تفسير سورة سورة الصافات

أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

التسهيل لعلوم التنزيل

أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (ت 741 هـ)

الناشر

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت

الطبعة

الأولى

المحقق

الدكتور عبد الله الخالدي

مقدمة التفسير
سورة الصافات
مكية وآياتها ١٨٢ نزلت بعد الأنعام
سورة الصافات
مكية وآياتها ١٨٢ نزلت بعد الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الصافات) وَالصَّافَّاتِ صَفًّا تقديره والجماعات الصافات ثم اختلف فيها فقيل: هي الملائكة التي تصف في السماء صفوفا لعبادة الله، وقيل: هو من يصف من بني آدم في الصلوات والجهاد، والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة [الآية: ١٦٥] وإنا لنحن الصافون فَالزَّاجِراتِ زَجْراً هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها، وقيل: الزاجرون بالمواعظ من بني آدم، وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن المعاصي فَالتَّالِياتِ ذِكْراً هي الملائكة تتلو القرآن والذكر، وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم، وهي كلها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد وَرَبُّ الْمَشارِقِ يعني مشارق الشمس، وهي ثلاثمائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب فإنها تشرق كل يوم من أيام السنة في مشرق منها وتغرب في مغرب، واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب لأنها معادلة لها، فتفهم من ذكرها.
بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وقرأ نافع وغيره بإضافة الزينة إلى الكواكب، والزينة تكون مصدرا واسما لما يزان به، فإن كان مصدرا فهو مضاف إلى الفاعل تقديره: بأن زينة الكواكب اسما أو مضاف إلى المفعول تقديره: بأن زينا الكواكب، وإن كانت اسما فالإضافة بيان للزينة، وقرأ حفص وحمزة بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل، ونصب الكواكب على أنها مفعول بزينة أو بدل من موضع زينة وَحِفْظاً منصوب على المصدر تقديره: وحفظناها حفظا، أو مفعول من أجله، والواو زائدة أو محمول على المعنى، لأن المعنى إنا جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظا مارِدٍ أي شديد الشر لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى «١» الضمير في يسمعون للشياطين، والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء،
(١). قرأ أغلب القراء بالتخفيف يسمعون ما عدا حمزة والكسائي وحفص. [.....]
والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة. وقرأ حفص وعاصم وحمزة يسمعون بتشديد السين والميم، ووزنه يتفعلون والسمع طلب السماع، فنفى السماع على القراءة الأولى، ونفى طلبه على القراءة بالتشديد، والأول أرجح لقوله إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنهم لا يسمعون شيئا، منذ بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم يرجمون بالكواكب وَيُقْذَفُونَ أي يرجمون يعني بالكواكب «١» وهي التي يراها الناس تنقضّ، قال النقاش ومكي: ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. قال ابن عطية: وفي هذا نظر
دُحُوراً أي طردا وإبعادا وإهانة لأن الدحر الدفع بعنف. وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع الحال تقديره: مدحورين عَذابٌ واصِبٌ أي دائم، لأنهم يرجمون بالنجوم في الدنيا، ثم يقذفون في جهنم، إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ من في وضع رفع بدل من الضمير في قوله: لا يسمعون والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلا الشيطان الذي خطف الخطفة شِهابٌ ثاقِبٌ أي شديد الإضاءة.
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا الضمير لكفار قريش، والاستفتاء نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم ومن خلقنا يراد به ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب، وقيل: يراد به ما تقدم من الأمم والأول أرجح لقراءة ابن مسعود أم من عددنا ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه يقول: هذه المخلوقات أشد خلقا منكم، فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ اللازب اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ أي عجبت يا محمد من ضلالهم وإعراضهم عن الحق، أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة، وقرأ حمزة والكسائي عجبت بضم التاء وأشكل ذلك على من يقول: إن التعجب مستحيل على الله فتأولوه بمعنى:
أنه جعله على حال يتعجب منها الناس وقيل: تقديره قل يا محمد عجبت وقد جاء التعجب من الله في القرآن والحديث كقوله صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك من شاب ليس له صبوة» «٢» وهو صفة فعل وإنما جعلوه مستحيلا على الله، لأنهم قالوا إن التعجب استعظام خفي سببه، والصواب
(١). المشاهد هو الشهب والنيازك، وهي أجرام صغيرة متناشرة في الجو، أما الكواكب فيبعد أن يكون الرجم بها وقد ورد بعد قليل: إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب. والله أعلم.
(٢). أخرج أحمد حديثا بمعناه وأوله: يعجب ربك عز وجل من راعي غنم ج ٤، ١٥٧. وعزاه العجلوني للقضاعي عن عقبة بن عامر وفيه ابن لهيعة.
أنه لا يلزم أن يكون خفيّ السبب بل هو لمجرد الاستعظام فعلى هذا لا يستحيل على الله وَيَسْخَرُونَ تقديره وهم يسخرون منك أو من البعث
وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ الآية هنا العلامة كانشقاق القمر ونحوه، وروي أنها نزلت في مشرك اسمه ركانة، أراه النبي ﷺ آيات فلم يؤمن، ويستسخرون معناه: يسخرون فيكون فعل واستعمل بمعنى واحد وقيل:
معناه يستدعى بعضهم بعضا لأن يسخر، وقيل يبالغون في السخرية.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً الآية: معناها استبعادهم البعث وقد تقدم الكلام على الاستفهامين في الرعد أَوَآباؤُنَا بفتح الواو دخلت همزة الإنكار على واو العطف، وقرئ «١» بالإسكان عطفا بأو قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ أي قل: تبعثون. والداخر الصاغر الذليل زَجْرَةٌ واحِدَةٌ هي النفخة في الصور للقيام من القبور فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ يحتمل أن يكون من النظر بالأبصار، أو من الانتظار أي: ينتظرون ما يفعل بهم هذا يَوْمُ الدِّينِ يحتمل أن يكون من كلامهم مثل الذي قبله، أو مما يقال لهم مثل الذي بعده احْشُرُوا الآية: خطاب للملائكة خاطبهم به الله تعالى أو خاطب به بعضهم بعضا وَأَزْواجَهُمْ يعني نساءهم المشركات وقيل: يعني أصنامهم وقرناءهم من الجنّ والإنس وَما كانُوا يَعْبُدُونَ يعني الأصنام والآدميين الذي كانوا يرضون بذلك فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي دلوهم على طريق جهنم ليدخلوها إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ يعني إنهم يسألون عن أعمالهم، توبيخا لهم وقيل:
يسألون عن قول: لا إله إلا الله والأول أرجح، لأنه أهم ويحتمل أن يسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون مسؤولون عاملا فيما بعده والتقدير يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وقد كنتم في الدنيا تقولون: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: ٤٤] مُسْتَسْلِمُونَ أي منقادون عاجزون عن الانتصار قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ الضمير في قالوا، للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم، أو للإنس خاطبوا الجنّ، واليمين هنا يحتمل ثلاث معان: الأول أن يراد بها طريق الخير والصواب وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين كما أن العبارة عن الشر بالشمال، والمعنى أنهم قالوا لهم: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدوننا عنه والثاني أن يراد به القوة، والمعنى على هذا أنكم كنتم تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان والثالث أن يراد بها اليمين التي يحلف بها أي كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم.
(١). قرأ نافع وابن عامر: أو آباؤنا. وقرأ الباقون: أو آباؤنا.
قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الضمير في قالوا للكبراء من الكفار، أو للشياطين والمعنى أنهم قالوا لأتباعهم: ليس الأمر كما ذكرتم، بل كفرتم باختياركم فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ أي وجب العذاب علينا وعليكم، وإنا لذائقون: معمول القول وحذف معمول ذائقون تقديره، وجب القول بأنا ذائقو العذاب فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ أي دعوناكم إلى الغي، لأنا كنّا على غي فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أي إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار يَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ الضمير في يقولون لكفار قريش، ويعنون بشاعر مجنون: محمد صلى الله عليه وسلم، فردّ الله عليهم بقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ أي جاء بالتوحيد والإسلام، وهو الحق وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذين جاءوا قبله:
لأنه جاء بمثل ما جاءوا به، ويحتمل المعنى أن يكون صدقهم لأنهم أخبروا بنبوّته، فظهر صدقهم لما بعث عليه الصلاة والسلام.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع بمعنى لكن، وقرئ مخلصين بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدّم تفسيره عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ السرر جمع سرير، وتقابلهم في بعض الأحيان للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد بقصره يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الذين يطوفون عليهم الولدان، حسبما ورد في الآية الأخرى، والكأس الإناء الذي فيه خمر قاله ابن عباس، وقيل: الكأس إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم لا، والمعين: الجاري الكثير، لأنه فعيل، والميم فيه أصلية، وقيل: هو مشتق من العين والميم زائدة، ووزنه مفعول لَذَّةٍ أي ذات لذة، فوصفها بالمصدر اتساعا لا فِيها غَوْلٌ الغول: اسم عام في الأذى والضير، ومنه يقال: غاله يغوله إذا أهلكه، وقيل: الغول وجع في البطن، وقيل:
صداع في الرأس، وإنما قدم المجرور هنا تعريضا بخمر الدنيا لأن الغول فيها وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ «١» أي لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النزيف، وهو السكران، وعن هنا سببية، كقولك فعلته عن أمرك، أي لا ينزفون بسبب شربها قاصِراتُ الطَّرْفِ معناه أنهن قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهن عِينٌ جميع عيناء، وهي الكبيرة العينين
(١). قرأ حمزة والكسائي: ينزفون: بكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الزاي.
في جمال
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قيل شبههن في اللون ببيض النعام، فإنه بياض خالطه صفرة حسنة، وكذلك قال امرؤ القيس:
كبكر مقناة البياض بصفرة
وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشرة الأولى، وقيل: أراد الجوهر المصون.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ هذا إخبار عن تحدّث أهل الجنة. قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على يطاف عليهم، والمعنى: أنهم يشربون فيتحدّثون على الشراب، بما جرى لهم في الدنيا إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قيل: إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمن وكافر، وقيل: إن قرينه كان من الجن يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ معناه أنه كان يقول له على وجه الإنكار: أتصدق بالدنيا والآخرة؟ لَمَدِينُونَ أي مجازون ومحاسبون على الأعمال، ووزنه مفعول، وهو من الدين، بمعنى الجزاء والحساب قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أي قال ذلك القائل لرفقائه في الجنة، أو للملائكة أو لخدامه: هل أنتم مطلعون على النار لأريكم ذلك العزيز فيها؟ وروي أن في الجنة كوى ينظرون أهلها منها إلى النار فِي سَواءِ الْجَحِيمِ أي في وسطها قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ أي تهلكني بإغوائك، والردى الهلاك، وهذا خطاب خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار مِنَ الْمُحْضَرِينَ في العذاب أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ هذا من كلام المؤمن، خطاب لقرينه، أو خطابا لرفقائه في الجنة ولهذا قال نحن فأخبر عن نفسه وعنهم، ويحتمل أن يكون من كلامه وكلامهم جميعا إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يحتمل أن يكون من كلام المؤمن، أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة أو من كلام الله تعالى، وكذلك يحتمل هذه الوجوه في قوله «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» والأول أرجح فيه أن يكون من كلام الله تعالى، لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلا به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقة في الدنيا ففيه تحضيض على العمل الصالح.
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الإشارة بذلك إلى نعيم الجنة، وكل ما ذكر من وصفها، وقال الزمخشري: الإشارة إلى قوله رزق معلوم، والنزل الضيافة، وقيل: الرزق الكثير وجاء التفضيل هنا بين شيئين، ليس بينهما اشتراك، لأن الكلام تقرير وتوبيخ إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قيل: سببها أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم،
قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، فالفتنة على هذا الابتلاء في الدنيا وقيل: معناه، عذاب الظالمين في الآخرة والمراد بالظالمين هنا الكفار
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أي تنبت في قعر جهنم وترتفع أغصانها إلى دركاتها طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الطلع ثمر النخل فاستعير لشجرة الزقوم، وشبه برءوس الشياطين مبالغة في قبحه وكراهته، لأنه قد تقرر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر:
وجه شيطان وقيل: رؤوس الشياطين شجرة معروفة باليمن، وقيل: هو صنف من الحيات لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ أي مزاجا من ماء حار، فإن قيل: لم عطف هذه الجملة بثم، فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى أنهم يملؤون البطون من شجر الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم، والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى أن شربهم للحميم أشدّ مما ذكر قبله يُهْرَعُونَ الإهراع الإسراع الشديد.
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ أي دعانا فالمعنى دعاؤه بإهلاك قومه ونصرته عليهم مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني الغرق وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ معناه أبقينا عليه ثناء جميلا في الناس إلى يوم القيامة سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ هذا التسليم من الله على نوح عليه السلام، وقيل: إن هذه الجملة مفعول تركنا، وهي محكية أي تركنا هذه الكلمة، تقال له يعني أن الخلق يسلمون عليه فيبتدأ بالسلام على القول الأول، لا على الثاني والأول أظهر، ومعنى في العالمين على القول الأول تخصيصه بالسلام عليه بين العالمين، كما تقول: أحب فلانا في الناس: أي أحبه خصوصا من بين الناس ومعناه على القول الثاني: أن السلام عليه ثابت في العالمين، وهذا الخلاف يجرى حيث ما ذكر ذلك في هذه السورة.
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ الشيعة الصنف المتفق، فمعنى من شيعته: من على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح وقيل: على سيدنا محمد ﷺ والأول أظهر إِذْ جاءَ رَبَّهُ عبارة عن إخلاصه وإقباله على الله تعالى، بكليته وقيل: المراد المجيء بالجسد
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي سليم من الشرك، والشك وجميع العيوب
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ الإفك الباطل وإعرابه هنا مفعول من أجله، وآلهة مفعول به وقيل: أإفكا مفعول به، وآلهة بدل منه وقيل: أإفكا مصدر في موضع الحال، تقديره: آفكين أي كاذبين والأول أحسن فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ المعنى أي شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم به، وقد عبدتم غيره؟ أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره كما تقول ما ظنك بفلان؟ إذا قصدت تعظيمه، فالمقصد على المعنى الأول تهديد وعلى الثاني تعظيم لله وتوبيخ.
لهم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: إني سقيم ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسر أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنها كانت تأخذه الحمى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى وقت الحمى، واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمى، والثاني أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه أستدل بالنظر في علم النجوم أنه يسقم، فأعتذر بما يخاف من السقم عن الخروج معهم والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم فقال: إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم، وليست بنجوم السماء، وهذا بعيد وقوله: إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون حقا لا كذب فيه، ولا تجوّز أصلا، ويعارض هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، أحدها: قوله إني سقيم، ويحتمل إن يكون كذبا صراحا، وجاز له ذلك لهذا الاحتمال، لأنه فعل ذلك من أجل الله إذ قصد كسر الأصنام، ويحتمل أن يكون من المعارضين، فإن أراد أنه سقيم فيما يستقبل، لأن كل إنسان لا بدّ له أن يمرض، أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذيبهم له، وهذان التأويلان أولى، لأن نفي الكذب بالجملة معارض للحديث، والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي تركوه إعراضا عنه وخرجوا إلى عيدهم، وقيل: إنه أراد بالسقم الطاعون وهو داء يعدي، فخافوا منه وتباعدوا عنه مخافة العدوى فَراغَ أي مال فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي يمين يديه وقيل بالقوة وقيل: بالحلف، وهو قوله: تالله لأكيدن أصنامكم، والأول أظهر وأليق بالضرب، وضربا مصدر في موضع الحال (يزفون) أي يسرعون.
قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أى تنجرون والنحت النجارة إشارة إلى صنعهم من الحجارة والخشب وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ذهب قوم إلى أن ما مصدرية والمعنى: الله
خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وقيل: إنها موصولة بمعنى الذي والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل: إنها نافية، وقيل: إنها استفهامية، وكلاهما باطل
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً قيل: البنيان في موضع النار، وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رمى عنه فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً يعني حرقه بالنار فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي المغلوبين وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ قيل: إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب أي: مهاجر إلى الله فهاجر إلى أرض الشام، وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يطرح في النار، وأراد أنه ذاهب إلى ربه بالموت، لأنه ظن أن النار تحرقه، وسيهدين على القول الأول يعني إلى صلاح الدين والدنيا، وعلى القول الثاني إلى الجنة، وقالت المتصوفة: معناه إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي مقبل على الله بكليتي تاركا سواه.
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ يعني ولدا من الصالحين فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي عاقل وأختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل. وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله ﷺ قال: أنا ابن الذبيحين «١» يعني إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر [أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله] إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح وبشرناه بإسحاق فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أن إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل. وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله: فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشر سنة قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أنه يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: افعل ما تؤمر ورؤيا الأنبياء حق، فوجب عليه الامتثال على الوجهين
(١). أورده العجلوني في كشف الخفاء ذكر اختلاف العلماء حول هذا الحديث والنتيجة أنّه صحيح المعنى وقد صححه الحاكم.
— 195 —
فَانْظُرْ ماذا تَرى إن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب فَلَمَّا أَسْلَما إي استسلما وانقادا لأمر الله وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ناديناه والواو زائدة قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتمل أنه يريد بقلبك أى كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: صدقت الرؤيا؟ فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يفده الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قضى إبراهيم ما عليه الْبَلاءُ الْمُبِينُ الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة.
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم:
أشدد رباطى لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاءه الكبش من عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحنه، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها: إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ يعني بالنبوة وغير ذلك مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني الغرق أو تعذيب فرعون وإذلاله لهم وَنَصَرْناهُمْ الضمير يعود على موسى وهارون وقومها وقيل: على موسى وهارون خاصة، وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم، وهذا ضعيف وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ يعني: التوراة ومعنى المستبين البين، وفي هذه الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان وهو الترصيع.
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلياس من ذرية هارون وقيل إنه إدريس، وقد أخطأ من
— 196 —
قال: إنه إلياس المذكور في أجداد النبيّ صلى الله عليه وسلم
أَتَدْعُونَ بَعْلًا «١» البعل في اللغة الرب بلغة أهل اليمن، وقيل: بعل اسم صنم يقال له بعلبك سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ آل هنا على هذه القراءة «٢» بمعنى أهل ياسين اسم لإلياس، وقيل: لأبيه، وقيل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقرئ إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة على هذا جمع إلياس، أو منسوب لإلياس حذفت منه الياء كما حذفت من أعجمين، وقيل سمى كل واحد من آل ياسين إلياس ثم جمعهم وقيل هو لغة في إلياس عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ قد ذكر.
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
قد ذكرنا قصته في يونس و [الأنبياء: ٨٧] إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
أي هرب إلى السفينة والفلك هنا واحد والمشحون المملوء، وسبب هروبه غضبه على قومه حين لم يؤمنوا، وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
معنى ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجة، وسبب مقارعته أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تجر، فقالوا: إنما وقفت من حدث أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ أي فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ تسبيحه هو قوله: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، حسبما حكى الله عنه في الأنبياء وقيل: هو قوله سبحان الله وقيل: هو الصلاة، واختلف على هذا هل يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ذلك، واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل: ساعة وقيل: ثلاثة أيام وقيل: سبعة أيام وقيل: أربعون يوما فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ العراء الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل، وقيل يعني الساحل وَهُوَ سَقِيمٌ روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم.
(١). الله ربكم وربّ: قرأ نافع وآخرون بالرفع: الله ربكم وربّ. وحفص قرأ بالفتح.
(٢). قرأ نافع وابن عامر: آل ياسين وقرأ الباقون: إلياسين.
وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ أي أنبتناها فوقه لتظله وتقيه حر الشمس، واليقطين، القرع وإنما خصه الله به لأنه يجمع برد الظل ولين اللمس وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه، فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب، وقيل: اليقطين كل شجرة لا ساق لها كالبقول والقرع والبطيخ، والأول أشهر وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ يعني رسالته الأولى التي أبق بعدها وقيل: هذه رسالة ثانية بعد خروجه من بطن الحوت والأول أشهر أَوْ يَزِيدُونَ قيل: أو هنا بمعنى بل، وقرأ ابن عباس، بل يزيدون، وقيل هي بمعنى الواو وقيل: هي للإبهام وقيل: المعنى أن البشر إذا نظر إليهم يتردد فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون واختلف في عددهم فقيل: مائة وعشرون ألفا وقيل: مائة وثلاثون ألفا وقيل: مائة وأربعون ألفا وقيل: مائة وسبعون ألفا فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا فرفع الله العذاب عنهم إلى حين:
يعني لانقضاء آجالهم وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة أسقطناها لضعف صحتها.
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ قال الزمخشري: إن هذا معطوف على قوله فَاسْتَفْتِهِمْ الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما، والضمير المفعول لقريش وسائر الكفار أي أسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى، ثم قررهم على ما زعموا من أن الملائكة إناث وردّ عليهم بقوله: وهم شاهدون، ويحتمل أن يكون بمعنى الشهادة، أو بمعنى الحضور أى أنهم لم يحضروا ذلك ولم يعلموه، ثم أخبر عن كذبهم في قولهم: ولد الله، ثم قررهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات وذلك كله ردّ عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله عن أقوالهم علوا كبيرا أَصْطَفَى دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل (مالكم) هذا استفهام معناه التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء والمجرور بعدها خبرها، فينبغي الوقف على قوله مالكم أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ أي برهان بين فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ
تعجيز لهم لأنهم ليس لهم كتاب يحتجون به
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الضمير في جعلوا لكفار العرب، وفي معنى الآية قولان: أحدهما أن الجنّة هنا الملائكة وسميت بهذا الاسم لأنه مشتق من الاجتنان وهو الاستتار، والملائكة مستورين عن أعين بني آدم كالجن، والنسب الذي جعلوه بينهم وبين الله قولهم: إنهم بنات الله، والقول الثاني أن الجن هنا الشياطين، وفي النسب الذي جعلوه بينه وبينهم أن بعض الكفار قالوا: إن الله والشياطين أخوان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ من قال: إن الجن الملائكة فالضمير في قوله إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ يعود على الكفار أي قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب ومن قال: إن الجن الشياطين فالضمير يعود عليهم أي قد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع من المحضرين أو من الفاعل في يصفون والمعنى: لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في العذاب، أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ هذا خطاب للكفار والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى فاتنين مضلين والضمير في عليه يعود على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل ومن هو مفعول بفاتنين والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحدا إلا من قضى الله أنه يصلى الجحيم، أي لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله وقال الزمخشري: الضمير في عليه يعود على الله تعالى.
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ هذا حكاية كلام الملائكة عليهم السلام، تقديره: ما منا ملك إلا وله مقام معلوم، وحذف الموصوف لفهم الكلام، والمقام المعلوم: يحتمل أن يراد به المكان الذي يقومون فيه، لأن منهم من هو في السماء الدنيا، وفي الثانية، وفي السموات، وحيث شاء الله، ويحتمل أن يراد به المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أي الواقفون في العبادة صفوفا، ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم ليقتدوا بالملائكة، وليس أحد من أهل الملل يصلون صفوفا إلا المسلمون وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ قيل: معناه المصلون، لأن الصلاة يقال لها تسبيح، وقيل: معناه القائلون سبحان الله، وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال:
إنهم بنات الله وشركاء له، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له، ويدل هذا الكلام أيضا على أن المراد بالجن قبل هذا الملائكة، وقيل: إنه هذا كله من كلام سيدنا محمد ﷺ وكلام المسلمين، والأول أشهر وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ الضمير لكفار قريش وسائر العرب، والمعنى أنهم كانوا قبل بعث محمد ﷺ يقولون: أو أرسل الله إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا لكنا عباد الله المخلصين فَكَفَرُوا بِهِ الضمير للذكر، أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم له ذكر فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تهديد ووعيد لهم على كفرهم.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ المعنى سبق القضاء بأن
— 199 —
المرسلين منصورون على أعدائهم إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
هذا النصر والغلبة بظهور الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في القتال، وبالسعادة في الآخرة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أي أعرض عنهم، وذلك موادعة منسوخة بالسيف، والحين هنا يراد به يوم بدر، وقيل: حضور آجالهم، وقيل: يوم القيامة وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ هذا وعد للنبي ﷺ ووعيد لهم أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ إشارة إلى قولهم متى هذا الوعد؟ وأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ الساحة: الفناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محظور وسوء فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ الصباح مستعمل في ورود الغارات والرزايا، ومقصد الآية التهديد بعذاب يحل بهم بعد أن أنذروا، فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيل بقوم أنذرهم ناصح بأن جيشا يحل بهم فلم يقبلوا نصحه، حتى جاءهم الجيش وأهلكهم وَأَبْصِرْ كرر الأمر بالتولي عنهم والوعد والوعيد على وجه التأكيد، وقيل: أراد بالوعيد الأول عذاب الدنيا، وبالثاني عذاب الآخرة، فإن قيل: لم قال أولا أبصرهم، وقال هنا: أبصر، فحذف الضمير المفعول؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا فحذفه اقتصارا، والآخر أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدم وغيرهم كأنه قال: أبصر جميع الكفار بخلاف الأول، فإنه من قريش خاصة.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ نزه الله تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالا كثيرة شنيعة، والعزة إن أراد بها عزة الله: فمعنى رب العزة، ذو العزة وأضافها إليه لاختصاصه بها، وإن أراد بها عزة الأنبياء والمؤمنين: فمعنى رب العزة مالكها وخالقها، ومن هذا قال محمد بن سحنون: من حلف بعزة الله، فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزة التي أعطى عباده فليست بيمين، ثم ختم هذه السورة بالسلام على المرسلين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فأما السلام على المرسلين فيحتمل أن يريد التحية أو سلامتهم من أعدائهم، ويكون ذلك تكميلا لقوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وأما الحمد لله، فيحتمل أن يريد به الحمد لله على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك، ويحتمل أن يريد الحمد لله على الإطلاق.
— 200 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

11 مقطع من التفسير