على الحال مِنْ «سبلاً» لأنه في الأصلِ صفةٌ له فلمَّا قُدِّم انتصبَ حالاً كقولِه:
٣٣٣٨ - لميَّةَ موحشاً طَلَلُ يلوحُ كأنَّه خِلَلُ
ويدلُّ على ذلك مجِيْئُه صفةً في الآية الأخرى، وهي قولُه تعالى: ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠]. قال الزمخشري: «فإن قلت: في الفجاجِ معنى الوصفِ، فما لها قُدِّمَتْ على السُّبُل ولم تُؤَخَّرْ، كقولِه تعالى: {لِّتَسْلُكُواْ
150
مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} ؟ قلت: لم تُقَدَّم وهي صفةٌ ولكنْ جُعِلَتْ حالاً كقولِه:
٣٣٣٩ - لِعَزَّةَ مُوْحِشاً طَلَلٌ قديمُ ........................
فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بينهما من جهةِ المعنى؟ قلتُ: أحدُهما أعلامٌ بأنه جَعَلَ فيها طرقاً واسعة. والثاني: أنه حينَ خَلَقها خَلَقها على تلك الصفةِ، فهو بيانٌ لما أُبْهِم ثمةَ».
قال الشيخ: «يعني بالإِبهامِ أنَّ الوصفَ لا يلزمُ أَنْ يكونَ الموصوفُ متصفاً به حالةَ الإِخبارِ عنه، وإن كان الأكثرُ قيامَه به حالةَ الإِخبارِ عنه. ألا ترى أنه يُقال: مررتُ بوَحْشيٍّ القاتلِ حمزةَ، وحالةَ المرورِ لم يكن قائماً به قَتْلُ حمزة».
والفَجُّ: الطريقُ الواسعُ. والجمعُ: الفِجاجُ.
والضميرُ في «فيها» يجوزُ أن يعودَ على الأرض، وهو الظاهرُ كقولِه: ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ١٩-٢٠] وأَنْ يعودَ على الرَّواسي، يعني أنه جعل في الجبال طُرُقاً واسعة.
151
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾ : جملةٌ استئنافيةٌ، ويَضْعُفُ جَعْلُها حالاً مقدرةً. وقرأ مجاهد وحميد «عن آيتِها» بلفظِ الإِفراد. جَعَلَ الخلقَ آيةً، وهي مشتملةٌ على آياتٍ، أو أطلق الواحدَ وأراد به الجنسَ.
قوله: ﴿كُلٌّ﴾ : أي: كلُّ منهما أي: من الشمس والقمر، أو مِنها أي: من الليل والنهار والشمس والقمر. و «يَسْبَحون» يجوز أن يكونَ خبرَ «كلٌ» على المعنى. و «في فلك» متعلقٌ به، ويجوزُ أن يكونَ حالاً. والخبرُ الجارُّ وهو «في فَلك». وهذا الذي: ذَكَرْتُه من كونِ المضافِ إليه يجوزُ أَنْ يُقَدَّرَ بالأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ. ذكره أبو البقاء. وأمَّا غيرُه فلم يذكرْ إلاَّ أنَّ المضافَ إليه الشمسُ والقمرُ. وهو الظاهر؛ لأنَّ السباحةَ من صفتِهما دونَ الليلِ والنهار، وعلى هذا فيُعْتَذَر عن الإِتيانِ بضميرِ الجمعِ، وعن كونِه جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ.
أمَّا الأولُ فقيل: إنما جُمِع لأنَّ ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: والنجومُ، كما دَلَّتْ عليه آياتٌ أُخَرُ. وقال الزمخشري: «الضميرُ للشمسِ والقمرِ، والمرادُ بهما جنسُ الطوالِع كلَّ يومٍ وليلةٍ، جعلوها متكاثرةً لتكاثُرِ مَطالِعِها، وهو السببُ في جمعهما بالشموسِ والأقمارِ». انتهى. والذي حَسَّن ذلك كونُه رأسَ آيةً.
وقال أبو البقاء: «يَسْبَحُون» خبر «كلٌ» على المعنى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ إذا سَبَح فكلُّها تَسْبَحُ. وقيل: يَسْبَحُون على هذا الوجهِ حالٌ. والخبر «في فَلَكٍ».
152
وقيل: التقدير: كلُّها، والخبر «يَسْبَحُون»، أتى بضميرِ الجمعِ على معنى «كل». وفي هذا الكلامِ نظرٌ: من حيث إنه لمَّا جَوَّز أن يكونَ المضافُ إليه شيئين جَعَل الخبرَ الجارَّ، و «يَسْبَحون» حالاً، فِراراً من عدم مطابقةِ الخبر للمبتدأ، فَوَقَعَ في تخالُفِ الحالِ وصاحبِها.
وأمَّا الثاني فلأنَّه لَمَّا أَسْنَدَ إليها السباحةَ التي هي مِنْ أفعالِ العقلاء جَمَعَها جَمْعَ العقلاءِ كقولِه: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] و ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
وهذه الجملةُ يجوز أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعرابِ لاستئنافِها. ويجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها النصبَ على الحال. فإنْ قُلْنا: إن السباحةَ تُنْسَبُ إلى الليل والنهار، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء في أحدِ الوجهين فتكونُ حالاً من الجميع. وإن كان لا يَصِحُّ نِسْبَتُها إليهما كانت حالاً من الشمسِ والقمرِ. وتأويلُ الجمعِ قد تقدَّم. قال الشيخ: «أو مَحَلُّها النصبُ على الحالِ من الشمس والقمر؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ لا يَتَّصِفان بأنهما يَجْرِيان في فَلَكٍ، فهو كقولك: رأيتُ زيداً وهنداً متبرِّجةً» انتهى. وهذا قد سبقه إليه الزمخشري فَنَقَله عنه، يعني أنه قد دَلَّ دليلٌ على أنَّ الحالَ من بعضِ ما تقدَّم كما في المثالِ المذكور.
والسِّباحةُ: العَوْمُ في الماءِ. وقد يُعَبَّر به عن مطلقِ الذهابِ، وقد تقدَّم اشتقاقُه في «سُبْحانك».
153
قوله: ﴿أَفَإِيْن مِّتَّ﴾ : قد تقدَّم نظيرُ ذلك في آل عمران عند قولِه: ﴿أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم﴾ [الآية: ١٤٤]. وفي هذه الآيةِ دليلٌ لمذهب سيبويه: وهو أنه إذا اجتمع شرطٌ واستفهام أُجيب الشرطُ. فتكونُ الآيةُ قد دَخَلَتْ فيها همزةُ الاستفهامِ على جملةِ الشرطِ. والجملةُ المقترنةُ بالفاءِ جوابُ الشرطِ، وليسَتْ مَصَبَّ الاستفهامِ، وزَعَمَ يونس أنَّ الاستفهامَ/ مُنْصَبٌّ على الجملةِ المقترنةِ بالفاء، وأنَّ الشرطَ معترضٌَ بين الاستفهامِ وبينَها، وجوابه محذوف. وليس بشيءٍ إذ لو كان كما قال لكان التركيبُ: أفإن مِتَّ هم الخالدون، بغير فاء. وكأنَّ ابنَ عطية نحا منحى يونسَ فإنه قال: «وألفُ الاستفهامِ داخلةٌ في المعنى على جوابِ الشرطِ».
قوله: ﴿فِتْنَةً﴾ : في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه مفعولٌ من أجله. الثاني: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ أي: فاتِنين. الثالث: أنَّه مصدرٌ مِنْ معنى العاملِ لا من لفظِه؛ لأن الابتلاءَ فتنةٌ فكأنَّه قيل: نَفْتِنُكم فتنةً.
وقرأ العامَّة «تُرْجَعُوْن» بتاءِ الخطابِ مبنياً للمفعول. وغيرُهم بياءِ الغَيْبة على الالتفات.
قوله: ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ :«إنْ» هنا نافيةٌ، وهي وما في حَيِّزها جوابُ الشرط ب إذا، و «إذا» مخالفةٌ لأدواتِ الشرطِ في ذلك، فإنَّ أدواتِ الشرطِ متى أُجِيبت ب «إنْ» النافيةِ أو ب «ما» النافيةِ وَجَبَ الإِتيانُ بالفاءِ تقول: إن أَتَيْتَني فإنْ أَهَنْتُك وفما أَهَنْتُك. وتقول: إذا أَتَيْتَني ما أَهَنْتُك بغير فاءٍ يَدُلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥].
و «اتَّخَذَ» هنا متعديةٌ لاثنين. و «هُزُوا» هو الثاني: إمَّا على حَذْفِ مضافٍ، وإمَّا على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً، وإمَّا على وقوعِه مَوْقِعَ اسمِ المفعول.
وفي جواب «إذا» قولان، أحدهما: أنه «إنْ» النافيةُ، وقد تقدَّم ذلك. والثاني: أنه محذوفٌ، وهو القولُ الذي قد حكى به الجملةَ الاستفهاميةَ في قوله: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ إذ التقديرُ: وإذا رآك الذين كفروا يقولونَ: أهذا الذي. وتكونُ الجملةُ المنفيةُ معترضةً بين الشرطِ وبين جوابهِ المقدَّرِ.
قوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ «هم» الأولى مبتدأٌ مخبرٌ عنه ب «كافرون»، و «بِذكْر» متعلقٌ بالخبرِ. والتقديرُ: وهم كافرون بذِكْر. و «هم» الثاني تأكيدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً، فوقع الفصلُ بين العاملِ ومعمولِه بالمؤكِّد، وبين المؤكَّدِ والمؤكِّدِ بالمعمولِ.
وفي هذه الجملةِ قولان، أحدُهما: أنَّه في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ
155
فاعلِ القولِ المقدَّرِ أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالةِ. والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعلِ «يَتَّخِذونك»، وإليه نحا الزمخشريُّ، فإنه قال: «والجملةُ في موضعِ الحالِ أي: يَتَّخِذُونك هُزُواً وهم على حالٍ هي أصلُ الهزْءِ والسخريةِ، وهي الكفرُ باللهِ».
156
قوله: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ : فيه قولان، أحدهما: أنه من بابِ القلبِ. والأصلُ: خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ لشدةِ صدورِه منه وملازَمتِه له. وإلى هذا ذهب أبو عمروِ. وقد يتأيَّد هذا بقراءةِ عبدِ الله «خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ» والقلبُ موجودٌ. قال الشاعر:
٣٣٤٠ - حَسَرْتُ كَفِّيْ عن السِّربالِ آخُذُه ..........................
يريد: حسرت السِّرْبالَ عن كفي. ومثلُه في الكلامِ: «إذا طَلَعَت الشِّعْرى استوى العُوْدُ على الحِرْباء» وقالوا: عَرَضْتُ الناقةَ على الحَوْضِ. وقد قَدَّمْتُ منه أمثلةً غيرَ هذه. إلاَّ أن بعضَهم يَخُصُّه بالضرورةِ، وقد قَدَّمْتُ فيه مذاهبَ ثلاثةً.
156
والثاني: أنه لا قلبَ فيه وفيه تأويلاتٌ، أحسنُها: أن ذلك على المبالغةِ، جَعَلَ ذاتَ الإِنسانِ كأنها خُلِقَتْ من نفسِ العَجَلة، دلالةً على شدةِ اتصاف الإِنسانِ بها، وأنها مادتُه التي أُخِذ منها. ومثلُه في المبالغة من جانب النفي قولُه عليه السلام: «لستُ من الدَّدِ، ولا الدَّدُ مني» والدَّدُ: اللِّعِبُ. وفيه لغاتٌ: «دَدٌ» محذوفُ اللامِ و «ددا» مَقْصوراً ك «عصا» و «دَدَن» بالنون. وألفه في إحدى لغاتِه مجهولةُ الأصل لا ندري: أهي عن ياءٍ أو واوٍ؟.
وقيل: العَجَلُ: الطين بلغة حمير، أنشد أبو عبيدة على ذلك لشاعرٍ منهم:
٣٣٤١ - النَّبْعُ في الصَّخْرةِ الصَّمَّاء مَنْبِتُه والنَّخْلُ مَنْبِتُه في الماءِ والعَجَلِ
قال الزمخشري بعد إنشادِه عَجُزَ هذا البيتِ: واللهُ أعلمُ بصحتِه «وهو معذورٌ.
وهذا الجارُّ يحتملُ تَعَلُّقُه ب»
خُلِقَ «على المجاز أو الحقيقةِ المتقدِّمَيْن، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ كأنه قيل: خُلِق الإِنسانُ عَجِلاً. كذا قال أبو البقاء. والأولُ أولى.
157
وقرأ العامَّة» خُلِق «مبنياً للمفعول.» الإِنسانُ «مرفوعاً لقيامِه مقامَ الفاعلَ. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم» خَلَقَ «مبنياً للفاعل.» الإِنسانَ «نصباً مفعولاً به.
158
قوله: ﴿متى هذا﴾ :«متى» خبرٌ مقدمٌ، فهي في محلِّ رفعٍ. وزعم بعضُ أهلِ الكوفةِ أنها في محلِّ نصبٍ على الظرفِ. والعاملُ فيها فعلٌ مقدرٌ رافعٌ لهذا. والتقديرُ: متى يجيءُ هذا الوعدُ، أو متى يأتي؟ ونحوُه. والأولُ هو المشهورُ.
قوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ : جوابُها مقدَّرٌ لأنه أبلغُ في الوعيدِ. فقدَّره الزمخشريُّ: «لَما كانوا بتلك الصفةِ/ من الكفرِ والاستهزاءِ والاستعجالِ، ولكنَّ جَهْلَهم به هو الذي هَوَّنه عندهم». وقَدَّره ابنُ عطية: «لَما استعجلوا». وقدَّره الحوفي «لَسارعوا». وقَدَّره غيرُهم «لَعَلِموا صحةَ البعث».
و «حينَ» مفعولٌ به ل «عَلِموا» وليس منصوباً على الظرفِ. أي: لو يَعْلمون وقتَ عدمِ كفِّ النار. وقال الزمخشري: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» يعلمُ «متروكاً بلا تَعْدِيةٍ بمعنى: لو كان معهم علمٌ ولم يكونوا جاهلين لَما كانوا
158
مستَعْجِلين. و» حينَ «منصوبٌ بمضمرٍ أي: حين لا يَكُفُّون عن وجوهِهم النارَ يعلمونَ أنهم كانوا على الباطلِ»، وعلى هذا ف «حين» منصوبٌ على الظرفِ لأنه جَعَلَ مفعولَ العلمِ «أنَّهم كانوا».
وقال الشيخ: «والظاهرُ أنَّ مفعولَ» يعلم «محذوفٌ لدلالة ما قبلَه أي: لو يعلم الذين كفروا مجيْءَ الموعودِ الذي سَألوا عنه واسْتَنْبطوه. و» حين «منصوبٌ بالمفعولِ الذي هو» مجيءَ «. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ الإِعمالِ على حَذْفِ مضافٍ، وأعملَ الثاني. والمعنى: لو يعلمون مباشرةَ النارِ حين لا يَكُفُّونها عن وجوهِهم».
159
قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ : في موضعِ نصبٍ على الحالِ أي مباغتةً. والضميرُ في «تَأْتيهم» يعودُ على النار. وقيل: يعودُ على الحين لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعةِ التي يُصَيِّرهم فيها إلى العذابِ. وقيل: على الوعد؛ لأنَّه في معنى النار التي وُعِدُوها، قاله الزمخشري وفيه تكلُّفٌ.
وقرأ الأعمش: «بل يَأْتيهم» بياء الغَيْبة. «بَغَتة» بفتح الغين. «فيَبْهَتُهُمْ» بالياء أيضاً. فأمَّا الياءُ فَأعاد الضميرَ على الحين أو على الوعد. وقال بعضُهم: «هو عائدٌ على النار، وإنما ذكَّر ضميرها لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ النار فأنَّثَ في قوله:» رَدَّها «.
وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ إضرابُ انتقالٍ. وقال ابن عطية:»
بل «استدراكٌ مقدرٌ قبلَه نفيٌ، تقديرُه:» إنَّ الآياتِ لا تأتي على حَسَب اقتراحهم «. وفيه نظرٌ؛
159
لأنه يَصيرُ التقديرُ: لا تأْتيهم الآياتُ على حسبِ اقتراحِهم، بل تأتيهم بغتةً، فيكون الظاهرُ أن الآياتِ تأتي بغتةً، وليس ذلك مُراداً قطعاً. وإنْ أراد أن يكونَ التقديرُ: بل تَأتيهم الساعةُ أو النارُ فليس مطابقاً لقاعدةِ الإِضراب.
160
قوله: ﴿مِنَ الرحمن﴾ : متعلقٌ ب «يَكْلؤُكم» على حذفِ مضافٍ أي من أمرِ الرحمنِ أو بَأْسِه كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١]. و «بالليل» بمعنى في الليل. والكِلاءَةُ: الحِفْظُ يقال: كَلأَه يَكْلَؤُه اللهُ كِلاءة بالكسر. كذا ضبطه الجوهري فهو كالِىءٌ ومَكْلُوْءٌ. قال ابنُ هَرْمة:
٣٣٤٢ - إنَّ سُلَيْمَى واللهُ يَكْلَؤُها ضَنَّتْ بشَيْءٍ ما كان يَرْزَؤها
واكْتَلأْتُ منه: احتَرَسْتُ، ومنه سُمِّي النباتُ كَلأً؛ لأنَّ به تقومُ بُنْيَةُ البهائمِ وتُحْرس. ويقال: «بَلَّغَ الله بك أَكْلأَ العُمُرِ» والمُكَلأُ: موضعٌ تُحْفظ فيه السفن. وفي الحديث: «نهى عن بيع الكالِىء بالكالِىءِ» أي: بَيْعِ الدَّيْن بالدَّيْن؛ كأنَّ كلاً من رَبِّ الدَّيْنَيْنِ يكلأُ الآخَرَ أي: يراقبه.
160
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ﴾ إضرابٌ عن ما تَضَمَّنه الكلامُ الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالىءٌ ولا مانعٌ غيرُ الرحمنِ.
وقرأ الزهري وابن القعقاع «يَكْلَوُكم» بضمةٍ خفيفةٍ دونَ همزٍ. وحكى الكسائي والفراء «يَكْلَوْكم» بفتحِ اللامِ وسكونِ الواو ولم أعرفْها قراءةً، وهو قريبٌ من لغةِ مَنْ يخفِّف «أكلَتْ الكلا على الكلَوْ» وقفاً إلاَّ أنه أجرى الوصل مُجْرَى الوقف.
161
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ :«أم» منقطعةٌ أي: بل ألهم آلهةٌ. وقد تقدم ما فيها. وقوله: ﴿مِّن دُونِنَا﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ ب «تَمْنَعُهم» قيل: والمعنى: ألهم آلهةٌ تجعلُهم في مَنْعَةٍ وعزٍّ. وإلى هذا ذهب الحوفي. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل «آلهة» أي: آلهةٌ من دونِنا تمنعُهم؛ ولذلك قال ابن عباس: «إنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً». وقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ مستأنفٌ فلا محلَّ له، ويجوز أن يكونَ صفةً ل «آلهة» وفيه بُعْدٌ من حيث المعنى.
قوله: ﴿وَلاَ يَسْمَعُ﴾ : قرأ ابنُ عامر هنا «ولا تُسْمِعُ» بضمِّ التاءِ للخطابِ وكسر الميم، «الصُّمَّ الدعاءَ» منصوبين. وقرأ ابنُ كثير
161
كذلك في النمل والروم. وقرأ باقي السبعةِ بفتح ياء الغَيْبة والميمِ، «الصُّمُّ» بالرفع، «الدعاءَ» بالنصب في جميع القرآن.
وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلاَّ أنه بياءِ الغَيْبة وروى عنه ابنُ خالويه «ولا يُسْمَعُ» بياءٍ الغيبة مبنياً للمفعول، «الصُّمُّ» رفعاً، «الدعاءَ» نصباً. ورُوي عن أبي عمرو بن العلاء «ولا يُسْمِعُ» بضمِّ الياءِ مِنْ تحتُ وكسرِ الميمِ «الصُّمَّ»، نصباً «الدعاءُ» رفعاً.
فأمَّا قراءةُ ابنِ عامر وانب كثير فالفاعل فيها ضميرُ المُخاطبِ وهو الرسولُ عليه السلام، فانتصب «الصُّمَّ» و «الدعاءَ» على المفعولين، وأَوَّلُهما هو الفاعلُ المعنوي. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فالفعلُ مسندٌ ل «الصُّمَّ» فانتصب الدعاء مفعولاً به/ وأمَّا قراءةُ الحسنِ الأولى فَأُسْند الفعلُ فيها إلى ضميرِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم. وهي كقراءةِ ابنِ عامر في المعنى. وأمَّا قراءتُه الثانيةُ فإنه أُسْنِدَ الفعلُ فيها إلى «الصُّمُّ» قائماً مقامَ الفاعلِ، فانتصب الثاني وهو «الدعاء».
وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فإنه أُسْند الفعلُ فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع، وحُذِف المفعولُ الثاني للعلمِ به. والتقديرُ: ولا يُسْمِعُ الدعاءُ الصمَّ
162
شيئاً البتة. ولمَّا وصل أبو البقاء هنا قال: «ولا يَسْمَعُ» فيه قراءاتٌ وجوهها ظاهرة «ولم يَذْكُرْها.
و [قوله] :»
إذا «في ناصِبه وجهان، أحدُهما: أنَّه» يَسْمَعُ «. الثاني: أنه» الدعاءُ «فأَعمل المصدرَ المعرَّفَ ب أل، وإذا أعملوه في المفعولِ الصريحِ ففي الظرفِ أحرى.
163
قوله: ﴿نَفْحَةٌ﴾ : قال الزمخشري: «في هذا ثلاثُ مبالغاتٍ: لفظُ المَسَّ وما النفحِ مِنْ معنى القلَّةِ والنَّزَارةِ. يقال: نَفَحَتْه الدابَّةُ: رَمَحَتْه رَمْحاً يسيراً. ونَفَحه بعَطيَّةٍ أي: بنائلٍ قليلٍ، ولبناء المَرَّةِ منه أي: بأدنى إصابة يخضعون. والنَّفْحُ: الخَطْرة. ونَفَحَ له من عطائِه: أي رَضَخَ له بشيءٍ. قال الشاعر:
٣٣٤٣ - إذا رَيْدَةٌ من حيث ما نَفَحَتْ له أتاه برَيَّاها خليلٌ يواصِلُهْ
و ﴿مِّنْ عَذَابِ﴾ صفةٌ ل»
نَفْحَة «.
قوله: ﴿القسط﴾ : في نصب «القِسْطَ» وجهان أحدهما: أنه نعتٌ للموازين، وعلى هذا: فلِمَ أُفْرِد؟ وعنه جوابان، أحدهما:
163
أنه في الأصلِ مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقاً. والثاني: أنَّه على حَذْفِ مضاف. الوجه الثاني: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلِ القسطِ. إلاَّ أنَّ في هذا نظراً من حيث إن المفعولَ له إذا كان معرَّفاً بأل يَقِلُّ تجرُّده من حرف العلة تقول: جئتُ للإِكرام، ويَقِلُّ: جئت الإِكرامَ، كقول الآخر:
٣٣٤٤ - لا أَقْعُدُ الجبنَ عن الهَيْجاءِ ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ
وقرىء «القِصْطَ» بالصاد لأجل الطاء، وقد تقدم.
قوله: ﴿لِيَوْمِ القيامة﴾ في هذه اللام أوجه، أحدها: قال الزمخشري: «مثلُها في قولك: جِئْتُ لخمسٍ خَلَوْنَ من الشهر، ومنه بيتُ النابغة.
٣٣٤٥ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها لستةِ أعوام وذا العامُ سابعُ
والثاني: أنها بمعنى في. وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالك. وهو رأيُ الكوفيين ومنه عندهم: ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكقول مسكين
164
الدارمي:
٣٣٤٦ - أولئك قومي قد مضَوْا لسبيلِهم كما قد مضى مِنْ قبلُ عادٌ وتُبَّعُ
وكقول الآخر:
٣٣٤٧ - وكلُّ أبٍ وابنٍ وإنْ عُمِّرا معاً مُقِيْمَيْنِ مفقودٌ لوقتٍ وفاقدُ
والثالث: أنَّها على بابِها مِنَ التعليل، ولكنْ على حَذْفِ مضاف.
أي: لحسابِ يومِ القيامة.
قوله: ﴿شَيْئاً﴾ يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، أي: شيئاً من الظلم.
قوله: ﴿مِثْقَال﴾ قرأ نافعٌ هنا وفي لقمان برفع» مِثْقال «على أنَّ» كان «تامة، أي: وإنْ وُجِد مثقال. والباقون بالنصب على أنَّها ناقصةٌ، واسمها مضمر أي: وإنْ [كان] العملُ. و ﴿مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ صفةٌ لحَبَّة.
وقرأ العامَّة»
أَتَيْنَا «من الإِتيان بقَصْرِ الهمزة أي: جِئْنا بها، وكذا قرأ ابن مسعود وهو تفسيرُ معنى لا تلاوة. وقرأ ابنُ عباس ومجاهدٌ وسعيد وابن أبي
165
إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمدٍ» آتَيْنا «بمدِّ الهمزة وفيها أوجهٌ، أحدُها: وهو الصحيحُ أنه فاعَلْنا من المؤاتاة وهي المجازاةُ والمكافَأَة. والمعنى: جازَيْنا بها، ولذلك تعدى بالباء. الثاني: أنها مُفاعَلَةٌ من الإِتيان بمعنى المجازاة والكافأةِ لأنهم أَتَوْه بالأعمال وأتاهم بالجزاءِ، قاله الزمخشري. الثالث: أنه أفْعَل من الإِيتاء. كذا توهَّمَ بعضُهم وهو غلطٌ. قال ابن عطية:» ولو كان آتَيْنا أعطينا لَما تعدَّى بحرفِ جرّ. ويُوْهِنُ هذه القراءةَ أنَّ بدلَ الواوِ المفتوحةِ همزةً ليس بمعروفٍ، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومةِ والمكسورة «يعني أنَّه كان مِنْ حَقِّ هذا القارىءِ أَنْ يَقْرَأَ» واتَيْنا «مثل واظَبْنا؛ لأنها من المُواتاةِ على الصحيح، فأبدل هذا القارِىءُ الواوَ المفتوحةًَ همزةَ. وهو قليلٌ ومنه أَخَذَ» واتاه «.
وقال أبو البقاء:»
ويُقرأ بالمدِّ بمعنى جازَيْنا بها، فهو يَقْرُبُ مِنْ معنى أَعْطَيْنا؛ لأنَّ الجزاءَ إعطاءٌ، وليس منقولاً مِنْ أَتَيْنا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم.
وقرأ حميد «أَثَبْنا» من الثواب. والضمير في «بها» عائد على المِثْقال، وأنَّث ضميرَه لإِضافتِه لمؤنث فهو كقوله:
166
في اكتسابِه بالإِضافةِ التأنيثَ.
167
قوله: ﴿وَضِيَآءً وَذِكْراً﴾ : يجوزُ أن يكونَ من باب عطفِ الصفاتِ، فالمرادُ به شيءٌ واحدٌ أي: آتَيْناه الجامعَ بين هذه الأشياءَ. وقيل: الواوُ زائدةٌ. قال أبو البقاء: «ف» ضياءً «حالٌ على هذا» /.
قوله: ﴿الذين يَخْشَوْنَ﴾ : في محلِّه ثلاثةُ الأوجهِ: وهي الجرُّ على النعتِ أو البدلُ أو البيانُ. والرفعُ والنصبُ على القطع.
قوله: ﴿رُشْدَهُ﴾ : مفعول ثان. وقرأ العامَّة «رُشْدَه» بضم الراء وسكونِ الشين. وعيسى الثقفي بفتحِهما. وقد تقدَّم الكلامُ عليهما.
قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ موسى وهارون. وهذا أحسنُ ما قُدِّر به المضافُ إليه. وقيل: من قبلِ بلوغِه أو نبوَّتِه. والضميرُ في «به» يعودُ على إبراهيم. وقيل: على «رُشْدَه».
قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ : يجوزُ أن يكونَ منصوباً ب «آتَيْنا» أو ب «رُشْدَه» أو بعالِمين أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يكونَ بدلاً من موضع قبلُ أي: إنه يَحُلُّ مَحَلَّه فيَصِحُّ المعنى، إذ يصير التقديرُ: ولقد آتَيْناه رُشْدَه إذ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقديرِ.
قوله: ﴿لَهَا﴾ قيل: اللامُ للعلةِ أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى على
167
أي: عاكفون عليها. وقيل: ضَمَّنَ «عاكفون» معنى عابِدين فلذلك أتى باللام. وقال أبو البقاء: وقيل: أفادت معنى الاختصاصِ. وقال الزمخشري: «لم يَنْوِ للعاكفين محذوفاً»، وأَجْراه مُجْرى ما لا يَتَعدَّى كقوله: فاعِلون العكوفَ «. قلت: الأَولى أن تكونَ اللامُ للتعليل، وصلةُ» عاكفون «محذوفة أي: عاكفون عليها لأجلها لا لشيءٍ آخرَ.
والتماثيل: جمع تِمْثال، وهو الصورةُ المصنوعةُ من رُخامٍ أو نحاسٍ أو خَشَبٍ، يُشَبَّه بخَلْقِ الآدميِّ وغيرِه من الحيوانات. قال امرؤ القيس:
٣٣٤٨ -............................. كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ
168
قوله: ﴿لَهَا عَابِدِينَ﴾ :«عابدين» مفعولٌ ثانٍ ل «وَجَدْنا» و «لها» لا تَعَلُّقَ له؛ لأنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به لتقدُّمه.
قوله: ﴿أَنتُمْ﴾ : تأكيدٌ للضميرِ المتصلِ. قال الزمخشري: «وأنتم من التأكيدِ الذي لا يَصِحُّ الكلامُ مع الإِخلالِ به؛ لأنَّ
168
العطفَ على ضميرٍ هو في حكمِ بعضِ الفعلِ ممتنعٌ. ونحوه ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥]. قال الشيخ:» وليس هذا حكماً مُجْمعاً عليه؛ فلا يَصِحُّ الكلامُ مع الإِخلالِ به؛ لأنَّ الكوفيين يُجيزون العطفَ على الضمير المتصلِ المرفوعِ من غير تأكيدٍ بالضمير المنفصل ولا فصلٍ. وتنظيرُ ذلك ب ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ مخالِفٌ لمذهبِه في ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ لأنَّ مذهبَه يزعم أنَّ «وزوجُك» ليس معطوفاً على الضمير المستكنِّ في «اسكُنْ»، بل مرفوعٌ بفعلٍ مضمر أي: وَلْتَسْكُنْ، فهو عنده من قبيل عطفِ الجمل، وقوله هذا مخالفٌ لمذهبِ سيبويه «.
قلت: لا يَلْزَمُ من ذلك أنه خالفَ مذهبَه، إذ يجوزُ أن يُنَظَّر بذلك عند مَنْ يعتقدُ ذلك، وإنْ لم يعتقدْه هو.
و ﴿فِي ضَلاَلٍ﴾ يجوز أَنْ يكونَ خبراً إنْ كانَتْ»
كان «ناقصةً، أو متعلقاً ب» كنتم «إن كانَتْ تامةً.
169
قوله: ﴿بالحق﴾ : متعلقٌ ب «جِئْتَ». وليس المرادُ به حقيقةَ المجيء؛ إذ لم يكنْ غائباً. و «أم أنت» «أم» متصلةٌ وإنْ كان بعدها جملةٌ لأنها في حكم المفردِ، إذ التقديرُ: أيُّ الأمرَيْن واقعٌ: مجيئُك بالحقِّ أم لَعِبُك؟
169
كقوله:
٣٣٤٩ - فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍ بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تمثالِ
٣٣٥٠ - ما أبالي أنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ أم جفاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ
وقوله:
٣٣٥١ - لَعَمْرُك ما أَدْرِي وإن كنتُ دارياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ بنُ مِنْقَرِ
يريد: أيُّ الأمرَيْنِ واقع؟ ولو كانَتْ منقطعةً لقُدِّرَتْ ب بل والهمزةِ، وليس ذلك مُراداً.
170
قوله: ﴿الذي فطَرَهُنَّ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعَ الموضعِ، أو منصوبَه على القطع. والضميرُ المنصوبُ في «فَطَرَهُنَّ» للسماواتِ والأرض. قال الشيخ: «ولَمَّا لم تكنْ السماواتُ والأرضُ تبلُغُ في العددِ الكَثيرِ منه جاء الضميرُ ضميرَ القلة». قلت: إنْ عنى لم يَبْلُغْ كلُّ واحدٍ من السماواتِ والأرض فمُسَلَّم، ولكنه غيرُ مرادٍ بل المرادُ المجموعُ. وإنْ عنى لم يبلُغْ المجموعُ منهما فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنه يبلغ أربعَ عشرةَ، وهو في حَدّ جمع الكثرةِ،
170
اللهم إلاَّ أَنْ نقولَ: إنَّ الأرضَ شخصٌ واحدٌ، وليسَتْ بسبعٍ كالسماءِ على ما رآه بعضُهم فَيَصِحُّ له ذلك ولكنه غيرُ مُعَوَّلٍ عليه.
وقيل: على التماثيل. قال الزمخشري: «وكونُه للتماثيل أثبتُ لتَضْليلِهم، وأدخلُ في الاحتجاجِ عليهم». وقال ابن عطية: فَطَرَهُنَّ عبارةٌ عنها كأنها تَعْقِلُ، وهذه من حيث لها طاعةٌ وانقيادٌ، وقد وُصِفَتْ في مواضعَ بوَصْفِ مَنْ يَعْقِلُ «. وقال غيرُه:» فَطَرَهُنَّ: أعادَ ضميرَ مَنْ يَعْقِلُ لَمَّا صَدَرَ منهنَّ من الأحوالِ التي تَدُلُّ على أنَّها من قبيل مَنْ يَعْقِلُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أخبر بقولِه: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقوله عليه السلام: «أطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أَنْ تَئِطَّ».
قلت: كأنَّ ابنَ عطيةَ وهذا القائلَ تَوَهَّما أن «هُنَّ»، من الضمائرِ المختصةِ بالمؤنثات العاقلاتِ، وليس كذلك بل هو لفظٌ/ مشتركٌ بين العلاقاتِ وغيرها. قال تعالى: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ﴾.
قوله: ﴿على ذلكم﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ، أو ب «الشاهدين» اتساعاً، أوعلى البيان. وقد تقدَّم نظيرُه نحو: ﴿لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١].
171
قوله: ﴿وتالله﴾ : قرأ العامَّة بالتاءِ مثنَّاةً من فوقُ. وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل بالباء موحدة. قال الزمخشري: «فإن قلتَ: ما الفرقُ بين الباءِ والتاءِ؟ قلت: الباءُ هي الأصلُ، والتاءُ بدلٌ من الواوِ المُبْدَلِ منها، وإنَّ التاءَ فيها زيادةٌ معنىً، وهو التعجبُ، كأنه تَعَجَّبَ من تسهيلِ الكيدِ على يدِه وتَأَتِّيه». أمَّا قولُه: «إن الباءَ هي الأصلُ» فيدلُّ على ذلك تَصَرُّفُها في الباب، بخلافِ الواوِ والتاءِ، وإن كان السهيليُّ قد رَدَّ كونَ الواوِ بدلاً منها.
وقال الشيخ: «النظرُ يقتضي أنَّ كلاً منها أصلٌ. وأمَّا قولُه» التعجبُ «فنصوصُ النَّحْويين أنه يجوزُ فيها التعجبُ وعدمُه، وإما يلزمُ ذلك مع اللامِ كقوله:
٣٣٥٢ - للهِ يَبْقى على الأيَّامِ ذو حِيَدٍ بمُشْمَخِرّ به الظَّيَّانُ والآوسُ
و»
بعدَ «منصوبٌ ب» لأَكِيْدَنَّ «. و» مُدْبرين «حالٌ مؤكّدةٌ، لأنَّ» تُوَلُّوا «
172
تُفْهِمُ معناها. وقرأ العامَّة» تُوَلُّوا «بضم التاءِ واللامِ مضارعَ» ولى «مشدداً. وقرأ عيسى بن عمر» تَوَلَّوا «بفتحِهما مضارعَ» تولى «والأصل» تَتَوَلَّوا «فحذف إحدى التاءين: إمَّا الأولى على رأي هشام، وإمَّا الثانية على رأي البصريين. ويَنْصُرُها قراءةُ الجميع ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ولم يقرأ أحدٌ» فَوَلَّوْا «وهي قياسُ قراءةِ الناس هنا. وعلى كلتا القراءتين فلامُ الكلمةِ محذوفٌ وهو الياءُ لأنه مِنْ وَلي.
ومتعلِّقُ هذا الفعلِ محذوفٌ تقديرُه: تُوَلُّو إلى عيدكم، ونحوُه.
173
قوله: ﴿جُذَاذاً﴾ : قرأ العامَّة «جُذاذاً» بضمِّ الجيم. والكسائيُّ بكسرِها، وابن عباس وأبو نهيك وأبو السَّمَّال بفتحِها. قال قطرب: هي في لغاتها كلِّها مصدرٌ فلا يثنَّى ولا يُجمع ولا يؤنَّثُ. والظاهرُ أن المضمومَ اسمٌ للشيءِ المكسَّرِ كالحُطام والرُّفات والفُتاتِ بمعنى الشيء المحطَّمِ والمفتَّتِ. وقال اليزيديُّ: «المضمومُ جمعُ جُذاذة بالضم نحو: زُجاج في زُجاجة، والمكسورُ جمع جَذيذ نحو: كِرام في كريم». وقال بعضُهم: المفتوحُ مصدرٌ بمعنى المفعولِ أي: مَجْذوذين. ويجوز على هذا أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: ذوات جُذاذ. وقيل: المضمومُ جمع جُذاذَة بالضمِّ، والمسكورُ جمع جِذاذَة بالكسر، والمفتوح مصدرٌ.
وقرأ ابن وثاب «جُذُذاً» بضمَّتين دونَ إلفٍ بين الذَّالَيْن، وهو جمع جَذِيذ كقَليب وقُلُب. وقُرِىء بضمِّ الجيمِ وفتحِ الذال. وفيها وجهان، أحدهما:
173
أن يكونَ أصلٌُها ضمتين، وإنما خُفِّف بإبدال الضمةِ فتحةً نحو: سُرَر وذُلَل في جمع سَرير وذَليل، وهي لغةٌ لبني كَلْب. والثاني: أنه جمع جُذَّة نحو: فُتَت في فُتَّة، ودُرَر في دُرَّة.
والجَذُّ: القطعُ والتكسير، وعليه قوله:
٣٣٥٣ - بنو المهلبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ أَمْسَوْا رَماداً فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ
وقد تقدَّم هذا مستوفىً في هود.
وأتى ب «هم» وهو ضميرُ العقلاءِ معاملةً للأصنام معاملةً العقلاءِ، حيث اعتقدوا فيها ذلك.
قوله: ﴿إِلاَّ كَبِيراً﴾ استثناءٌ من المنصوب في «فَجَعَلهم»، أي: لم يكسِرْه بل تركه. و «لهم» صفةٌ له، والضمير يجوز أن يعود على الأصنام. وتأويلُ عودِ ضميرِ العقلاءِ عليها تقدَّم. ويجوز أن يكون عائداً على عابديها. والضميرُ في «إليه» يجوز أن يعود إلى إبراهيم أي: يَرْجِعون إلى مقالتِه حين يظهر لهم الحقُّ، ويجوز أَنْ يكونَ عائداً على الكبير، وبكلٍ قِيل.
174
قوله: ﴿مَن فَعَلَ﴾ : يجوز في «مَنْ» أن تكونَ استفهاميةً. وهو الظاهر. فعلى هذا تكونُ الجملةُ مِنْ قولِه «إنَّه لمِن الظالمين» استئنافاً لا محلَّ لها من الإِعراب، ويجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي، وعلى هذا فالجملةُ من «إنَّه» في محلِّ رفع خبراً للموصولِ. والتقديرُ: الذي فَعَلَ هذا بآلهتنا إنه.
قوله: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ : في هذه الجملةِ [وجوهٌ] أحدُها: أنَّ «سمع» هنا تتعدَّى لاثنين لأنها متعلقةٌ بعين، فيكونُ «فتىً» مفعولاً أول، و «يَذْكُرُهم» هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ/ مفعولاً ثانياً، ألا ترى أنَّك لو قلتَ: «سمعتُ زيداً» وسكتَّ لم يكن كلاماً بخلافِ سمعت قراءتَه وحديثَه. والثاني: أنَّها في محلِّ نصب أيضاً صفةً لإِبراهيم، قال الزمخشري: «فإن قلتَ: ما حكمُ الفعلَيْن بعد» سمعنا «وما الفرقُ بينهما؟ قلت: هما صفتان ل» فَتَىً «؛ إلاَّ أنَّ الأولَ وهو» يَذْكُرهم «لا بُدَّ منه ل» سَمِعَ «؛ لأنك لا تقول: سمعت زيداً، وتسكتُ، حتى تذكرَ شيئاً ممَّا يُسْمع، وأمَّا الثاني فليس كذلك».
قلت: هذا الذي قاله لا يتعيَّنُ؛ لِما عَرَفْتَ أنَّ «سَمِعَ» إنْ تعلَّقَتْ بما يُسْمع نحو «سمعت مقالةَ بكرٍ» فلا خلاف أنها تتعدَّى لواحدٍ، وإن تَعَلَّقَتْ بما لا يُسْمَع فلا يُكتْفى به أيضاً بلا خلافٍ؛ بل لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شيءٍ يُسْمَعُ فلو قلت: «سمعتُ زيداً» وسَكَتَّ، أو «سمعتُ زيداً يركبُ» لم يَجُزْ. فإنْ قلتَ: سمعتُه يَقْرأ صَحَّ. وجرى في ذلك خلافٌ بين النحاةِ، فأبوا علي يجعلُها متعديةً لاثنين ولا يتمشى عليه قولُ الزمخشري، وغيرُه يَجْعلها متعديةً لواحد، ويجعلُ الجملةَ بعد المعرفةِ حالاً، وبعد النكرةِ صفةً، وهذا أراد الزمخشري.
قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ في رفع «ابراهيمُ» أوجهٌ أحدُها: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه أي: قال له هذا اللفظَ، ولذلك قال أبو البقاء: «فالمرادُ الاسمُ لا المُسَمَّى» وفي هذه المسألةِ خلافٌ بين النحويين: أعني تَسَلُّطَ القولِ على المفردِ الذي لا يؤدي معنى جملة، ولا هو مقتطعٌ من جملة، ولا هو مصدرٌ ل «قال»، ولا هو صفةٌ لمصدرِه نحو: قلتُ زيداً، أي: قلت هذا اللفظ،
175
فاختاره جماعة كالزجاجيِّ والزمخشريِّ وابنِ خروف وابنِ مالك، ومنعه آخرون. وممَّن اختارَ رفعَ «إبراهيمُ» على ما ذكرْتُ الزمخشري وابنُ عطية. أمَّا إذا كان المفردُ مؤدياً معنى جملةٍ كقولهم: قلتُ خطبةً وشعراً وقصيدةً، أو اقْتُطِع من جملة كقوله:
٣٣٥٤ - إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامَةٍ مُعَتَّقَةٍ ممَّا يجيءُ به التُّجُرْ
أو كان مصدراً نحو: قلتُ قولاً، أو صفةً له نحو: قلتُ حقاً أو باطلاً، فإنَّه يَتَسَلَّطُ عليه. كذا قالوا: وفي قولهم «المفردُ المقتطعُ من الجملة» نظرٌ لأن هذا لم يَتَسَلَّطْ عليه القولُ، إنما يتسلَّطُ على الجملةِ المشتملةِ عليه.
الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: يقال له: هذا إبراهيمُ، أو هو إبراهيمُ. الثالث: أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر أي: يقال له: إبراهيمُ فاعلٌ ذلك. الرابع: أنّه منادى وحرف النداءِ محذوفٌ أي: يا إبراهيمُ، وعلى الأوجه الثلاثةِ فهو مقتطعٌ من جملةٍ، وتلك الجملةُ مَحْكِيَّةٌ بيُقال. وقد تقدَّم تقريرُ هذا في البقرة عندَ ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الآية: ٥٨] رفعاً ونصباً. وفي الأعرافِ عند قولِه ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً﴾ [الآية: ١٦٤] رفعاً ونصباً.
والجملةُ من «يُقال له» يُحتمل أَنْ تكونَ مفعولاً آخرَ نحو قولك: «ظننتُ
176
زيداً كاتباً شاعراً» وأن تكونَ صفةً على رأيِ الزمخشريِّ ومَنْ تابعه، وأَنْ تكونَ حالاً مِنْ «فتى». وجاز ذلك لتخصُّصِها بالوصف.
177
قوله: ﴿على أَعْيُنِ﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحال من الهاء في «به» أي: ائتُوا به ظاهراً مكشوفاً بمَرْأَىً منهم ومَنْظَرٍ. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى الاستعلاء في» على «؟ قلت: هو واردٌ على طريقِ المثلِ أي: يَثْبُتُ إتيانُه في الأعين ويتمكَّنُ ثباتَ الراكبِ على المركوبِ وتمكُّنه منه».
قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾ : في «أنت» وجهان، أحدهما: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّرُه الظاهرُ بعدَه. والتقدير: أفعلتَ هذا بآلهتِنا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصَلَ الضميرُ. والثاني: أنه مبتدأٌ، والخبرُ بعده الجملةُ. والفرقُ بين الوجهين من حيثُ اللفظُ واضحٌ: فإنَّ الجملةَ مِنْ قولِه «فَعَلْتَ» الملفوظِ بها على الأولِ لا محلَّ لها لأنها مُفَسّرةٌ، ومحلُّها الرفعُ على الثاني، ومن حيث المعنى: إن الاستفهامَ إذا دَخَلَ على الفعلِ أَشْعَرَ بأن الشَّكَّ إنما تعلَّق به: هل وقع أم لا؟ من غيرِ شكٍ في فاعلِه. وإذا دخل على الاسم وقع الشكُّ فيه: هل هو الفاعلُ أم غيرُه، والفعل غيرُ مشكوكٍ في وقوعه، بل هو واقعٌ فقط. فإذا قلت: «أقام زيدٌ» ؟ كان شكُّك في قيامِه. وإذا قلتَ: «أزيدٌ قام» وجعلتَه مبتدأً كان شُكَّكَ في صدورِ الفعل منه أم من عمرٍو. والوجه الأولُ هو المختارُ عند النحاةِ لأنَّ الفعلَ تقدَّم ما يطلبُه وهو أداةُ الاستفهام.
قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ : هذا الإِضرابُ عن جملةٍ محذوفةٍ تقديرُه: لم أفعَلْه، إنما الفاعلُ حقيقةً اللهُ تعالى، بل فعله. وإسنادُ الفعلِ إلى «كبيرهم» مِنْ أبلغِ/ المعاريض.
177
قوله: ﴿هذا﴾ فيه ستةٌ أوجه، أحدُها: أن يكونَ نعتاً ل «كبيرُهم»، الثاني: أن يكونَ بدلاً من «كبيرُهم». الثالث: أن يكونَ خبراً ل «كبيرهم» على أنَّ الكلامَ يَتِمُّ عند قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، وفاعل الفعلِ محذوفٌ، كذا نقله أبو البقاء، وقال: «وهذا بعيدٌ لأنَّ حَذْفَ الفاعلِ لا يَسُوغ»، قلت: وهذا القولُ يعزى للكسائي، وحينئذٍ لا يَحْسُن الردُّ عليه بحذفِ الفاعلِ فإنه يُجيز ذلك ويلتزمُه، ويجعلُ التقديرَ: بل فعله مَنْ فعله. ويجوزُ أَنْ يكونَ أراد بالحذفِ الإِضمارَ لأنه لَمَّا لم يُذكر الفاعلُ لفظاً سُمِّي ذلك حَذْفاً.
الرابع: أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ «فتى». الخامس: أن يكون الفاعلُ ضميرَ «إبراهيمُ». وهذان الوجهان يؤيِّدان ما ذكَرْتُ من أنه قد يكون مرادُ القائلِ بحذفِ الفاعل إنما هو الإِضمارُ. السادس: أنَّ «فَعَلَه» ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلَتْ على «عَلَّ» التي أصلها «لعلَّ» حرفَ تَرَجّ. وحَذْفُ اللامِ الأولى ثابتٌ، فصار اللفظُ فَعَلَّه أي فَلَعَلَّه، ثم حُذفت اللامُ الأولى وخُفِّفت الثانيةُ. وهذا يُعْزَى للفراء. وهو قولٌ مرغوبٌ عنه وقد اسْتَدَلَّ على مذهبِه بقراءةِ ابنِ السَّمَيْفَع «فَعَلَّه» بتشديدِ اللام وهذه شاذَّةٌ، لا يُرْجَعُ بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حَمَلَهم على هذا خفاءُ وجهِ صدورِ هذا الكلامِ من النبيِّ عليه السلام.
178
قوله: ﴿إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ لدلالة ما قبلَه. ومَنْ يجوِّزْ التقديمَ يجعلْ «فسألوهم» هو الجوابَ.
179
قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ : قرأ العامَّةُ «نُكِسُوا» مبنياً للمفعول مخففةَ الكاف أي: نَكَسَهم اللهُ أو خَجَّلهم. و ﴿على رُءُوسِهِمْ﴾ حالٌ أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلَّق بنفسِ الفعل.
والنَّكْسُ والتَّنْكيسُ: القَلْبُ يقال: نَكَس رأسَه ونَكَّسه مخففاً ومشدداً أي: طَأطأه حتى صار أعلاه أسفله. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود وابن مقسم «نُكِّسوا» بالتشديد. وقد تقدَّم أنه لغةٌ في المخفف، فليس التشديدُ لتعديةٍ ولا تكثيرٍ. وقرأ رضوان بن عبد المعبود «نَكَسُوا» مخففاً مبنياً للفاعل، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: نَكَسوا أنفسَهم على رؤوسهم.
قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ هذه الجملةُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، والقسمُ وجوابُه معمولان لقولٍ مضمرٍ، وذلك القولُ المضمرُ حالٌ من مرفوع «نُكِسُوا» أي: نُكِسُوا قائلين واللهِ لقد علمتَ.
قوله: ﴿مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ يجوز أَنْ تكونَ «ما» هذه حجازيةً فيكونَ «هؤلاء» اسمَها و «يَنْطِقون» في محلِّ نصب خبرَها، أو تميميةً فلا عملَ لها. والجملةُ المنفيةُ بأَسْرِها سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْنِ، إن كانت «عَلِمْتَ» على بابِها، ومَسَدَّ واحدٍ إن كانَتْ عِرْفانية.
وقد تقدَّم الكلامُ على «أف» في سبحان ولغاتها. واللام في «لكم» وفي «لِما» لامُ التبيينِ أي: التأفيفُ لكم لا لغيرِكم وهي نظيرةُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣].
قوله: ﴿بَرْداً﴾ : أي: ذاتَ بَرْد. والظاهر في «سلاماً» أنه نَسَقٌ على «بَرْدا» فيكونُ خبراً عن «كُوني». وجَوَّز بعضُهم أن ينتصِبَ على المصدرِ المقصودِ به التحيةُ في العُرْفِ. وقد رُدَّ هذا بأنَّه لو قُصِد ذلك لكان الرفعُ فيه أولى نحو قولِ إبراهيم: ﴿سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩]. وهذا غيرُ لازمٍ؛ لأنه يجوزُ أَنْ يأتيَ القرآنُ على الفصيحِ والأفصحِ. ويَدُلُّ على ذلك أنه جاء منصوباً، والمقصودُ به التحيةُ نحو قول الملائكة: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ [هود: ٦٩].
وقوله: ﴿على إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلق بنفس «سلام» إنْ قُصِد به التحيةُ. ويجوزُ أن يكونَ صفةً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. وعلى هذا فيُحْتمل أَنْ يكونَ قد حَذَف صفةً الأول لدلالةِ صفةِ الثاني عليه تقديرُه: كوني بَرْداً عليه وسلاماً عليه.
قوله: ﴿وَلُوطاً﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعولِ قبلَه، والثاني: أن يكونَ مفعولاً معه. والأولُ أَوْلى. وقوله: ﴿إِلَى الأرض﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يتعلَّق بِنَجَّيْناه على أن يُضَمَّنَ معنى أخرَجناه بالنجاة. فلمَّا ضُمِّنَ معنى أخرج تعدَّى تعديتَه. والثاني: أنه لا تضمينَ فيه، وأنَّ حرفَ الجرِّ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنه/ حالٌ من الضمير في «نَجَّيْناه» أي: نَجَّيْناه مُنْتَهياً إلى الأرض. كذا قدَّره الشيخ. وفيه
180
نظرٌ: من حيث إنه قَدَّر كوناً مقيَّداً، وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيرِه ذلك.
181
قوله: ﴿نَافِلَةً﴾ : قيل في تفسير النافِلة: إنها العَطِيَّةُ. وقيل: الزيادةُ. وقيل: وَلَدُ الولد. فعلى الأول تنتصِبُ انتصابَ المصادر من معنى العامل وهو «وهبنا»، لا من لفظِه؛ لأنَّ الهِبَةَ والإِعطاءَ متقاربان فهي كالعاقبةِ والعافية. وعلى الأخيرين تنتصِبُ على الحالِ، والمرادُ بها يعقوب. والنافِلَةُ مختصةٌ ب يعقوب على كلِّ تقديرٍ؛ لأن إسحاقَ ولدُه لصُلْبه.
قوله: ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعولٌ أولُ ل «جَعَلْنا» و «صالحين» هو الثاني، توسَّط العاملُ بينهما. والأصل: وجَعَلْنا أي: صيَّرْنا كُلاًّ من إبراهيم ومَنْ ذُكر معه صالِحِين.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ : كما تقدَّم إلاَّ أنه لم يُوَسَّطِ العاملُ. و «يَهْدون» صفةٌ ل «أئمة». و «بأَمْرِنا» متعلق ب «يَهْدُون». وقد تقدَّم التصريفُ المتعلِّق بلفظ أئمة وقراءةُ القراءِ فيها.
قوله: ﴿فِعْلَ الخيرات﴾ قال الزمخشري: «أصلُه أن تُفْعَلَ الخيراتُ، ثم فِعْلاً الخيراتِ، ثم فِعْلَ الخيراتِ، وكذلك» وإقامَ الصلاة وإيتاءَ الزكاةِ «. قال الشيخ:» كأنَّ الزمخشريَّ لمَّا رأى أَنَّ فِعْلَ الخيراتِ وإقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ ليس من الأحكامِ المختصةِ بالموحى إليهم، بل هم وغيرُهم في ذلك مشتركون بُني الفعلُ للمفعولِ، حتى لا يكونَ المصدرُ مضافاً من حيث المعنى
181
إلى ضميرِ المُوْحَى إليهم، فلا يكونُ التقدير: فِعْلَهم الخيراتِ، وإقامتَهم الصلاةَ، وإيتاءَهم الزكاةَ. ولا يلزَمُ ذلك؛ إذ الفاعلُ مع المصدرِ محذوفٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ من حيث المعنى مضافاً إلى ظاهرٍ محذوفٍ، ويشملُ الموحى إليهم وغيرَهم. والتقديرُ: فِعْلَ المكلَّفين الخيراتِ. ويجوز أن يكونَ مضافاً إلى ضمير الموحى إليه أي: [أن] يفعلوا الخيراتِ، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ، وإذا كانوا هم قد أُوْحي إليهم ذلك فأتباعُهم جارُوْن مَجْراهم في ذلك، ولا يَلْزَمُ اختصاصُهم به. ثم اعتقادُ بناءِ المصدرِ للمفعولِ مختلَفٌ فيه. أجاز ذلك الأخفشُ. والصحيحُ مَنْعُه فليس ما اختاره الزمخشريُّ بمختارٍ «.
قلت: الذي يَظْهر أنَّ الزمخشريَّ لم يُقَدِّرْ هذا التقديرَ، لِما ذكره الشيخ، حتى يُلْزِمَه ما قاله، بل إنما قَدَّر ذلك لأنَّ نفسَ الفعلِ الذي هو معنى صادرٌ مِنْ فاعلِه لا بوَحْيٍ، إنما بوحيَ ألفاظٍ تَدُلُّ عليه، وكأنه قيل: وأَوْحَيْنا هذا اللفظ، وهو أن تُفْعَلَ الخيراتُ، ثم صاغ ذلك الحرفَ المصدريَّ مع ما بعده مصدراً منوَّناً ناصباً لِما بعده، ثم جَعَلَه مصدراً مضافاً لمفعولِه.
وقال ابن عطية:»
والإِقام مصدرٌ. وفي هذا نظر «. انتهى. يعني ابن عطية بالنظر أنَّ مصدرَ أَفْعَل على الإِفعال. فإن كان صحيحَ العينِ جاء تامَّاً كالإِكرام، وإنْ كان معتلَّها حُذِف منه إحدى الألفين، وعُوِّض منه تاءُ التأنيث فيقال إقامة. فلمَّا لم يُقَلْ كذلك جاء فيه النظر المذكور. قال الشيخ:»
182
وأيُّ نظرٍ في هذا؟ وقد نَصَّ سيبويه على أنَّه مصدرٌ بمعنى الإِقامة وإنْ كان الأكثرُ الإِقامةَ بالتاء، وهو المقيسُ في مصدر أفْعَل إذا اعتلَّتْ عينُه. وحَسَّن ذلك أنه قابَلَ ﴿وَإِيتَآءَ الزكاة﴾ وهو بغير تاءٍ، فتقع الموازنةُ بين قولِه ﴿وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾.
وقال الزجاج: «حُذِفَتِ التاءُ مِنْ إقامة لأنَّ الإِضافةَ عوضٌ عنها» وهذا قولُ الفراءِ: زعم أنَّ التاءَ تُحْذَفُ للإِضافةِ كالتنوين. وقد تقدم بَسْطُ القولِ في ذلك عند قراءةِ مَنْ قرأ في براءة ﴿عُدَّةً ولكن كَرِهَ﴾ [التوبة: ٤٦].
183
قوله: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ﴾ :«لُوْطاً» منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يُفَسِّره الظاهرُ بعدَه، تقديره: وآتَيْنا لوطاً آتَيْناه، فهي من الاشتغالِ. والنصبُ في مثلِه هو الراجحُ؛ ولذلك لم يُقرَأْ إلاَّ به لعَطْفِ جملتِه على جملةٍ فعليةٍ، وهو أحدُ المُرَجِّحات.
قوله: ﴿مِنَ القرية﴾ أي: من أهلِ. يدلُّ على ذلك قولُه بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ﴾، وكذلك إسنادُ عملِ الخبائثِ أليها، والمرادُ أهلُها. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا. والخبائثُ: / صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: تعملُ الأعمالَ الخبائثَ.
قوله: ﴿وَنُوحاً﴾ : فيه وجهان: أحدُهما: أنَّه منصوبٌ عَطْفاً على «لُوْطاً» فيكونُ مشتَرِكاً معه في عامِلِه الذي هو «آتَيْنا» المفسَّرِ
183
ب «آتيناه» الظاهرِ. وكذلك ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الآية: ٧٨] والتقدير: ونوحاً آتيناه حُكْماً، وداودَ وسليمان آتيناهما حكماً. وعلى هذا ف «إذ» بدلٌ مِنْ «نوحاً» ومِنْ «داود وسليمان» بدلُ اشتمالٍ. وقد تقدَّم تحقيقُ مثلِ هذا في طه.
الثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارِ «اذكُرْ» أي: اذكر نوحاً وداودَ وسليمانَ أي: اذْكُرْ خبَرهم وقصتَهم، وعلى هذا فتكونُ «إذ» منصوبةً بنفسِ المضافِ المقَّدرِ أي: خبرَهم الواقعَ في وقتٍ كان كيتَ وكيتَ.
وقوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: مِنْ قبلِ هؤلاءِ المذكورين.
184
قوله: ﴿مِنَ القوم﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أن يُضَمَّن «نَصَرْناه» معنى منَعْناه وعَصَمْناه. ومثلُه ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] فلمَّا ضُمِّنَ معناه تَعَدَّى تعَديتَه. الثاني: أنَّ نَصَر مطاوِعُهُ انتصر، فتعدى تعديةً ما طاوعه. قال الزمخشري: «وهو نَصَر الذي مطاوِعُه انتصر. وسمعتُ هُذَِليَّاً يدعو على سارِقٍ» اللهم انْصُرْهم منه «أي: اجْعَلْهم منتصِرين منه». ولم يظهر فرقٌ بالنسبةِ إلى التضمين المذكور؛ فإنَّ معنى قولِه «منتصرين منه» أي: ممتنعين أو مَعْصُوْمين منه.
الثالث: أن «مِنْ» بمعنى على أي: على القوم.
قوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ : في الضميرِ المضافِ إليه «حكمَ» أوجهٌ. أحدُها أنه ضميرٌ يُرادُ به المثنى، وإنَّما وقع الجمعُ موقعَ التثنيةِ مجازاً، أو لأنَّ التثنيةَ جمعٌ، وأقلُّ الجمعِ اثنان. ويدل على أنَّ المرادَ التثنيةُ قراءةُ
184
ابن عباس «لحُكْمِهما» بصيغةِ التثنيةِ. الثاني: أنَّ المصدرَ مضافٌ للحاكِمِيْن وهما داودُ وسليمانُ والمحكوم له والمحكوم، وعليه فهؤلاء جماعةٌ. وهذا يلزَمُ منه إضافةُ المصدرِ لفاعلِه ومفعولِه دُفْعَةً واحدةً، وهو إنما يُضافُ لأحدِهما فقط. وفيه الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ، فإنَّ الحقيقةَ إضافةُ المصدرِ لفاعِله، والمجازَ إضافتُه لمفعولِه، والثالث: أن هذا مصدرٌ لا يُرادُ به الدلالةُ على عِلاجٍ، بل جِيْءَ به للدلالةِ على أنَّ هذا الحدثَ وقع وصدَر كقولِهم: له ذكاءٌ ذكاءَ الحكماءِ وفَهْمٌ فهمَ الأذكياء، فلا يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ، وإذا كان كذلك فهو مضافٌ في المعنى للحاكمِ والمحكومِ له والمحكومِ عليه. ويَنْدَفع المحذوران المذكوران.
185
وقرأ العامَّةُ «فَفَهَّمْناها» بالتضعيفِ الذي للتعدية، والضميرُ للمسألةِ أو للفُتْيا. وقرأ عكرمةُ «فَأَفْهَمْناها» بالهمزةِ عَدَّاه بالهمزةِ، كما عَدَّاه العامَّةُ بالتضعيف.
قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال. و «الطيرَ» يجوز أن ينتصبَ نَسَقاً على الجبالِ، وأن ينتصِبَ على المفعولِ معه. وقيل: «يُسَبِّحْن» مستأنفٌ فلا محلَّ له. وهو بعيدٌ، وقُرِىء «والطيرُ» رفعاً، وفيه وجهان. أحدهما: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: والطيرُ مُسَخَّراتٌ أيضاً. والثاني: أنه نَسَقٌ على الضمير في «يُسَبِّحْن» ولم يؤكَّدْ ولم يُفْصَلْ، وهو موافق لمذهب الكوفيين.
185
والنَّفْشُ: الانتشارُ، ومنه ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ونَفَشَتِ الماشيةُ: أي: رَعَتْ ليلاً بغير راعٍ عكسَ الهَمَلِ وهو رَعْيُها نهاراً مِنْ غيرِ راعٍ.
186
قوله: ﴿لَبُوسٍ﴾ : الجمهورُ على فتح اللام، وهو الشيءُ المُعَدُّ لِلُّبْس. قال الشاعر:
٣٣٥٥ - البَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوْسَها إمَّا نَعيمَها وإمَّا بُوْسَها
وقُرِىء «لُبُوْس» بضمِّها، وحينئذٍ: إمَّا أَنْ يكونَ جمعَ لُبْسِ المصدرِ الواقعِ موقعَ المفعول، وإمَّا أَنْ لا يكونَ واقعاً موقعَه، والأولُ أقربُ. و «لكم» يجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بعَلَّمْناه، وأَنْ يتعلَّقَ بصَنْعَة. قاله أبو البقاء. وفيه بُعْد، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لِلَبوس.
قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ هذه لامُ كي. وفي متعلِّقها أوجهٌ، أحدها: أن يتعلَّقَ بَعَلَّمْناه. وهذا ظاهرٌ على القولين الأخيرين. وأمَّا على القولِ الثالثِ فيُشْكِلُ. وذلك أنه يلزمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جر متحدَيْن لفظاً ومعنىً. ويُجاب عنه: بأَنْ يُجْعَلَ بدلاً من «لكم» بإعادةِ العاملِ، كقوله تعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] / وهو بدلُ اشتمالٍ وذلك أنَّ «أنْ» الناصبةَ للفعلِ المقدرِ مؤولةٌ هي
186
ومنصوبُها بمصدرٍ. وذلك المصدرُ بدلٌ من ضميرِ الخطابِ في «لكم» بدلُ اشتمالٍ، والتقدير: وعَلَّمْناه صنعةَ لَبوسٍ لتحصينِكم.
الثاني: أَنْ يتعلَّقَ ب «صَنْعَةَ» على معنى أنه بدلٌ من «لكم» كما تقدَّم تقريرُه، وذلك على رأي أبي البقاء فإنه عَلَّق «لكم» ب «صَنْعَةَ». والثالث: أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به «لكم» إذا جَعَلْناه صفةً لِما قبله.
وقرأ الحَرَمِيَّان والأخَوان وأبو عمرو «ليُحْصِنَكم» بالياء من تحتُ. والفاعلُ اللهُ تعالى وفيه التفاتٌ على هذا الوجهِ إذ تَقَدَّمَه ضميرُ المتكلم في قولِه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾ أو داودُ أو التعليمُ أو اللَّبوس. وقرأ حفصٌ وابن ُ عامر بالتاء من فوقُ. والفاعل الصَّنْعَةُ أو الدِّرْعُ وهي مؤنثةٌ، أو اللَّبوس؛ لأنها يُراد بها ما يُلْبَسُ، وهو الدِّرْعُ، والدِّرْعُ مؤنثة كما تقدم. وقرأ أبو بكر «لِنُحْصِنَكم» «بالنونِ جرياً على» عَلَّمْناه «وعلى هذه القراءاتِ الثلاثِ: الحاءُ ساكنةٌ والصادُ مخففةٌ.
وقرأ الأعمش»
لتُحَصِّنَكم «وكذا الفقيمي عن أبي عمروٍ بفتحِ الحاءِ وتشديد الصادِ على التكثير. إلاَّ أنَّ الأعمشَ بالتاءِ من فوقُ، وأبو عمروٍ بالياء من تحتُ. وقد تقدَّم ما هو الفاعلُ.
187
قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح﴾ : العامَّةُ على النصب أي: وسَخَّرْنا الريحَ لسليمانَ، فهي منصوبةٌ بعاملٍ مقدرٍ. وقرأ ابنُ هرمزٍ،
187
وأبو بكر عن عاصم في روايةٍ، بالرفع على الابتداءِ، والخبرُ الجارُّ قبلَه. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمعِ والنصبِ. وأبو حيوةَ بالجمعِ والرفعِ. وقد تقدَّم الكلامُ على الجمع والإِفرادِ في البقرة، وبعضُ هؤلاء قرأ كذلك في سبأ. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ حالٌ. والعاملُ فيها على قراءةِ مَنْ نصب: سَخَّرْنا المقدَّر، وفي قراءةِ مَنْ رَفَع: الاستقرارُ الذي تعلَّقَ به الخبرُ. يُقال: عَصَفَتِ الريحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً فيه عاصِفٌ وعاصفةٌ. وأسدٌ تقولُ: أَعْصَفَتْ بالألفِ تُعْصِفُ، فهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ.
و «تَجْري» يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثانيةً، وأَنْ تكونَ حالاً من الضميرِ في «عاصفةً» فتكونُ حالَيْنِ متداخلين. وزعم بعضُهم أنَّ ﴿التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ صفةٌ للريح، وفي الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقدير: الريحَ التي بارَكْنا فيها إلى الأرضِ، وهو تَعَسُّفٌ.
188
قوله: ﴿مَن يَغُوصُونَ﴾ : يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً. وعلى كلا التقديرين فموضعُها: إمَّا نَصْبٌ نَسَقاً على «الريح» أي: وسَخَّرْنا له مَنْ يَغُوْصُون، أو رفعٌ على الابتداءِ. والخبرُ في الجارِّ قبلَه. وجُمِع الضميرُ حَمْلاً على معنى «مَنْ». وحَسَّنَ ذلك تقدُّمُ الجمعِ في قولِه ﴿الشياطين﴾، فلمَّا تَرَشَّح جانبُ المعنى رُوْعِي. ونظيرُه قولُه:
188
٣٣٥٦ - وإنَّ مِن النَّسْوان مَنْ هي روضةٌ تَهِيْجُ الرياضُ قبلَها وتَصُوْحُ
راعى التأنيثَ لتقدُّمِ قولِه «وإنَّ مِن النِّسْوانِ».
و ﴿دُونَ ذلك﴾ صفةٌ ل «عَمَلاً».
189
قوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ : كقولِه: ﴿وَنُوحاً﴾ [الآية: ٧٦] وما بعده. وقرأ العامَّةُ «أني» لتسليطِ النداءِ عليها بإضمار حرفِ الجرِّ أي: بأنِّي. وعيسى بن عمر بكسرٍ. فمذهبُ البصريين إضمارُ القولِ أي: نادى فقال: إني. ومذهبُ الكوفيين إجراءُ النداءِ مجرى القولِ.
والضُّرُّ بالضمِّ: المَرَضُ في البدنِ، وبالفتح: الضررُ في كلِّ شيءٍ فهو أعمُّ من الأول.
قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ : فيها وجهان، أظهرهما: أنها مفعولٌ من أجلِه. والثاني: أنها مصدرٌ لفعلٍ مقدرٍ أي: رَحِمْناه رحمةً. و ﴿مِّنْ عِندِنَا﴾ صفةٌ ل «رحمةً».
قوله: ﴿وَذَا الكفل﴾ : و ﴿وَذَا النون﴾ [الآية: ٨٧] عطفٌ على «أيوبَ»، و «ذا» بمعنى صاحب. والكِفْلُ هنا: الكَفالة يقال: إنه تكفَّلَ بأمورٍ فوفى بها.
﴿وَذَا النون﴾ : الحُوْتُ، ويُجمع على نِيْنان، كحُوْت وحِيْتان. وسُمِّي بذلك، لأنَّ النونَ ابتلعه.
قوله: ﴿مُغَاضِباً﴾ حالٌ مِنْ فاعِل «ذهب». والمفاعلةُ هنا تحتملُ أَنْ تكونَ على بابِها من المشاركةِ. أي: غاضَبَ قومه وغاضَبوه، حين لم يُؤْمِنُوا في أول الأمر. وفي بعض التفاسير: مُغاضباً لربِّه. فإنْ صَحَّ ذلك عَمَّن يُعتبر قولُه، فينبغي أَنْ تكونَ اللامُ للتعليلِ لا للتعديةِ للمفعول أي: لأجلِ ربِّه ولدينِه. ويُحتمل أَنْ تكونَ بمعنى: غضبانَ فلا مشاركةَ كعاقَبْتُ وسافَرْتُ.
والعامَّة على «مُغاضِباً» اسمَ فاعلٍ. وقرأ أبو شرف «مغاضَباً» بفتح الضادِ على ما لم يُسََمَّ فاعلُه. كذا نقله الشيخ، ونقله الزمخشري عن أبي شرف «مُغْضَباً» دون ألفٍ مِنْ أَغْضَبْتَه فهو مُغْضَب.
قوله: ﴿أَن لَّن﴾ «أَنْ» هذه المخففةُ، واسمُها ضمير الشأنِ محذوفٌ. و ﴿لَّن نَّقْدِرَ﴾ هو الخبرُ. والفاصلُ/ حرفُ النفي المعنى: أَنْ لَنْ نُضَيِّق عليه، من باب قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].
والعامَّةُ على «نَقْدِرَ» بنون العظمة مفتوحةً وتخفيفِ الدالِ. والمفعولُ محذوفٌ أي: الجهات والأماكن. وقرأ الزُّهريُّ بضمِّها وتشديد الدال. وقرأ ابنُ
190
أبي ليلى وأبو شرفٍ والكلبي وحميد بن قيس «يُقْدَر» بضمِّ الياءِ مِنْ تحتُ وفتحِ الدالِ خفيفةً مبنياً للمفعول. وقرأ الحسنُ وعيسى بنُ عمرَ بفتح الياءِ وكَسرِ الدالِ خفيفةً. وعليُ بن أبي طالب واليمانيُّ بضم الياءِ وكسرِ الدالِ مشددةً. والفاعلُ على هذين الوجهين ضميرٌ يعود على اللهِ تعالى.
قوله: ﴿أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ﴾ يجوزُ في «أَنْ» وجهان، أحدُهما: أنها المخففةُ من الثقيلةِ. فاسمُها كا تقدَّم محذوفٌ. والجملةُ المنفيةُ بعدها الخبرُ. والثاني: أنها تفسيريةٌ؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القولِ لا حروفِه.
191
قوله: ﴿وكذلك نُنجِي﴾ : الكاف نعتٌ لمصدرٍ أو حالٌ من ضميرِ المصدرِ. وقرأ العامَّة «نُنْجي» بضم النونِ الأولى وسكونِ الثانية مِنْ أَنْجى يُنْجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّيْ» بتشديد الجيمِ وسكونِ الياءِ. وفيها أوجهٌ، أحسنها: أن يكونَ الأصل «نُنَجِّي» بضمِّ الأولى وفتح الثانيةِ وتشديد الجيمِ، فاستثقل توالي مِثْلين، فحُذِفت الثانيةٌ، كما حُذِفَت في قوله ﴿وَنُزِّلَ الملائكة﴾ [الفرقان: ٢٥] في قراءةِ مَنْ قرأه كما تقدَّم، وكما حُذِفَتْ التاءُ الثانيةُ في قولِه ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] وبابِه.
ولكنَّ أبا البقاء استضعَفَ هذا التوجيهَ بوجهين فقال: «أحدهُما: أنَّ النونَ
191
الثانية أصلٌ، وهي فاءُ الكلمةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جداً. والثاني: أنَّ حركَتها غيرُ حركةِ النونِ الأولى، فلا يُسْتَثْقَلُ الجمعُ بينهما بخلافِ» تَظاهَرون «ألا ترى أنَّك لو قلتَ:» تُتَحامى المظالِمُ «لم يَسُغْ حَذْفُ الثانية».
أمَّا كونُ الثانيةِ أصلاً فلا أثرَ له في مَنْعِ الحَذْفِ، ألا ترى أن النَّحْويين اختلفوا في إقامة واستقامة: أيُّ الألفينِ المحذوفة؟ مع أنَّ الأولى هي أصلٌ لأنَّها عينُ الكلمةِ. وأمَّا اختلافُ الحركةِ فلا أثرَ له أيضاً؛ لأنَّ الاستثقالَ باتحادِ لفظِ الحرفين على أيِّ حركةٍ كانا.
الوجه الثاني: أن «نُجِّي» فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول، وإنما سُكِّنَتْ لامُه تخفيفاً، كما سُكِّنت في قوله: ﴿مَا بَقِيْ مِنَ الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨] في قراءةٍ شاذةٍ تقدَّمَتْ لك. قالوا: وإذا كان الماضي الصحيحُ قد سُكِّن تخفيفاً فالمعتلُّ أولى، فمنه:
٣٣٥٧ - إنّما شِعْرِيَ قَيْدٌ قد خُلِطْ بجُلْجُلانِ
وقد ذَكَرْتُ منه جملةً صالحةً.
وأُسْنِدَ هذا الفعلُ إلى ضميرِ المصدرِ مع وجودِ المفعول الصريحِ
192
كقراءةِ أبي جعفرٍ ﴿ليجزى قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] وهذا رأيُ الكوفيين والأخفش. وقد ذكرْتُ له شواهدَ فيما مضى من هذا التصنيفِ، والتقدير: نُجِّيَ النَّجاءُ. قال أبو البقاء: «وهو ضعيفٌ من وجهين، أحدُهما: تسكينُ آخرِ الفعلِ الماضي، والآخرُ إقامةُ المصدرِ مع وجودِ المفعولِ الصَّريح». قلت: عَرَفْتَ جوابَهما ممَّا تقدم.
الوجه الثالث: أنَّ الأصلَ: ننجِّي كقراءةِ العامة، إلاَّ أنَّ النونَ الثانيةَ قُلِبَتْ جيماً، وأُدغِمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيفٌ جداً؛ لأن النونَ لا تُقارِبُ الجيمَ فتُدغَمُ فيها.
الوجه الرابع: أنه ماضٍ مسندٌ لضمير المصدرِ أي: نُجِّي النَّجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلاَّ أن «المؤمنين» ليس منصوباً بنجِّي بل بفعلٍ مقدرٍ، وكأنَّ صاحبَ هذا الوجهِ فَرَّ من إقامةِ غيرِ المفعول به مع وجودِه، فجعله مِنْ جملةٍ أخرى.
وهذا القراءةُ متواترةٌ، ولا التفاتَ على مَنْ طَعَن على قارئِها، وإنْ كان أبو عليٍ قال: «هي لحنٌ». وهذه جرأةٌ منه قد سبقه إليها أبو إسحاق الزجَّاج. وأمَّا الزمخشري فلم يَطْعن عليها، إنما طعن على بعضِ الأوجهِ التي قدَّمْتُها فقال: «ومَنْ تَمَحَّل لصحتِه فجعله فُعِل وقال: نُجِّي النَّجاءُ
193
المؤمنين، فأرسل الياء وأسنده إلى مصدرِه ونَصَبَ المؤمنين، فتعسُّفٌ باردُ التعسُّفِ». قلت: فلم يَرْتَضِ هذا التخريجَ بل للقراءةِ عنده تخريجٌ آخرُ. وقد يمكنُ أن يكونَ هو الذي بدأت به لسلامتِه ممَّا تقدَّم من الضعف.
194
قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾ : العامَّةُ على ثبوتِ الرفع قبل «ن» مفكوكةً منها. وقرأَتْ فرقةٌ «يَدْعُوْنا» بحذفِ نونِ الرفع. وطلحة بإدغامِها فيها. وهذان الوجهان فيهما إجراءُ نون «ن» مُجْرَى نونِ الوقاية. وقد تقدَّم ذلك.
قوله: ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ يجوز أَنْ يَنْتَصِبا/ على المفعولِ من أجله، وأَنْ ينتصِبا على أنهما مصدران واقعان موقعَ الحال أي: راغبين راهبين، وأن ينتصِبا على المصدرِ الملاقي لعاملِه في المعنى دون اللفظِ لأنَّ ذلك نوعٌ منه.
والعامَّةُ على فتحِ الغينِ والهاء. وابن وثاب والأعمش ورُويت عن أبي عمروٍ بسكون الغين والهاءِ. ونُقِل عن الأعمش وهو الأشهرُ عنه بضمِّ الراء وما بعدها. وقرأَتْ فِرْقَةٌ بضمةٍ وسكونٍ فيهما.
قوله: ﴿والتي أَحْصَنَتْ﴾ : يجوز أَنْ ينتصِبَ نَسَقاً على ما قبلَها، وأن ينتصِبَ بإضمارِ اذكُرْ، وأن يرتفعَ بالابتداء، والخبرُ محذوف أي: وفيما يُتْلى عليكم التي أحصنت. ويجوز أن يكونَ الخبرُ «فنفَخْنا» وزِيْدَت
194
الفاءُ على رأي الأخفش نحو: «زيدٌ فقائمٌ».
وفي كلامِ الزمخشري «فَنَفَخْنا الروحَ في عيسى فيها». قال الشيخ مؤاخِذاً له: «فاستعمل» نَفَخَ «متعدياً». والمحفوظُ أنه لا يتعدى فيحتاج في تَعَدِّيه إلى سماعٍ، وغيرَ متعدٍّ استعمله هو في قولِه «أي: نَفَخَتْ في المِزْمار» انتهى ما واخَذَه به. قلت: وقد سُمِعَ «نَفَخَ» متعدياً. ويَدُلُّ على ذلك ما قُرِىء في الشاذ «فأنفخها فيكونُ طائراً» وقد حكاها هو قراءةً فكيف يُنْكِرُها؟ فعليك بالالتفات إلى ذلك.
قوله: ﴿آيَةً﴾ إنما لم يطابِقْ المفعولَ الأولَ فيُثَنَّي الثاني؛ لأنَّ كلاً منهما آيةٌ بالآخر فصارا آيةً واحدة. أو نقولُ: إنَّه حُذِف من الأولِ لدلالةِ الثاني، أو بالعكس أي: وَجَعْلنا ابنَ مريمَ آيةً. وأمَّه كذلك. وهو نظيرُ الحذفِ في قولِه ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد تقدَّم.
195
قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ : العامَّةُ على رفع «أمتكُم» خبراً ل «إنَّ» ونصب «أمةً واحدةً» على الحالِ. وقيل على البدل من «هذه»، فيكونُ قد فُصِلَ بالخبرِ بين البدلِ والمبدلِ منه نحو «إن زيداً قائمٌ أخاك».
195
وقرأ الحسنُ «أُمَّتَكم» بالنصبِ على البدل من «هذه» أو عطف البيان. وقرأ أيضاً هو وابن أبي إسحاق والأشهبُ العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو «أُمَّتُكم أمَّةٌ واحدةٌ» برفع الثلاثة على أنْ تكونَ «أمتُكم» خبرَ «إنَّ» كما تقدَّم و «أمةٌ واحدةٌ» بدلٌ منها بدلُ نكرةٍ من معرفةٍ، أو تكونَ «أمةٌ واحدةٌ» خبرَ مبتدأ محذوفٍ.
196
قوله: ﴿أَمْرَهُمْ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الخفضِ أي: تَفَرَّقوا في أمرِهم. الثاني: أنه مفعولٌ به، وعدى تَقَطَّعوا لأنه بمعنى قَطَّعوا. الثالث: أنه تمييزٌ. وليس بواضحٍ معنىً وهو معرفةٌ، فلا يَصِحُّ من جهة صناعةِ البصريين. قال أبو البقاء: «وقيل: هو تمييزٌ أي تقَّطع أمرُهم» فجعله منقولاً من الفاعلية.
و «زُبُراً» يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أن يُضَمَّنَ «تقطَّعوا» معنى صَيَّروا بالتقطيع، وإمَّا أن ينتصِبَ على الحالِ من المفعول أي: مثلَ زُبُرٍ أي: كُتُبٍ؛ فإنَّ الزُّبُرَ جمعُ زَبُور كرُسُل جمعَ رسول، أو يكون حالاً من الفاعل. نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظرٌ؛ إذ لا معنى له، وإنما يَظْهر كونُه حالاً من الفاعلِ في قراءةِ «زُبَرا» بفتح الباءِ أي فِرَقاً. والمعنى: صَيَّروا أمرهم زُبُراً أو تقطَّعوه في هذه الحالِ. والوجهان مأخوذان مِنْ تفسير الزمخشري لمعنى الآية الكريمة، فإنه قال: «والمعنى: جعلوا أَمْرَ دينهم
196
فيما بينهم قِطَعاً كما يتوزَّعُ الجماعةُ [الشيءَ] ويقتسمونه، فيطير لهذا نصيبٌ ولذلك نصيبٌ، تمثيلاً لاختلافهِم فيه وصيرورتِهم فِرَقاً وأحزاباً».
وفي الكلامِ التفاتٌ من الخطاب وهو قوله «أمتُكم» إلى الغَيْبة تشنيعاً عليهم بسوءِ صنيعهم.
وقرأ الأعمش بفتحِ الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل. ونصبُه على الحال من ضمير الفاعِل في «تقطَّعوا» وقد تقدَّم. ولم يَتَعرَّض له أبو البقاء في هذه السورة وتَعَرَّض له في المؤمنين فذكر فيه الأوجهَ المتقدمة وزاد أنه قُرِىء «زُبْراً» بكونِ الباء، وهو بمعنى المضمومِها.
197
قوله: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ﴾ الكُفْران: مصدرٌ بمعنى الكُفْر. قال:
٣٣٥٨ - رأيتُ أُناساً لا تَنام جُدُوْدُهُمْ وجَدّيْ ولا كفرانَ لله نائمُ
و «لِسَعْيه» متعلقٌ بمحذوفٍ أي: يكفُر لسَعْيه، ولا يتعلَّق بكفران؛ لأنه يَصير مُطوَّلاً، والمطوَّل يُنْصَبُ. وهذا مبنيُّ. والضميرُ في «له» يعودُ على السعي.
قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾ : قرأ الأخَوان وأبو بكر ورُوِيَتْ عن أبي عمرو «وحِرْمٌ» بكسرِ الحاء وسكونِ الراءِ. وهما لغتان كالحِلِّ والحَلال. وقرأ بن عباس وعِكْرمة و «حَرِمَ» بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم، على أنه فعلٌ ماضٍ، ورُوي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضمِّ الراءِ بزنة كُرمَ، وهو فعلٌ ماض أيضاً. ورُوي عن ابن عباس فتحُ الجميع. وهو فعلٌ ماضٍ أيضاً. واليمانيُّ بضم الحاء وكسر الراءِ مشددةً وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول. ورُوي عن عكرمةَ بفتح الحاء وكسرِ الراء وتنوين الميم.
فَمَنْ جعله اسماً: ففي رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ/ وفي الخبر حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدهُا: قوله ﴿أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ وفي ذلك حينئذٍ أربعةُ تأويلاتٍ، التأويلُ الأولُ: أنَّ «لا» زائدةٌ والمعنى: وممتنعٌ على قريةٍ قدَّرْنا إهلاكَها لكفرِهم رجوعُهم إلى الإِيمانِ، إلى أَنْ تقومَ الساعةُ. وممَّن ذهب إلى زيادتِها أبو عمروٍ مستشهداً عليه بقولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يعني في أحدِ القولين. التأويل الثاني: أنها غيرُ زائدةٍ، وأنَّ المعنى: أنَّهم غيرُ راجعين عن معصيتهم وكفرِهم. التأويلُ الثالث: أنَّ الحرامَ يُرادُ به الواجب. ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وتَرْكُ الشِّرْكِ واجبٌ، ويَدُلُّ عليه أيضاً قولُ الخنساء:
198
٣٣٥٩ - حرامٌ عليَّ لا أرى الدهرَ باكياً على شَجْوِه إلا بَكَيْتُ على صَخْرِ
وأيضاً فمن الاستعمالِ إطلاقُ أحدٍ الضدين على الآخرِ.
ومِنْ ثَمَّ قال الحسن والسدي: لا يَرْجِعون عن الشرك. وقال قتادة: إلى الدنيا. التأويل الرابع: قال أبو مسلم ابن بَحْر: «حرامٌ: ممتنع. وأنهم لا يرجعون: انتفاء الرجوعِ إلى الآخرةِ، فإذا امتنع الانتفاءُ وَجَبَ الرجوعُ. فالمعنى: أنه يجبُ رجوعُهم إلى الحياة في الدار الآخرة. ويكون الغرضُ إبطالَ قولِ مَنْ يُنْكر البعثَ. وتحقيقُ ما تقدَّم من أنه لا كُفْرانَ لسَعْي أحدٍ، وأنه يُجْزَى على ذلك يومَ القيامةِ». وقولُ ابن عطية قريبٌ من هذا قال: «وممتنعٌ على الكفرةَ المُهْلَكين أنهم لا يَرْجعون إلى عذاب الله وأليم عِقابِه، فتكون» لا «على بابِها، والحرامُ على بابه».
الوجه الثاني: أنَّ الخبرَ منحذوفٌ تقديرُه: حرامٌ توبتُهم أو رجاءُ بعثهم، ويكونُ «أنَّهم لا يَرْجعون» علةً لما تقدَّم من معنى الجملة، ولكن لك حينئذ في «لا» احتمالان، الاحتمال الأول: أَنْ تكونَ زائدةً. ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجهِ بعدَ تقديرِه الخبرَ المتقدم: «إذا جَعَلْتَ لا زائدةً» قلت: والمعنى عنده: لأنهم يَرْجعون إلى الآخرة وجزائها. الاحتمال الثاني: أن تكونَ غيرَ زائدةٍ بمعنى: ممتنعٌ توبتُهم أو رجاءُ بعثِهم؛ لأنهم لا يَرْجعون إلى الدنيا فَيَسْتدركوا فيها ما فاتهم من ذلك.
199
الوجهُ الثالث: أَنْ يكونَ هذا المبتدأ لا خبرَ له لفظاً ولا تقديراً، وإنما رَفَع شيئاً يقوم مقامَ خبرِه من باب «أقائم أخواك». قال أبو البقاء: «والجيدُ أن يكونَ» أنهم «فاعلاً سَدَّ مَسَدَّ الخبر»، قلت: وفي هذا نظرٌ؛ لأن ذلك يًُشْترطُ فيه أن يَعتمد الوصفُ على نفيٍ أو استفهامٍ، وهنا فلم يعتمِدْ المبتدأُ على شيءٍ من ذلك، اللهم إلاَّ أَنْ ينحوَ نَحْوَ الأخفشِ، فإنه لا يَشترطُ ذلك. وقد قررتُ هذه المسألةَ في غيرِ هذا الموضوع، والذي يظهر قولُ الأخفش، وحينئذ يكون في «لا» الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمِها، باختلاف معنيين: أي امتنع رجوعُهم إلى الدنيا أو عن شركِهم إذا قَدَّرْتَها زائدةٌ، أو امتنع عدمُ رجوعِهم إلى عقابِ اللهِ في الآخرة إذا قَدَّرْتها غيرَ زائدة.
الوجه الثاني: من وجهَيْ رفعِ «حرام» أنه خبرُ مبتدأ محذوف، فقدَّره بعضهم: الإِقالةُ والتوبةُ حرامٌ. وقَدَّره أبو البقاء: «أي ذلك الذي ذُكِرَ من العملِ الصالحِ حرامٌ». وقال الزمخشري: «وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها ذَاك، وهو المذكورُ في الآية المتقدمةِ من العملِ الصالح والسَّعيِ المشكورِ غير المكفورِ. ثم عَلَّل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك؟
وقرأ العامَّةُ»
أَهْلكناها «بنونِ العظمة. وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادةُ»
200
أهلكتُها «بتاءِ المتكلم. ومَن قرأ» حَرِمٌ «بفتح الحاءِ وكسرِ الراء وتنوينِ الميم، فهو في قراءتِه صفةٌ على فَعلِ نحو: حَذِر. وقال:
٣٣٦٠ - وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
ومَنْ قرأه فعلاً ماضياً فهو في قراءتِه مسندٌ ل»
أنَّ «وما في حَيِّزها. ولا يَخْفى الكلامُ في» لا «بالنسبة إلى الزيادةِ وعدمِها/ فإنَّ المعنى واضحٌ مما تقدَّم وقُرِىء» إنَّهم «بالكسرِ على الاستئناف، وحينئذٍ فلا بد من تقديرِ مبتدأ يَتِمُّ به الكلام، تقديرُه: ذلك العملُ الصالحُ حرامٌ. وتقدَّم تحريرُ ذلك.
201
قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ : قد تقدم الكلام على «حتى» الداخلةِ على «إذا» مشبعاً. وقال الزمخشري هنا: «فإنْ قلت: بمَّ تعلَّقَتْ» حتى «واقعةً غايةً له وأيَّة الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقةٌ ب» حرامٌ «وهي غايةٌ له؛ لأنَّ امتناعَ رجوعِهم لا يزول حتى تقومَ القيامةُ، وهي» حتى «التي يحكى بعدها الكلامُ، والكلامُ المحكيُّ هو الجملةُ من الشرطِ والجزاءِ، أعني» إذا «وما في حيزها». وأبو البقاء نَحا هذا النحوَ فقال: «وحتى» متعلقةٌ في المعنى ب «حرامٌ» أي: يستمرُّ الامتناع إلى هذا الوقتِ، ولا عملَ لها في «إذا».
وقال الحوفي: «هي غايةٌ، والعاملُ فيها ما دَلَّ عليه المعنى مِنْ تأسُّفِهم
201
على مافَرَّطوا فيه من الطاعةِ حين فاتَهم الاستداركُ». وقال ابنُ عطية: «حتى» متعلقةٌ بقوله «وتَقَطَّعوا». وتحتملُ على بعضِ التأويلاتِ المتقدمة أَنْ تتعلَّق ب «يَرْجِعون»، وتحتمل أَنْ تكونَ حرفَ ابتداءٍ، وهو الأظهر؛ بسبب «إذا» ؛ لأنها تقتضي جواباً هو المقصودُ ذِكْرُه «. قال الشيخ:» وكونُ «حتى» متعلقةً ب «تَقَطَّعوا» فيه بُعْدٌ من حيثن كثرةُ الفصلِ لكنه من حيث المعنى جيدٌ: وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحقِّ إلى قُرْب مجيءِ الساعةِ، فإذا جاءت الساعةُ انقطع ذلك كلُّه «.
وتلخَّصَ في تعلُّق»
حتى «أوجهُ، أحدها: أنها متعلقةٌ ب» حرامٌ «. الثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ دَلَّ عليه المعنى، وهو قولُ الحوفيِّ. الثالث: أنها متعلقةٌ ب» تَقَطَّعوا «. الرابع: أنها متعلقةٌ ب» يَرْجِعون «. وتلخَّص في» حتى «وجهان، أحدهما: أنها حرفُ ابتداءٍ وهو قولُ الزمخشري وابنِ عطية فيما اختاره، الثاني: حرفُ جرّ، بمعنى إلى.
وقرأ»
فُتِّحَتْ «بالتشديد ابنُ عامر. والباقون بالتخفيفِ. وقد تقدَّم ذلك أولَ الأنعام، وفي جواب» إذا «أوجهٌ أحدُها: أنه محذوفٌ فقدَّره أبو إسحاق:» قالوا يا وَيْلَنا «، وقدَّره غيرُه: فحينئذٍ يُبعثون. وقوله» فإذا هي شاخصة «عطفٌ على هذا المقدرِ. الثاني: أنَّ جوابَها الفاءُ في قولِه» فإذا هي «قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية. فقال الزمخشري:» وإذا هي
202
المفاجأةُ، وهي تقع في المجازاة سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فإذا جاءت الفاءُ معها تعاونَتا على وَصْل الجزاء بالشرط فيتأكَّدُ. ولو قيل: إذا هي شاخصة كان سديداً. وقال ابن عطية: «والذي أقول: إنَّ الجوابَ في قوله» فإذا هي شاخِصَةٌ «، وهذا هو المعنى الذي قُصِد ذِكْرُه؛ لأنه رجوعُهم الذي كانوا يُكَذِّبون به وحَرَّم عليهم امتناعَه».
وقوله: ﴿يَأْجُوجُ﴾ هو على حذفِ مضاف أي: سدٌّ يأجوجَ ومَأْجوجَ. وتقدَّم الكلامُ فيهما قريباً.
قوله: «وهم» يجوز أَنْ يعودَ على يأجوج ومأجوج، وأن يعودَ على العالَم بأَسْرِهم. والأولُ أظهر.
وقرأ العامَّةُ: «يَنْسِلون» بكسر السين، وأبو السمَّالِ وابنُ أبي إسحاق بضمها. والحَدَب: النَّشَزُ من الأرض أي: المرتفعُ، ومنه الحَدَبُ في الظهر وكلُّ كُدْية أو أَكَمَةٍ فهي حَدَبَة، وبها سُمِّيَ القبرُ لظهورِه على وجه الأرض، والنَّسَلان مقارَبَةُ الخَطْوِ مع الإِسراعِ، يُقال: نَسَل ينسِل وينسُل بالفتح في الماضي، والكسرِ والضم في المضارع، ونسل وعَسَل واحد، قال الشاعر:
203
والنَّسْلُ من ذلك وهو الذُّرِّيَّة، أطلقَ المصدرَ على المَفْعول. و «نَسَلْتُ ريشَ الطائر» من ذلك. وقُدِّمَ الجارُّ على متعلقه لتواخي رؤوسِ الآي. وقرأ عبد الله وابن عباس «جَدَث» بالثاء المثلثة، وهو القبرُ. وقُرِىء بالفاء وهي بدلٌ منها. قال الزمخشري: «الثاء للحجاز والفاء لتميم». وينبغي أَنْ يكونا أصلين؛ لأنَّ كلاً منهما لغةٌ مستقلةٌ، ولكن قد كَثُر إبدال الثاء من الفاء قالوا: مَعْثُور في مَعْفور، وقالوا: «فُمَّ» في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارةً، وهذه من هذه أخرى.
204
قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾ : فيه أوجهٌ أحدُها: وهو الأجود أن تكونَ «هي» ضميرَ القصة، و «شاخصةٌ» خبرٌ مقدمٌ، و «أبصارُ» مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرٌ ل «هي» لأنها لا تُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مصرِّحٍ بجزأيها، وهذا مذهبُ البصريين. الثاني: أن تكونَ «شاخصة» مبتدأ، و «أبصارُ» فاعلٌ سدَّ مَسَدَّ الخبرِ، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين؛ لأنَّ
204
ضميرَ القصةِ يُفَسَّر عندهم بالمفردِ العاملِ عملَ الفعلِ فإنَّه في قوة الجملة. الثالث: قال الزمخشري: «هي» ضميرٌ مُبْهَمٌ تُوَضِّحه الأبصارُ وتُفَسِّره، كما فُسِّر ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ولم يَذْكر غيرَه. قلت: وهذا هو قولُ الفراء؛ فإنَّه قال: «هي» ضميرُ الأبصارِ تقدَّمَتْ لدلالة الكلام ومجيءِ ما يُفَسِّرها «. وأنشد شاهداً على ذلك: /
٣٣٦١ - عَسَلانَ الذئبِ أمسى قارِباً بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ
٣٣٦٢ - فلا وأبيها لا تقول حَليلتي ألا فَرَّعني مالكُ بنُ أبي كعبِ
الرابع: أن تكونَ» هي «عماداً، وهو قول الفراء أيضاً، قال:» لأنه يَصْلُح موضعَها «هو» وأنشد:
٣٣٦٣ - بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهمٍ فهل هو مرفوعٌ بما ههنا راسُ
وهذا لا يَتَمَشَّى إلاَّ على أحدِ قولي الكسائي: وهو أنه يُجيز تقدُّمَ الفصلِ مع الخبرِ المقدَّم نحو: «هو خيرٌ منك زيد» الأصل: زيدٌ هو خيرٌ منك،
205
وقال الشيخ: «أجاز هو القائمُ زيدٌ، على أنَّ» زيداً «هو المبتدأ و» القائم «خبره و» هو «عمادٌ. وأصلُ المسألةِ: زيدٌ هو القائم». قلتُ: وفي هذا التمثيلِ [نظرٌ] ؛ لأنَّ تقديمَ الخبرِ هنا ممتنعٌ لا ستوائِهما في التعريفِ، بخلاف المثال الذي قَدَّمْتُه، فيكون أصلُ الآيةِ الكريمة: فإذا أبصارُ الذين كفروا هي شاخصةٌ، فلما قُدِّم الخبرُ وهو «شاخصةٌ» قُدِّم معها العِمادُ. وهذا أيضاً إنما يجيءُ على مذهبِ مَنْ يرى وقوعَ العمادِ قبل النكرة غيرِ المقاربةِ للمعرفةِ.
الخامس: أَنْ تكونَ «هي» مبتدأً، وخبرُه مضمرٌ، ويَتِمُّ الكلامُ حينئذٍ على «هي»، ويُبْتَدأ بقوله «شاخصة أبصار». والتقديرُ: فإذا هي بارزةٌ أي: الساعةُ بارزةٌ أو حاضرة، و «شاخصةٌ» خبرٌ مقدمٌ و «أبصارُ» مبتدأٌ مؤخرٌ. ذكره الثعلبي. وهو بعيدٌ جداً لتنافرِ التركيبِ، وهو التعقيدُ عند علماءِ البيان.
قوله: ﴿ياويلنا﴾ معمولٌ لقولٍ محذوفٍ، وفي هذا القولِ المحذوفِ وجهان، أحدُهما: أنَّه جوابُ «حتى إذا» كما تقدَّم. والثاني: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «الذين كفروا»، قاله الزمخشري.
206
قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ : أتى هنا ب «ما» وهي لغيرِ العقلاءِ، لأنه متى اختلطَ العاقلُ بغيرِه تَخَيَّر الناطقُ بين ما ومَنْ.
وقرأ العامَّةُ «حَصَبُ» بالمهملتين والصادُ مفتوحةٌ، وهو ما يُحْصَبُ أي: يرمى في النارِ، ولا يقالُ له حَصَب إلاَّ وهو في النارِ. فأمَّا [ما] قبل ذلك فَحَطَبٌ وشجرٌ وغير ذلك وقيل: هي لغةٌ حبشية. وقيل: يُقال له حَصَبٌ قبل الإِلقاء
206
في النار. وقرأ ابن السَّميفع وابن أبي عبلة ورُويت عن ابنِ كثير بسكونِ الصادِ وهو مصدرٌ، فيجوز أن يكونَ واقعاً موقع المفعول، أو على المبالغةِ أو على حَذْفِ مضافٍ. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمةً مفتوحة أو ساكنةً، وهو أيضاً ما يُرمَى به في النار، ومنه المِحْضَبُ: عُوْدٌ تُحَرَّك به النارُ لِتُوقَدَ. وأًنْشِدَ:
٣٣٦٤ - فلا تَكُ في حَرْبِنا مِحْضَباً فتجعلَ قومَك شَتَّى شُعوبا
وقرأ أميرُ المؤمنين وأُبَيٌّ وعائشة وابن الزبير «حَطَبُ» بالطاء، ولا أظنُّها إلاَّ تفسيراً لا تلاوةً.
207
قوله: ﴿آلِهَةً﴾ : العامَّةُ على النصب خبراً ل «كان» وقرأ طلحة بالرفع. وتخريجُها كتخريج قوله:
٣٣٦٥ - إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَانِ... ...........................
ففيها ضمير الشأن.
وقوله: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ جَوَّز أبو البقاء في هذه الجملةِ ثلاثةَ أوجه،
207
أحدها: أن تكونَ بدلاً من «حَصَبُ جنهم». قلت: يعني أن الجملةَ بدلٌ من المفردِ الواقعِ خبراً، وإبدال الجملةِ من المفردِ إذا كان أحدُهما بمعنى الآخر جائز، إذ التقديرُ: إنكم أنتم لها واردون. والثاني: أن تكونَ الجملةُ مستأنفةً. والثالث: أن تكونَ في محلِّ نصب على الحال من «جهنم» ذكره أبو البقاء. وفيه نظرٌ من حيث مجيءُ الحالِ من المضافِ إليه في غيرِ المواضعِ المستثناةِ.
208
قوله: ﴿مِّنَّا﴾ : يجوز أن يتعلَّقَ ب «سَبَقَتْ»، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من الحسنى.
قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ بدلاً من «مُبْعَدُون» لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، فيغني عنه، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ المستترِ في «مُبْعَدون».
قوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت﴾ إلى قوله «وتَتَلقَّاهم» كلُّ جملةٍ من هذه الجملِ يحتمل أَنْ تكونَ حالاً مِمَّا قبلها. وأن تكون مستأنفةً. وكذا الجملةُ المضمرةُ من القولِ العاملِ في جملة قولِه «هذا يومُكم» إذا التقديرُ: وتَتَلَقَّاهم يقولون: هذا يومُكم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٢:قوله :﴿ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ بدلاً من " مُبْعَدُون " لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، فيغني عنه، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ المستترِ في " مُبْعَدون ".
قوله :﴿ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ ﴾ إلى قوله " وتَتَلقَّاهم " كلُّ جملةٍ من هذه الجملِ يحتمل أَنْ تكونَ حالاً مِمَّا قبلها. وأن تكون مستأنفةً. وكذا الجملةُ المضمرةُ من القولِ العاملِ في جملة قولِه " هذا يومُكم " إذا التقديرُ : وتَتَلَقَّاهم يقولون : هذا يومُكم.

قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ ب «لا يَحْزُنُهم». والثاني: أنه منصوبٌ ب «تتلقَّاهم». الثالث أنه منصوبٌ بإضمار اذكر أو أعني. الرابع: أنه بدلٌ من العائدِ المقدرِ تقديرُه: تُوْعَدُونه/ يومَ نَطْوي ف «يومَ» بدل من الهاء. ذكره أبو البقاء. وفيه نظرٌ؛ إذ يَلْزَمُ مِنْ ذلك خُلُوُّ الجملةِ الموصولِ بها من عائدٍ على الموصول، ولذلك مَنَعُوا «
208
جاء الذي مررتُ به أبي عبد الله» على أن يكونَ «أبي عبد الله» بدلاً من الهاء لِما ذكرْتُ، وإن كان في المسألة خلاف. الخامس: أنه منصوبٌ بالفزع، قاله الزمخشري، وفيه نظر؛ من حيث إنه أَعْمَلَ المصدرَ الموصوفَ قبل أَخْذِه معمولَه.
وقد تقدَّم أنَّ نافعاً يقرأ «يُحْزِنُ» بضم الياء إلاَّ هنا، وأن شيخَه ابن َ القَعْقاع يَقْرأ «يَحْزُن» بالفتح إلاَّ هنا.
وقرأ العامَّة «نَطْوي» بنون العظمة وشيبة بن نصاح في آخرين «يطوي» بياء الغَيْبة، والفاعلُ هو الله تعالى، وقرأ أبو جعفر في آخرين «تطوى» بضمِّ التاءِ مِنْ فوقُ وفتحِ الواوِ مبنياً للمفعول.
وقرأ العامَّةُ «السِّجِلِّ» بكسر السينِ والجيمِ وتشديدِ اللامِ كالطِّمِرِّ. وقرأ أبو هريرة وصاحبُه أبو زرعةَ بن عمرو بن جرير بضمِّهما، واللامُ
209
مشددةٌ أيضاً بزنةِ «عُتُلّ». ونقل أبو البقاء تخفيفَها في هذه القراءةِ أيضاً، فتكونَ بزنةِ عُنُق، وأبو السَّمَّال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن وعيسى بن عمر [بكسرِها]. والجيمُ في هاتين القراءتين ساكنةٌ واللامُ مخففةٌ، قال أبو عمرو: «قراءةُ أهلِ مكةً مثل قراءةِ الحسن».
والسِّجِلُّ: الصحيفةُ مطلقاً. وقيل: بل هو مخصوصٌ بصحيفةِ العهد، وهي من المساجلةِ، والسَجْل: الدَلْوُ الملأى. وقال بعضهم: هو فارسيٌّ معرَّب فلا اشتقاقَ له.
و «طَيّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعولِ. والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كما يطوي الرجلُ الصحيفةَ ليكتبَ فيها، أَو لما يكتُبه فيها من المعاني، والفاعلُ يُحْذف مع المصدرِ باطِّراد. والكلامُ في الكاف معروفٌ أعني كونَها نعتاً لمصدرٍ مقدرٍ أو حالاً مِنْ ضميرِه. وأصلُ طيّ: طَوْيٌ فأُعِلَّ كنظائره.
وقيل: السِّجِلُّ سامُ مَلَكٍ يَطْوي كتبَ أعمالِ بني آدم. وقيل: اسمُ رجلٍ كان يكتب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وعلى هذين القولين يكون المصدرُ مضافاً لفاعله. و «الكتاب» اسمٌ للصحيفةِ المكتوبِ فيها. وقال أبو إسحاق: «السِّجِلُّ: الرجلُ بلسان الحبشة». وقال الزمخشري: كما
210
يطوى الطُّومارُ للكتابة، أي: ليُكتبَ فيه، أو لما يُكتب فيه؛ لأن الكتابَ أصلُه المصدرُ كالبناء ثم يوقع على المكتوب «. فقدَّره الزمخشريُّ من الفعلِ المبنيِّ للمفعول.
وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
واللام في «للكتاب»
: إمَّا مزيدةٌ في المفعولِ إنْ قلنا إنَّ المصدرَ مضافٌ لفاعلِه، وإمَّا متعلقةٌ بطَيّ، وإمَّا بمعنى «على». وهذا ينبغي أَنْ لا يجوزَ لبُعْدِ معناه على كل قولٍ. والقراءاتُ المذكورةُ في «السِّجِلْ» كلُّها لغات. وقرأ الأخَوان وحفص «للكتب» جمعاً، والباقون «للكتاب» مفرداً، والرسُم يحتملهما: فالإِفرادُ يُراد به الجنسُ، والجمعُ للدلالةِ على الاختلافِ.
قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ﴾ في متعلِّقِ هذه الكافِ وجهان، أحدُهما: أنَّها متعلقةٌ ب «نُعِيده»، و «ما» مصدريةٌ و «بدأنا» صلتُها، فهي وما في حَيِّزِها في محلِّ جر بالكاف. و «أولَ خَلْقٍِ» مفعولُ «بَدَأْنا»، والمعنى: نُعيد أولَ خَلْقٍ إعادةً مثلَ بَداءَتِنا له أي: كما أبْرَزْناه من العَدَمِ إلى الوجودِ نُعيده من العَدَمِ إلى الوجود. وإلى هذا نحا أبو البقاء فإنه قال: «الكافُ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: نُعيده عَوْداً مثلَ بَدْئه» وفي قولِه: «عَوْد» نظرٌ إذ الأحسنُ أَنْ يقولَ: إعادة.
والثاني: أنها تتعلَّقُ بفعلٍ مضمرٍ. قال الزمخشري: «ووجهٌ آخرُ:
211
وهو أَنْ تَنْتَصِبَ الكافُ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره» نُعيده «و» ما «موصولةٌ أي: نُعيد مثلَ الذي بَدَأْنا نُعيده، و» أولَ خَلْقٍ «ظرف ل» بَدَأْناه «أي: أولَ ما خلق، أو حالٌ من ضميرِ الموصولِ السَّاقط من اللفظِ الثابتِ في المعنى».
قال الشيخ: «وفي تقديرِه تهيئةُ» بَدَأْنا «لأَنْ يَنْصِبَ» أولَ خَلْقٍ «على المفعوليةِ وقَطْعُه عنه، من غيرِ ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، وارتكابُ إضمارٍ بعيدٍ مُفَسَّراً ب» نُعِيْدُه «، وهذه عُجْمَةٌ في كتاب الله. وأمَّا قولُه» ووجهٌ آخرُ: وهو أن تنتصبَ الكافُ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّرُه «نُعِيْدُه» فهو ضعيفٌ جداً؛ لأنه مبنيٌّ على أن الكافَ اسمٌ لا حرفٌ، وليس مذهبَ الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفشُ. وكونُها اسماً عند البصريين مخصوصٌ بالشعرِ «. قلت: كلُّ ما قَدَّره فهو جارٍ على القواعدِ المنضبطةِ، وقادَه إلى ذلك المعنى الصحيحُ، فلا مُؤَاخَذَةَ عليه. يظهرُ ذلك بالتأمُّلِ لغيرِ الفَطِنِ.
وأمَّا قوله:»
ما «ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها مصدريةٌ. والثاني: أنَّها بمعنى الذي. وقد تقدَّم تقريرُ هذين والثالث: أنها كافةٌ للكافِ عن العملِ كما هي في قولِه:
٣٣٦٦ -........................ كما الناسُ مَجْرُوْمٌ عليه وجارِمُ
فيمَنْ رفع»
الناس «. قال الزمخشري:» أولَ خَلْقٍ «مفعولُ» نُعيد «
212
الذي يُفَسِّره» نُعِيده «، والكافُ مكفوفةٌ ب» ما «. والمعنى: نُعيد أولَ الخَلْقِ كما بَدَأْناه تَشْبيهاً للإِعادةِ بالابتداء في تناوُلِ/ القُدْرَةِ لهما على السَّواء.
فإنْ قلتَ: فما أولُ الخَلْقِ حتى يُعيدَه كما بدأه؟ قلت: أوَّلُه إيجادُه عن العَدَمِ، فكما أوجدَه أولاً عن عدمٍ يُعيده ثانياً عن عدمٍ «.
وأمَّا»
أولَ خلق «فتَحصَّل فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مفعولُ» بَدَأْنا «. والثاني: أنه ظرفٌ ل» بَدَأْنا «. والثالث: أنه منصوبٌ على الحال مِنْ ضميرِ الموصولِ كما تقدَّم تقريرُ كل ذلك. والرابع: أنه حالٌ مِنْ مفعول» نُعيده «قاله أبو البقاء، والمعنى: مثلَ أولِ خَلْقِه.
وأمَّا تنكيرُ»
خَلْقِ «فللدلالةِ على التفصيلِ. قاله الزمخشري:» فإن قلتَ «ما بالُ» خَلْقٍ «منكَّراً؟ قلت: هو كقولِك:» هو أولُ رجلٍ جاءني «تريد: أول الرجال. ولكنك وَحَّدْتَه ونَكَّرتَه إرادةَ تفصيلِهم رجلاً رجلاً، وكذلك معنى» أولَ خَلْقٍ «بمعنى: أول الخلائق؛ لأنَّ الخَلْقَ مصدرٌ لا يُجْمَعُ».
قوله: ﴿وَعْداً﴾ منصوبٌ على المصدرِ المؤكِّد لمضمونِ الجملة المتقدِّمة، فناصبُه مضمرٌ أي: وَعَدْنا ذلك وَعْداً.
213
قوله: ﴿مِن بَعْدِ الذكر﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلًَّق ب «كَتْبنا»، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ «الزَّبُورِ» لأنَّه بمعنى المَزْبُور أي: المكتوب أي: المَزْبُور مِنْ بَعْدِ. ومفعولُ «كَتَبْنا» أنَّ وما في حَيِّزها أي: كَتَبْنا وِراثَةَ الصالحينِ للأرضِ أي: حَكَمْنا به.
قوله: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له أي: لأجلِ الرَّحْمة. ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الحال مبالغةً في أَنْ جَعَلَه نفسَ الرحمة، وإمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: ذا رحمةٍ أو بمعنى راحِم. وفي الحديث «يا أيها الناسُ إنما أنا رحمةٌ مُهْداة».
قوله: ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل «رَحْمَةً» أي: كائنةً للعالمين. ويجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «أَرْسَلْناك» عند مَنْ يَرَى تَعَلُّقَ ما بعد «إلاَّ» بما قبلها جائزاً أو بمحذوفٍ عند مَنْ لا يَرَى ذلك. هذا إذا لم يُفَرَّغ الفعلُ لِما بعدها، أما إذا فُرِّغَ فيجوزُ نحو: ما مررتُ إلاَّ بزيدٍ، كذا قاله الشيخ هنا. وفيه نظرٌ من حيث إن هذا أيضاً مفرغ؛ لأنَّ المفرَّغَ عبارةٌ عمَّا افتقر ما بعد «إلاَّ» لِما قبلها على جهةِ المعمولية له.
قوله: ﴿أَنَّمَآ إلهكم﴾ :«أنَّ» وما في حَيِّزِها في محلِّ رفعٍ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ؛ إذا التقديرُ: إنما يوحى إليَّ وَحْدانيةُ إلهكم. وقال الزمخشري: «إنَّما» لقَصْرٍ الحكمِ على شيءٍ أو لقَصْرِ الشيءِ على حكمٍ كقولِك: «إنما زيدٌ قائم» و «إنما يقومُ زيدٌ». وقد اجتمع المثالان في هذه الآيةِ؛ لأنََّ ﴿إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ﴾ مع فاعلِه بمنزلةِ «إنما يقومُ زيد»، و ﴿أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ بمنزلةِ «إنَّما زيد قائم». وفائدةُ اجتماعِهما الدلالةُ على أنَّ الوَحْيَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مقصورٌ على استئثارِ اللهِ بالوَحْدانية «.
قال الشيخ:»
أمَّا ما ذكره في «أنَّما» أنَّها لقَصْرِ ما ذَكَر، فهو مبنيٌّ على أن «أنَّما» للحصر، وقد قررنا أنها لا تكون للحصر وأنَّ «ما» مع «أنَّ» كهي مع
214
كأنَّ ومع لعلَّ. فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه ولا الحصر في الترجي، فكذلك لا تفيده مع «أنَّ». وأما جَعْلُه «أنما» المفتوحةَ الهمزةِ مثلَ المكسورتِها تدلُّ على القَصْر فلا نعلم الخلاف إلاَّ في «إنما» بالكسر، وأما «أنما» بالفتح فحرفٌ مصدريٌّ، ينسَبِكُ منه مع ما بَعْدَه مصدرٌ، فالجملةُ بعدها ليسَتْ جملةً مستقلةً. ولو كانَتْ «أنما» دالةً على الحصر لزم أَنْ يُقال: إنه لم يُوْحَ إليه شيءٌ إلاَّ التوحيدُ، وذلك لا يَصِحُّ الحَصْرُ فيه، إذ قد أُوْحي له أشياءُ غيرُ التوحيد «.
قلت: الحَصْرُ بحسب كلِّ مقامٍ على ما يناسِبُه؛ فقد يكون هذا المقامُ يقتضي الحصرَ في إيحاءِ الواحدنية لشيءٍ جرى من إنكارِ الكفارِ وحدانيتَه تعالى، وأنَّ اللهَ لم يُوْحِ إليه لها شيئاً. وهذا كما أجاب الناسُ عن هذا الإِشكالِ الذي ذكره الشيخُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد ٣٦] إلى غير ذلك. و»
ما «من قوله ﴿إِنَّمَآ يوحى﴾ يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ كافةً وقد تقدَّم. والثاني: أن تكونَ موصولةً كهي في قوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ﴾ [طه: ٦٩] ويكون الخبرُ هو الجملةَ مِنْ قوله: ﴿أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ تقديرُه: إن الذي يوحى إليَّ هو هذا الحكمُ.
قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ استفهامٌ معناه الأمرُ بمعنى أَسْلِموا، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا.
215
قوله: ﴿آذَنتُكُمْ﴾ : أي: أَعْلَمْتُكم. فالهمزةُ فيه للنقلِ. قال الزمخشري: «آذن منقولٌ مِنْ أَذِنَ إذا عَلِمَ، ولكنه كَثُرَ استعمالُه في الجَرْيِ مجرى الإِنذار. ومنه قولُه تعالى: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وقول ابن حِلِّزَة: /
٣٣٦٧ - آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ ........................
قلت: وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة.
قوله: ﴿على سَوَآءٍ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل والمفعول معاً، أي: مُسْتَوِين في العلم بما أَعْلَمْتُكم به لم يَطْوِه عن أحدٍ منهم.
قوله: ﴿وَإِنْ أدري﴾ العامَّةُ على إرسالِ الياء ساكنةً، إذ لا مُوْجِبَ لغيرِ ذلك. ورُوي عن أبن عباس أنه قرأ:»
وإنْ أَدْريَ أقريبٌ «،» وَإِنْ أَدْرِيَ لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ «بفتح الياءَيْن. وخُرِّجَتْ على التشبيهِ بياءِ الإِضافة. على أن ابنَ مجاهدٍ أنكر هذه القراءةَ البتة. وقال ابن جني:» هو غَلَطٌ، لأنَّ «إنْ» نافيةٌ لا عملَ لها «. ونَقَل أبو البقاء عن غيرِه أنه قال في تخريجها:» إنه ألقى
216
حركةَ الهمزةِ على الياءِ فتحرَّكَتْ وبقيتْ الهمزةُ ساكنةً، فأُبْدِلَتْ ألفاً لانفتاحِ ما قبلها، ثم أُبْدِلَتْ همزةً متحركةً؛ لأنها في حُكْمِ المبتدأ بها، والابتداءُ بالساكنِ مُحالٌ. وهذا تخريجٌ متكلِّفٌ لا حاجةَ إليه. ونِسْبَةُ راويها عن ابن عباس إلى الغلطِ أَوْلَى من هذا التكلُّفِ، فإنها قراءةٌ شاذةٌ مُنْكَرَة. وهذا التخريجُ وإنْ نَفَعَ في الأولى فلا يُجْدي في الثانيةِ شيئاً. وسيأتي لك قريبٌ من ادِّعاء قَلْبِ الهمزةِ ألفاً ثم قَلْبِ الألفِ همزةً في قوله: ﴿مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] إنْ شاء اللهُ تعالى، وبذلك يَسْهُلُ الخَطْبُ في التخريج المذكور.
والجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ ب «أدْري» لأنها معلِّقَةٌ لها عن العملِ، وأَخَّر المُسْتَفْهَمَ عنه لكونِه فاصلةً. ولو وَسَّطه لكان التركيبُ: أقريب ما تُوعدون أم بعيدٌ، ولكنه اُخِّر مراعاةً لرؤوسِ الآي.
و ﴿مَّا تُوعَدُونَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ، وما قبله خبرٌ عنه ومعطوفٌ عليه. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يرتفعَ فاعلاً ب «قريبٌ». قال: «لأنه اعتمد على الهمزة». قال: «ويُخَرَّج على قولِ البصريينَ أن يرتفعَ ب» بعيد «لأنه أقربُ إليه». قلت: يعني أنه يجوزُ أَنْ تكونَ المسألةُ من التنازع فإنَّ كلاً من الوصفَيْنِ يَصِحُّ تَسَلُّطُه على «ما تُوْعَدون» من حيث المعنى.
217
قوله: ﴿مِنَ القول﴾ : حالٌ مِنْ «الجهر».
قوله: ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ : الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ معلِّقةٌ ل «أَدْري»، والكوفيون يُجْرون الترجِّي مجرى الاستفهام في ذلك، إلاَّ أنَّ
217
النَّحْويين لم يَعُدُّوا من المعلِّقات «لعلَّ» وهي ظاهرةٌ في ذلك كهذه الآيةِ وكقولِه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ [عبس: ٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
218
قوله: ﴿قَالَ﴾ : قرأ حفص «قال» خبراً عن الرسولِ عليه السلام. الباقون «قل» على الأمر. وقرأ العامَّةُ «رَبِّ» بكسرِ الباءِ اجتراءً بالكسرةِ عن ياءِ الإِضافةِ، وهي الفصحى. وقرأ أبو جعفر بضمِّ الباءِ، فقال صاحبُ «اللوامح» :«إنه منادى مفردٌ ثم قال:» وحَذْفُ حَرْفِ النداء فيما جاز أن يكونَ وصفاً ل «أَيّ» بعيدٌ، بابُه الشعرُ «. قلت: ليس هذا من المنادى المفردِ، بل نَصَّ بعضُهم على أنَّ هذه بعضُ اللغاتِ الجائزةِ في المضافِ إلى ياء المتكلم حالَ ندائه.
وقرأ العامَّةُ»
احْكُمْ «على صورةِ الأمر. وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر» رَبِّيْ «بسكونِ الياء» أَحْكَمُ «أفعلُ تفضيلٍ فهما مبتدأ وخبر.
218
وقُرِىء» أَحْكَمَ «بفتح الميم كألزَمَ، على أنَّه فعلٌ ماضٍ في محلِّ خبرٍ أيضاً ل» ربِّي «وقرأ العامَّةُ» تَصِفُوْن «بالخطاب. وقرأ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أُبَي رضي الله عنه» يَصِفُون «بالياء مِنْ تحت، وهي مَرْوِيَّةٌ أيضاً عن عاصم وابن عامر. والغيبة والخطاب واضحان.
219
Icon