تفسير سورة سورة الحشر
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
٢ كلمة "به" ساقطة من هـ..
[الجزء الثامن عشر]
[تفسير سورة الحشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة الحشر مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهِيَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ سورة الحشر لم يبق شي مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْهَوَامِ وَالرِّيحِ وَالسَّحَابِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَالشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْمَلَائِكَةِ إِلَّا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا (. خَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَخَرَّجَ الثَّعَالِبِيُّ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ آخِرَ سُورَةِ «١» الْحَشْرِ لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: ٢١]- إِلَى آخِرِهَا- فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ «٢» سَبْعِينَ الْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يُمْسِي فَكَذَلِكَ (. قَالَ: حديث حسن غريب.[سورة الحشر (٥٩): آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)١ تقدم «٣».
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)(٢). كلمة" به" ساقطة من هـ.
(٣). راجع ج ١٧ ص ٢٣٥.
(٢). ما بين المربعين ساقط من هـ.
وَخَرَّبْتُهُ وَأَفْرَحْتُهُ وَفَرَّحْتُهُ. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الْأُولَى. قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يُخَرِّبُونَ مِنْ خَارِجٍ لِيَدْخُلُوا، وَالْيَهُودُ يُخَرِّبُونَ مِنْ دَاخِلٍ لِيَبْنُوا بِهِ مَا خَرِبَ مِنْ حِصْنِهِمْ. فَرُوِيَ أَنَّهُمْ صَالَحُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلَّا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالُوا: هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نُعِتَ «٢» فِي التَّوْرَاةِ، فَلَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ. فَلَمَّا هُزِمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتَابُوا وَنَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَحَالَفُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً ثُمَّ صَبَّحَهُمْ بِالْكَتَائِبِ، فَقَالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ. فَقَالُوا: الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ، فَتَنَادَوْا بِالْحَرْبِ. وَقِيلَ: اسْتَمْهَلُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، فدس إليهم عبد الله ابن أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ وَأَصْحَابُهُ لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْحِصْنِ، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولين أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ. فَدُرِّبُوا عَلَى الْأَزِقَّةِ وَحَصَّنُوهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَأَيِسُوا مِنْ نَصْرِ الْمُنَافِقِينَ طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الْجَلَاءَ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمَّا صَالَحَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ، كَانُوا يَسْتَحْسِنُونَ الْخَشَبَةَ وَالْعَمُودَ «٣» فَيَهْدِمُونَ بُيُوتَهُمْ وَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلَى إِبِلِهِمْ وَيُخَرِّبُ الْمُؤْمِنُونَ بَاقِيهَا. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا: كَانُوا يُخَرِّبُونَهَا لِئَلَّا يَسْكُنَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا كُلَّمَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِهِمْ هَدَمُوهَا لِيَتَّسِعَ مَوْضِعُ الْقِتَالِ، وَهُمْ يَنْقُبُونَ دُورَهُمْ مِنْ أَدْبَارِهَا إِلَى الَّتِي بَعْدَهَا لِيَتَحَصَّنُوا فِيهَا، ويرموا
(٢). في ح، هـ:" الذي بعث الله في التوراة".
(٣). في: هـ:" أو العمود" بزيادة لفظ" أو".
الأولى- قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم﴾، قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة الحشر ؟ قال : قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد ﷺ، وكان من أمورهم ما نص الله عليه.
الثانية- ﴿لأول الحشر﴾ الحشر الجمع، وهو على أربعة أوجه : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ قال الزهري : كانوا من سبط(١) لم يصبهم جلاء، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا(٢) وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس وعكرمة : من شك أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأن النبي ﷺ قال لهم :( اخرجوا ) قالوا إلى أين ؟ قال :( إلى أرض المحشر ). قال قتادة : هذا أول المحشر. قال ابن عباس : هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره، وقيل : إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى " لأول الحشر " إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعات. وقيل تيماء وأريحاء، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف. وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة )، ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال : قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم ؟ فقال لي : الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال : وأجلى رسول الله ﷺ اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه، فاستحلهم بذلك. قال ابن العربي : للحشر أول ووسط وآخر، فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن : هم بنو قريظة. وخالفه بقية المفسرين وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبي.
الثالثة- قال الكيا الطبري : ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجور الآن، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم.
قوله تعالى :﴿ما ظننتم أن يخرجوا﴾ يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم(٣). " وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم " قيل : هي الوطيح والنَّطاة والسلالم والكتيبة. " من الله " أي من أمره. وكانوا أهل حلقة - أي سلاح كثير - وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها. " فأتاهم الله " أي أمره وعذابه. " من حيث لم يحتسبوا.
أي لم يظنوا. وقيل : من حيث لم يعلموا. وقيل :" من حيث لم يحتسبوا " بقتل كعب بن الأشرف، قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح. " وقذف في قلوبهم الرعب " بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي قتله هو محمد بن مسلمة وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال :( نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر ) فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير. وهذه خصيصة لمحمد ﷺ دون غيره.
قوله تعالى :" يخربون بيوتهم " قراءة العامة بالتخفيف من أخرب، أي يهدمون. وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو " يخربون " بالتشديد من التخريب. قال أبو عمرو : إنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم، يؤيده قوله تعالى :" بأيديهم وأيدي المؤمنين ". وقال آخرون : التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير. وحكى سيبويه : أن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان، نحو أخربته(٤) وخربته وأفرحته وفرحته. واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى. قال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم، فروي أنهم صالحوا رسول الله ﷺ على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعت(٥) في التوراة، فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، فخالفوا عليه قريشا عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة ثم صبحهم بالكتاب، فقال لهم : اخرجوا من المدينة، فقالوا : الموت أحب إلينا من ذلك، فتنادوا بالحرب. وقيل : استمهلوا رسول الله ﷺ عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبدالله بن أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فَدُرِّبُوا على الأزقة وحصنوها إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على ما يأتي بيانه.
وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي ﷺ على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة والعمود(٦) فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها، وعن ابن زيد أيضا : كانوا يخربونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس : كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصنوا فيها، ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل : ليسدوا بها أزقتهم. وقال عكرمة " بأيديهم " في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. و " أيدي المؤمنين " في إخراب(٧) ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم. قال عكرمة : كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها " فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج. وقيل :" يخربون بيوتهم " بنقض المواعدة " وأيدي المؤمنين " بالمقاتلة، قاله الزهري أيضا. وقال أبو عمرو بن العلاء " بأيديهم " في تركهم لها. و " أيدي المؤمنين " في إجلائهم عنها. قال ابن العربي : التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا، إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء.
قوله تعالى :" فاعتبروا يا أولي الأبصار " أي اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب. وقيل : يا من عاين ذلك ببصره، فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه : أنه سلط عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضا : أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة :" السعيد من وعظ بغيره ".
٢ ما بين المربعين ساقط من هـ..
٣ ما بين المربعين ساقط من هـ..
٤ في هـ: "أحزنته وحزنته"..
٥ في ح، هـ: "الذي بعث الله في التوراة"..
٦ في هـ: "أو العمود" بزيادة لفظ "أو"..
٧ ما بين المربعين ساقط من هـ..
[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٣ الى ٤]
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) أَيْ لَوْلَا أَنَّهُ قَضَى أَنَّهُ سَيُجْلِيهِمْ عَنْ دَارِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ مُدَّةً فَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ وَيُولَدُ لَهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ. (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) أَيْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ كَمَا فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. وَالْجَلَاءُ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ يُقَالُ: جَلَا بِنَفْسِهِ جَلَاءً، وَأَجْلَاهُ غَيْرُهُ إِجْلَاءً. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَلَاءِ وَالْإِخْرَاجِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا فِي الْإِبْعَادِ وَاحِدًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّ الْجَلَاءَ مَا كَانَ مَعَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَالْإِخْرَاجُ قد يكون مع بقاء
[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]
مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) مَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِ قَطَعْتُمْ، كأنه قال: أي شي قَطَعْتُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ عَلَى حُصُونِ بَنِي النَّضِيرِ- وهي البؤيرة- حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَإِحْرَاقِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ ذَلِكَ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهُمْ قَطَعُوا مِنْ نَخِيلِهِمْ وَأَحْرَقُوا سِتَّ نَخَلَاتٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّهُمْ قَطَعُوا نَخْلَةً وَأَحْرَقُوا نَخْلَةً. وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ إِقْرَارِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوِ بِأَمْرِهِ، إِمَّا لِإِضْعَافِهِمْ بها و «٢» إما لِسَعَةِ الْمَكَانِ بِقَطْعِهَا. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا- وَهُمْ يَهُودُ أَهْلِ الْكِتَابِ-: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الصَّلَاحَ، أَفَمِنَ الصَّلَاحِ قطع الخل وَحَرْقُ الشَّجَرِ؟ وَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِبَاحَةَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَجَدَ الْمُؤْمِنُونَ «٣» فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَقْطَعُوا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْطَعُوا لِنَغِيظَهُمْ بِذَلِكَ. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنِ الْقَطْعِ وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَ مِنَ الْإِثْمِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ قَطْعَهُ وَتَرْكَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَقَالَ شَاعِرُهُمْ سِمَاكٌ الْيَهُودِيُّ فِي ذَلِكَ:
(٢). في ح، هـ:" أو لسعة".
(٣). في ح، س، هـ:" المسلمون".
| أَلَسْنَا وَرِثْنَا الْكِتَابَ الْحَكِيمَ | عَلَى عَهْدِ مُوسَى ولم نصدف |
| وأنتم رعاء الشاء عِجَافٍ | بِسَهْلِ تِهَامَةَ وَالْأَخْيَفِ |
| تَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدًا لَكُمْ | لَدَى كُلِّ دَهْرٍ لَكُمْ مُجْحِفِ |
| فَيَا أَيُّهَا الشَّاهِدُونَ انْتَهُوا | عَنِ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُؤْنِفِ |
| لَعَلَّ اللَّيَالِي وَصَرْفَ الدُّهُورْ | يُدِلْنَ مَنِ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ |
| بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا «١» | وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُقْطِفِ |
| تَفَاقَدَ «٢» مَعْشَرٌ نصروا قريشا | وليس لهم ببلدتهم نصير |
| همو أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ | وَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ |
| كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أَبَيْتُمْ «٣» | بِتَصْدِيقِ الَّذِي قال النذير |
| وهان على سراة بني لوي | حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ |
| أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ | وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا «٤» السَّعِيرُ |
| سَتَعْلَمُ أينا منها بنزه | ونعلم أَيَّ أَرْضَيْنَا تَصِيرُ |
| فَلَوْ كَانَ النَّخِيلُ بِهَا رِكَابًا | لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا |
(٢). في سيرة ابن هشام:" تعاهد".
(٣). في السيرة:" أتيتم".
(٤). في السيرة:" في طرائقها".
| وهان على سراة بني لوي | حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ |
| قَدْ شَجَانِي الْحَمَامُ حِينَ تَغَنَّى | بِفِرَاقِ الْأَحْبَابِ مِنْ فَوْقٍ لِينَهْ |
| غَرَسُوا لِينَهَا بِمَجْرَى مَعِينٍ | ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بِالْآجَامِ «٣» |
| طِرَاقُ الْخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ | نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ |
| وَسَالِفَةٌ كَسَحُوقِ اللِّيَا | نِ أَضْرَمَ فيها الغوي السعر |
(٢). الوصيف: الخادم، غلاما كان أو جارية.
(٣). في ح، س، هـ:" بالأكمام".
[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ الى ٧]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) هَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ شَدِيدُ الْعِقابِ «١» فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَفاءَ اللَّهُ يَعْنِي مَا رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ أَوْضَعْتُمْ عَلَيْهِ. وَالْإِيجَافُ: الْإِيضَاعُ فِي السَّيْرِ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، يُقَالُ: وَجَفَ الْفَرَسُ إِذَا أَسْرَعَ، وَأَوْجَفْتُهُ أَنَا أَيْ حَرَّكْتُهُ وَأَتْعَبْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:
| مَذَاوِيدُ بِالْبِيضِ الْحَدِيثِ صِقَالُهَا | عَنِ الرَّكْبِ أَحْيَانًا إِذَا الرَّكْبُ أَوْجَفُوا |
ذِكْرِ حُصُولِهِ بِقِتَالٍ أَوْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَنَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ هَاهُنَا، فَمِنْ طَائِفَةٍ قَالَتْ: هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْأُولَى، وَهُوَ مَالُ الصُّلْحِ كله ونحوه.
(٢). المتأثل: الجامع.
(٢). في ز، ل:" هي النضير".
(٣). في ح، ز، س، ط، هـ:" وهو أقوى منا من القول... ".
(٤). راجع ج ٨ ص ٦٧.
(٢). راجع ج ١٤ ص ٢٠٥.
(٣). راجع ج ٧ ص ١٩٥.
لك المرباع منها والصفايا «١»
| لَكَ الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا | وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ |
(٢). المتنمصات:) جمع متنمصة) وهى التي تنتف الشعر من وجهها. والمتفلجات: (جمع متفلجة) وهى التي تتكلف أن تفرق بين منها من الثنايا والرباعيات.
(٣). راجع ج ٥ ص ٢٥٩ وص ٣٩٢.
| لَكَ الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا | وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ |
[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)أَيِ الْفَيْءُ وَالْغَنَائِمُ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ. وَقِيلَ: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ. وَقِيلَ: هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَلَمَّا ذُكِرُوا بِأَصْنَافِهِمْ قِيلَ الْمَالُ لِهَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ وَمُهَاجِرُونَ وَقَدْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ. وَقِيلَ: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ لِكَيْلَا يَكُونَ الْمَالُ دُولَةً لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ بَنِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْمُهَاجِرِينَ، أَيْ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْكُفَّارِ بِسَبَبِ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَمِنْ أَجْلِهِمْ. وَدَخَلَ فِي هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى. وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا مَضَى، وَلَمْ يَأْتِ بِوَاوِ الْعَطْفِ كَقَوْلِكَ: هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ لِبَكْرٍ لِفُلَانٍ لِفُلَانٍ. وَالْمُهَاجِرُونَ هُنَا: مَنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبًّا فِيهِ وَنُصْرَةً لَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ تَرَكُوا الدِّيَارَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَهْلِينَ وَالْأَوْطَانَ حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَعْصِبُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ لِيُقِيمَ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الْجُوعِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الْحَفِيرَةَ فِي الشِّتَاءِ
[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) لَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ هُمُ الْأَنْصَارُ الَّذِينَ اسْتَوْطَنُوا الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا. وَالْإِيمانَ نُصِبَ بِفِعْلٍ غَيْرِ تَبَوَّأَ، لِأَنَّ التَّبَوُّءَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمَاكِنِ. ومِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ صِلَةِ تَبَوَّأَ وَالْمَعْنَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ مِنْ قِبَلِ الْمُهَاجِرِينَ وَاعْتَقَدُوا الايمان وأخلصوه، لان الايمان
نَصِيبُهُ مِنْهَا لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ دَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمْ: تَثَبَّتُوا الْأَمْرَ وَتَدَبَّرُوهُ ثُمَّ اغْدُوَا عَلَيَّ. فَفَكَّرَ فِي لَيْلَتِهِ فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ أُنْزِلَتْ. فَلَمَّا غَدَوْا عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ مَرَرْتُ الْبَارِحَةَ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِي سُورَةِ" الْحَشْرِ" وَتَلَا مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى - إِلَى قَوْلِهِ- لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] قَالَ: مَا هِيَ لِهَؤُلَاءِ فَقَطْ. وَتَلَا قَوْلَهُ: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ- إلى قوله- رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠] ثُمَّ قَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ- رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَوْلَا مَنْ يَأْتِي مِنْ آخِرُ النَّاسِ مَا فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ. وَفِي الرِّوَايَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ مِنَ الطُّرُقِ الْكَثِيرَةِ: أَنَّ عُمَرَ أَبْقَى سَوَادَ «٢» الْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَنَائِمِ، لِتَكُونَ مِنْ أَعْطِيَاتِ الْمُقَاتِلَةِ وَأَرْزَاقِ الْحِشْوَةِ وَالذَّرَارِيِّ، وَأَنَّ الزُّبَيْرَ وَبِلَالًا وَغَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرَادُوهُ عَلَى قَسْمِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَاخْتُلِفَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ أَهْلِ الْجَيْشِ، فَمَنْ رَضِيَ لَهُ بِتَرْكِ حَظِّهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لِيُبْقِيَهُ لِلْمُسْلِمِينَ قِلَّةً. وَمَنْ أَبَى أَعْطَاهُ ثَمَنَ حَظِّهِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَبْقَى الْأَرْضَ بَعْدَ اسْتِطَابَةِ أَنْفُسِ الْقَوْمِ جَعَلَ فِعْلَهُ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ قَسَمَ خَيْبَرَ، لِأَنَّ اشْتِرَاءَهُ إِيَّاهَا وَتَرْكَ مَنْ تَرَكَ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ قَسْمِهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَبْقَاهَا بغير شي أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه
(٢). سواد البلدة: ما حولها من الريف والقرى.
(٢). في ح، س:" وعلى هذا يجئ".
| (أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هَذَا رَحِمَهُ اللَّهُ)؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ | ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَذَكَرَ فِيهِ نُزُولَ الْآيَةِ. وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ هَذَا نَزَلَ فِي ثابت بن قيس ورجل |
(٢). علله بكذا: شغله ولهاه به.
(٣). أي عظم ذلك عنده وكبر عليه، وإطلاق العجب على الله مجاز، لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء.
(٢). راجع ج ٢ ص ٢٤٣.
وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ «١»
وَمِنْ عِبَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ الرَّشِيقَةِ فِي حَدِّ الْمَحَبَّةِ: أَنَّهَا الْإِيثَارُ، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ لَمَّا تَنَاهَتْ فِي حُبِّهَا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، آثَرَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا فَقَالَتْ: أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَأَفْضَلُ الجود بالنفس الجوة عَلَى حِمَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ لِيَرَى الْقَوْمَ. فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُشْرِفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يُصِيبُونَكَ! نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُلَّتْ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ الْعَدَوِيُّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لي- ومعي شي مِنَ الْمَاءِ- وَأَنَا أَقُولُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَسْقِيكَ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهْ! آهْ! فَأَشَارَ إِلَيَّ ابْنُ عَمِّي أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ فَقُلْتُ: أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ. فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ: آهْ! آهْ! فَأَشَارَ هِشَامٌ أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ فَجِئْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ. فَرَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ. فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ. وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ: مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ! قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ لِي: يَا با يَزِيدَ، مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إِنْ وجدنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا.
تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها
يقول: تجود بنفسك في الحرب إذ أنت الضنين بها في الذم. ويروى:
يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها
| أَمَّا الرَّبِيعُ إِذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ | عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وَأَثْرَى الْمُقْتَرُ |
| تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُمِرَّتْ | عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مُهِينَا «٢» |
(٢). في شرح التبريزي:" اللحز: الضيق البخيل. وقيل: هو السيئ الخلق اللئيم. وقوله: إذا أمرت عليه. أي أديرت، والمعنى: أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله، يقال: فلا مهين لماله، إذا كان سخيا. وفلان معز لماله، إذا كان بخيلا".
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) يَعْنِي التَّابِعِينَ وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي ليلى: الناس ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ: الْمُهَاجِرُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ. فَاجْهَدْ أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنْ شَمْسًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَكُنْ قَمَرًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَكُنْ كَوْكَبًا مُضِيئًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَكُنْ كَوْكَبًا صَغِيرًا، وَمِنْ جِهَةِ النُّورِ لَا تَنْقَطِعُ. وَمَعْنَى هَذَا: كُنْ مُهَاجِرِيًّا. فَإِنْ قُلْتَ: لَا أَجِدُ، فَكُنْ أَنْصَارِيًّا. فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَاعْمَلْ كَأَعْمَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَحِبَّهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ. وَرَوَى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ، فَمَضَتْ مَنْزِلَتَانِ وَبَقِيَتْ مَنْزِلَةٌ، فَأَحْسَنُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ. وَعَنْ جعفر بن محمد ابن عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي أَنْتَ مِنْ قَوْمٍ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الْآيَةَ. قَالَ لَا! قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْآيَةِ «١» فَأَنْتَ مِنْ قَوْمٍ قَالَ الله فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الْآيَةَ. قَالَ لَا قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ لَتَخْرُجَنَّ مِنَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الْآيَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ محمد ابن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا إِلَيْهِ، فَسَبُّوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ثُمَّ عُثْمَانَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَكْثَرُوا، فَقَالَ لَهُمْ: أَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا لَا. فَقَالَ: أَفَمِنَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والايمان من
(٢). في صحيح مسلم:" أنا قد رأينا... ".
[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)[سورة الحشر (٥٩): آية ١٢]
لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)قَوْلُهُ تَعَالَى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ أَيْ مُنْهَزِمِينَ. ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ قِيلَ: مَعْنَى لَا يَنْصُرُونَهُمْ طَائِعِينَ. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ مُكْرَهِينَ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يَنْصُرُونَهُمْ لَا يَدُومُونَ عَلَى نَصْرِهِمْ. هَذَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ مُتَّفِقَانِ. وَقِيلَ: إِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالْمَعْنَى لَئِنْ أُخْرِجَ الْيَهُودُ لَا يَخْرُجُ مَعَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، ولين قوتلوا لا ينصرونهم. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولين نَصَرَ الْيَهُودُ الْمُنَافِقِينَ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ. وَقِيلَ: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ أَيْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إِنْ أُخْرِجُوا. وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ أَيْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ فَأَخْبَرَ عَمَّا قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَ؟ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا «٢» عَنْهُ [الانعام: ٢٨]. وقيل: معنى وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولين شِئْنَا أَنْ يَنْصُرُوهُمْ زَيَّنَّا ذَلِكَ لَهُمْ. لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ.
(٢). راجع ج ٦ ص ٤١٠.
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَأَنْتُمْ) يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (أَشَدُّ رَهْبَةً) أَيْ خَوْفًا وَخَشْيَةً (فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) يَعْنِي صُدُورَ بَنِي النَّضِيرِ. وَقِيلَ: فِي صُدُورِ الْمُنَافِقِينَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنْ رَبِّهِمْ ذَلِكَ الْخَوْفُ. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) أَيْ لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]
لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً) يَعْنِي الْيَهُودَ (إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) أَيْ بِالْحِيطَانِ وَالدُّورِ، يَظُنُّونَ أَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْكُمْ. (أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) أَيْ مِنْ خَلْفِ حِيطَانٍ يَسْتَتِرُونَ بِهَا لِجُبْنِهِمْ وَرَهْبَتِهِمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ جُدُرٍ عَلَى الْجَمْعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ وَذَلِكَ جَمْعٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍو" جِدَارٍ" عَلَى التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمْعِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ" جَدْرٍ" (بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِّ)، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِنْ وَرَاءِ نَخِيلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، يُقَالُ: أَجْدَرَ النَّخْلُ إِذَا طَلَعَتْ رُءُوسُهُ فِي أول الربيع. والجدر: نبت واحدته جدره. وقرى" جُدْرٌ" (بِضَمِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ) جَمْعُ الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ فِي الْوَاحِدِ كَأَلِفِ كِتَابٍ، وَفِي الْجَمْعِ كَأَلِفِ ظِرَافٍ. وَمِثْلُهُ نَاقَةٌ هِجَانٌ وَنُوقٌ هِجَانٌ، لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّثْنِيَةِ: هِجَانَانِ، فَصَارَ لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ مُشْتَبِهَيْنِ فِي اللَّفْظِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَعْنَى، قَالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ.
قوله تعالى :﴿بأسهم بينهم شديد﴾ يعني عداوة بعضهم لبعض. وقال مجاهد :﴿بأسهم بينهم شديد﴾ أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. وقيل :﴿بأسهم بينهم شديد﴾ أي إذا لم يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لقوا العدو انهزموا. ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾يعني اليهود والمنافقين، قاله مجاهد. وعنه أيضا يعني المنافقين. الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة :" تحسبهم جميعا " أي مجتمعين على أمر ورأي. " وقلوبهم شتى " متفرقة. فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضا : أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا ليقوي أنفس المؤمنين عليهم. وقال الشاعر :
| إلى الله أشكو نِيَّةً شَقَّتِ العَصَا | هي اليوم شَتَّى وهي أمس جُمَّعُ |
| إِلَى اللَّهِ أَشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ الْعَصَا | هِيَ الْيَوْمَ شَتَّى وَهِيَ أَمَسُّ جُمَّعُ |
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِهِ قَيْنُقَاعَ، أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ، أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ قُرَيْظَةَ. مُجَاهِدٌ: يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ انْتَقَمَ مِنْهُ عَلَى كُفْرِهِ قبل بني الضير مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَعْنَى وَبالَ جَزَاءُ كُفْرِهِمْ. وَمَنْ قَالَ: هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، جَعَلَ وَبالَ أَمْرِهِمْ نُزُولَهُمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ. وَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ بَنُو النَّضِيرِ قَالَ: وَبالَ أَمْرِهِمْ الْجَلَاءُ وَالنَّفْيُ. وَكَانَ بَيْنَ النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ سَنَتَانِ. وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: قَرِيباً وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أحد. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» في الآخرة.
[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٦ الى ١٧]
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) هَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ فِي تَخَاذُلِهِمْ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ فِي نُصْرَتِهِمْ. وَحُذِفَ حَرْفُ الْعَطْفِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَكَمَثَلِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ عَاقِلٌ أَنْتَ كَرِيمٌ أَنْتَ عَالِمٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ اكْفُرْ، رَاهِبٌ تُرِكَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ أَصَابَهَا لَمَمٌ لِيَدْعُوَ لَهَا، فَزَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ، ثُمَّ قَتَلَهَا خَوْفًا أَنْ يَفْتَضِحَ، فَدَلَّ الشَّيْطَانُ قَوْمَهَا عَلَى مَوْضِعِهَا، فَجَاءُوا فَاسْتَنْزَلُوا الرَّاهِبَ لِيَقْتُلُوهُ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَوَعَدَهُ أَنَّهُ إِنْ سَجَدَ لَهُ أَنْجَاهُ مِنْهُمْ، فَسَجَدَ لَهُ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَأَسْلَمَهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَ خَبَرَهُ مُطَوَّلًا ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَلَفْظُهُمَا مُخْتَلِفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ: كَانَ رَاهِبٌ فِي الْفَتْرَةِ يُقَالُ لَهُ: بِرْصِيصَا، قَدْ تَعَبَّدَ فِي صَوْمَعَتِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى أَعْيَا إِبْلِيسَ، فَجَمَعَ إِبْلِيسُ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ فَقَالَ: أَلَا أَجِدُ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفِينِي أَمْرَ بِرْصِيصَا؟ فَقَالَ الْأَبْيَضُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَصَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ جِبْرِيلَ لِيُوَسْوِسَ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْوَحْيِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَدَخَلَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ دَفَعَهُ بِيَدِهِ حَتَّى وَقَعَ بِأَقْصَى الْهِنْدِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «١» [التكوير: ٢٠] فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكَهُ، فَانْطَلَقَ فَتَزَيَّا بِزِيِّ الرُّهْبَانِ، وَحَلَقَ وَسَطَ رَأْسِهِ حَتَّى أَتَى صَوْمَعَةَ بِرْصِيصَا فَنَادَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَكَانَ لَا يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وكان يواصل العشرة
قوله- جَزاءُ الظَّالِمِينَ.
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)(٢). في أ:" وعدهم".
(٣). راجع ج ٨ ص ٢٦.
وإن غدا للناظرين قَرِيبُ «١»
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: قَرَّبَ السَّاعَةَ حَتَّى جَعَلَهَا كَغَدٍ. وَلَا شَكَ أَنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبُ، وَالْمَوْتَ لَا مَحَالَةَ آتٍ. وَمَعْنَى مَا قَدَّمَتْ يَعْنِي مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أَعَادَ هَذَا تَكْرِيرًا، كَقَوْلِكَ: اعْجَلِ اعْجَلِ، ارْمِ ارْمِ. وَقِيلَ التَّقْوَى الْأُولَى التَّوْبَةُ فِيمَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّقَاءُ الْمَعَاصِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ بِمَا يَكُونُ مِنْكُمْ. والله اعلم.
[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أَيْ تَرَكُوا أَمْرَهُ (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أن يعلموا لَهَا خَيْرًا، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقِيلَ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَأَنْسَاهُمْ حَقَّ أَنْفُسِهِمْ، قَالَهُ سُفْيَانُ. وَقِيلَ: نَسُوا اللَّهَ بِتَرْكِ شُكْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ. فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْعَذَابِ أَنْ يُذَكِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نَسُوا اللَّهَ عِنْدَ الذُّنُوبِ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
عِنْدَ التَّوْبَةِ. وَنَسَبَ تَعَالَى الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ فِي فَأَنْساهُمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الَّذِي تَرَكُوهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَجَدَهُمْ تَارِكِينَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، كَقَوْلِكَ: أَحْمَدْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا. وَقِيلَ: نَسُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ. (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْعَاصُونَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْكَاذِبُونَ. وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ، أَيِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
| فإن بك صدر هذا اليوم ولى | فإن غدا لناظره قريب |
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]
لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)٢ راجع جـ ١٤ ص ١٠٥..
٣ راجع جـ ١٥ ص ١٠١..
٤ جملة "والحمد لله" ساقطة من أ..
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)٢١ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً) حَثَّ عَلَى تَأَمُّلِ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ فِي تَرْكِ التَّدَبُّرِ، فَإِنَّهُ لَوْ خُوطِبَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْجِبَالُ مَعَ تَرْكِيبِ الْعَقْلِ فِيهَا لَانْقَادَتْ لِمَوَاعِظِهِ، وَلَرَأَيْتَهَا عَلَى صَلَابَتِهَا وَرَزَانَتِهَا خَاشِعَةً مُتَصَدِّعَةً، أَيْ مُتَشَقِّقَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَالْخَاشِعُ: الذَّلِيلُ. وَالْمُتَصَدِّعُ: الْمُتَشَقِّقُ. وَقِيلَ: خاشِعاً لِلَّهِ بِمَا كَلَّفَهُ مِنْ طَاعَتِهِ. مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَنْ يَعْصِيَهُ فَيُعَاقِبَهُ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ لِلْكُفَّارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) أَيْ أَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَخَشَعَ لِوَعْدِهِ وَتَصَدَّعَ لِوَعِيدِهِ وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمَقْهُورُونَ بِإِعْجَازِهِ لَا تَرْغَبُونَ فِي وعده، ولا ترهبون من
(٢). راجع ج ١٤ ص ١٠٥.
(٣). راجع ج ١٥ ص ١٠١.
(٤). جملة" والحمد لله" ساقطة من أ.
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَالِمُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. وَقِيلَ: مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وَقَالَ سَهْلٌ. عَالِمٌ بِالْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْغَيْبِ مَا لَمْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ وَلَا عَايَنُوهُ. وَالشَّهادَةِ مَا عَلِمُوا وَشَاهَدُوا. (هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) تقدم».
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) أَيِ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَالطَّاهِرُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ. وَالْقَدَسُ (بِالتَّحْرِيكِ): السَّطْلُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ بِهِ. وَمِنْهُ الْقَادُوسُ لِوَاحِدِ الْأَوَانِي الَّتِي يُسْتَخْرَجُ بِهَا الْمَاءُ مِنَ الْبِئْرِ بِالسَّانِيَةِ «٢». وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: قَدُّوسٌ وَسَبُّوحٌ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا. وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ سَمِعَ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ أَعْرَابِيًّا فَصِيحًا يُكْنَى أَبَا الدِّينَارِ يَقْرَأُ الْقُدُّوسُ بِفَتْحِ الْقَافِ. قال ثعلب: كل اسم على
(٢). من معنى السانية: الدلو وأدواته. والمراد هنا الأدوات إلى يستخرج بها الماء.
| وَالْمُؤْمِنُ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُهَا | رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغِيلِ وَالسَّنَدِ «٤» |
(٢). الذروح: دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهى من السموم القاتلة. [..... ]
(٣). راجع ج ٢٠ ص ٢٠٩.
(٤). العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير. والغيل: الشجر الكثير الملتف. والسند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح.
(٥). راجع ج ٤ ص ٤٠.
| سَوَامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٌ فُرُوعُهُ | وَعَالِينَ قِنْوَانًا مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا «٣» |
| عفت مئل مَا يَعْفُو الْفَصِيلُ فَأَصْبَحَتْ | بِهَا كِبْرِيَاءُ الصَّعْبِ وَهِيَ ذَلُولُ |
(٢). راجع ج ٢ ص ١٣١.
(٣). سوامق: مرتفعات. والاثيث: الملتف. والقنوان: العذق.
" السلام " أي ذو السلامة من النقائص. وقال ابن العربي : اتفق العلماء رحمة الله عليهم على أن معنى قولنا في الله " السلام " : النسبة، تقديره ذو السلامة. ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال : الأول : معناه الذي سلم من كل عيب وبريء من كل نقصى. الثاني : معناه ذو السلام، أي المسلم على عباده في الجنة، كما قال :" سلام قولا من رب رحيم " [يس: ٥٨]. الثالث : أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. قلت : وهذا قول الخطابي، وعليه والذي قبله يكون صفة فعل. وعلى أنه البريء من العيوب والنقائص يكون صفة ذات. وقيل : السلام معناه المسلم لعباده.
قوله تعالى :﴿المؤمن﴾ أي المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقيل : المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه ويؤمن عباده من ظلمه، يقال : آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف، كما قال تعالى :" وآمنهم من خوف(٤) " [قريش: ٤] فهو مؤمن، قال النابغة :
| والمؤمِن العائذاتِ الطيرَ يَمْسَحُهَا | رُكْبَانُ مكة بين الغِيل والسَّنَدِ(٥) |
﴿الجبار﴾ قال ابن عباس : هو العظيم. وجبروت الله عظمته. وهو على هذا القول صفة ذات، من قولهم : نخلة جبارة. قال امرؤ القيس :
| سوامق جبّار أثِيث فروعُه | وعالين قنواناً من البسر أحمرا(٩) |
| عَفَتْ مثلَ ما يعفو الفصيل فأصبحت | بها كبرياء الصعب وهي ذلول. |
٢ السفود: حديدة يشوي عليها اللحم، والجمع سفافيد. والكلوب: حديدة معطوفة كالخطاف. والتنور: الكانون يخبز فيه. والسمور: حيوان بري يشبه السنور يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها وخفتها وادفائها وحسنها. والشبوط: سمك رقيق الذنب عريض الوسط لين المس صغير الرأس. والجمع شبابيط..
٣ الذروح: دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهي من السموم القاتلة..
٤ راجع جـ ٢٠ ص ٢٠٩..
٥ العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير. والغيل: الشجر الكثير الملتف. والسند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح..
٦ راجع جـ ٤ ص ٤٠..
٧ راجع جـ ٦ ص ٢١٠..
٨ راجع جـ ٢ ص ١٣١..
٩ سوامق: مرتفعات. والأثيث: الملتف. والقنوان: العذق..
[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) الْخالِقُ هُنَا الْمُقَدِّرُ. والْبارِئُ الْمُنْشِئُ الْمُخْتَرِعُ. والْمُصَوِّرُ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ وَمُرَكِّبُهَا عَلَى هَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالتَّصْوِيرُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخَلْقِ وَالْبَرَايَةِ «١» وَتَابِعٌ لَهُمَا. وَمَعْنَى التَّصْوِيرِ التَّخْطِيطُ وَالتَّشْكِيلُ. وَخَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ ثَلَاثَ خِلَقٍ: جَعَلَهُ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ جَعَلَهُ صُورَةً وَهُوَ التَّشْكِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صُورَةً وَهَيْئَةً يُعْرَفُ بِهَا وَيَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِسِمَتِهَا. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
| الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فِي الْ | أَرْحَامِ مَاءً حَتَّى يَصِيرَ دَمًا |
| وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ | ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي |
(٢). راجع ج ٦ ص ٣٦٢
(٣). راجع ج ١ ص ٢٨٧ وج ٢ ص ١٣١ وج ١٠ ص ٢٦٦)
(
تم عرض جميع الآيات
21 مقطع من التفسير