تفسير سورة سورة يونس

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير القرآن العزيز

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي (ت 399 هـ)

الناشر

الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة

الطبعة

الأولى، 1423ه - 2002م

عدد الأجزاء

5

المحقق

أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز

نبذة عن الكتاب

يعتبر هذا التفسير من التفاسير المتوسطة، وهو سهل العبارة، وأيضاً صالح لأن يكون كتابًا مقروءًا في التفسير، تتكامل فيه مادته التفسيرية
هذا الكتاب اختصار لتفسير يحيى بن سلام، وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب اختصاره لهذا التفسير، وهو وجود التكرار الكثير في التفسير، يعني: أنه حذف المكرر في تفسير يحيى.
وكذلك ذكر أحاديث يقوم علم التفسير بدونها، مثل كتاب جملة من الأحاديث ليست من صلب التفسير، ولا علاقة للتفسير بها فحذفها.
ومن الأشياء المهمة جدًا في تفسير ابن أبي زمنين أنه أضاف إضافات على تفسير يحيى بن سلام، حيث رأى أن تفسير يحيى قد نقصه هذا المضاف، فذكر ما لم يفسره، فإذا وردت جمل لم يفسرها يحيى فإنه يفسرها.
كما أنه أضاف كثيراً مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، كالزجاج، ومع ذلك فلا يأخذ ممن خالف علماء السنة.
وقد ميز تفسيره وآراءه بقول: (قال محمد)؛ فنستطيع أن نعرف صلب تفسير يحيى المختصر، ونعرف زيادات ابن أبي زمنين، بخلاف هود بن المحكم، فإنه لم يذكر ما يدل على الزيادات، وصار لا بد من التتبع الذي قام به المحقق. فما ورد في التفسير قال: يحيى؛ فيكون من صلب تفسير يحيى بن سلام، وما ورد مصدرًا بعبارة (قال: محمد) فالمراد به ابن أبي زمنين .
مما امتاز به هذا التفسير:
  • هذا التفسير من التفاسير المتقدمة؛ لأن صاحبه توفي سنة (199)، وقد اعتنى واعتمد على آثار السلف.
  • امتاز هذا المختصر بأن مؤلفه من أهل السنة والجماعة، فيسلم من إشكالية ما يرتبط بالتأويلات المنحرفة.
  • امتاز هذا التفسير: بسلاسة عباراته ووضوحها.
  • امتاز بالاختصار، وما فيه من الزيادات المهمة التي زادها المختصر؛ كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر وغيرها، مثال ذلك في قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:2].
  • ومما تميز به: نقلُه لتوجيه القراءات خصوصًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام في المختصر، حيث أخذ كثيراً من تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام، لأن أبا عبيد له كتاب مستقل في القراءات، وبعض العلماء يقول: إنه أول من دون جمع القراءات.

مقدمة التفسير
تفسير سورة يونس وهي مكية كلها
آية رقم ١
قَوْله عز وَجل: ﴿الر﴾ قَالَ الْحَسَنُ: لَا أَدْرِي مَا تَفْسِير ﴿الر﴾ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السُّور وفواتحها.
﴿تِلْكَ آيَات﴾ هَذِهِ آيَاتُ ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ الْمُحْكَمِ.
﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ عَلَى الاسْتِفْهَامِ ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ عَذَابَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ فِي - الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ وَهَذَا جوابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا: ﴿إِن هَذَا لشيءٌ عُجاب﴾ إِنَّهُ لَشَيْءٌ عَجَبٌ.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْد رَبهم﴾ يَعْنِي: عَمَلا صَالِحًا يُثَابُونَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: لَهُ عِنْدِي قدم صدق. (ل ١٣٦) وَقَدَمُ سوءٍ، وَلَهُ فِي
— 243 —
هَذَا الأَمْرِ قدمٌ صَالِحَةٌ وقدمٌ حَسَنَةٌ وَكَأَنَّهُ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(لَكُمْ قدمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ فَضْلَهَا مَعَ الْحَسَبِ الْعَادِيِّ طَمَّتْ على الْبَحْر}
أَي: ارْتَفَعت.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٣) إِلَى الْآيَة (٦).
— 244 —
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: الْبَعْثَ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ فِي الْمرجع إِلَيْهِ ﴿إِنَّه يبدؤ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَيْ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يبدؤه فيحييه ﴿ليجزي﴾ لَكِي يَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ يَجْزِيهِمُ الْجَنَّةَ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم شرابٌ من حميم﴾ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل﴾ أَيْ: جَعَلَ الْقَمَرَ مَنَازِلَ مِنَ النُّجُومِ، وَهِيَ: ثَمَانِيةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ يَعْنِي: الْقَمَرَ ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ إِلَى الْمعَاد ﴿يفصل الْآيَات﴾ يبينها ﴿لقوم يعلمُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خلق الله فِي السَّمَاوَات﴾ مِنْ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الأَرْضِ مِنْ جِبَالِهَا وَأَشْجَارِهَا وَثِمَارِهَا وَأَنْهَارِهَا ﴿لآيَاتٍ لقوم يَتَّقُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٧) إِلَى الْآيَة (١٠).
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ؛ لأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ لَا يقرونَ بِثَوَاب الْآخِرَة.
﴿إِن الَّذين آمنُوا وَاعْمَلُوا الصَّالِحَات يهْدِيهم رَبهم بإيمَانهمْ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي: يُكُونُ لَهُمْ نورا يَمْشُونَ بِهِ.
﴿دَعوَاهُم فِيهَا﴾ أَيْ: قَوْلُهُمْ فِي الْجَنَّةِ: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتحيتهم فِيهَا سَلام﴾ يَعْنِي: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وَتُحَيِّيهِمُ الْمَلائِكَةُ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ
— 245 —
وَجل - بِالسَّلَامِ ﴿وَآخر دَعوَاهُم﴾ قَوْلُهُمْ: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمين﴾ أَوَّلُ كَلامِهِمِ التَّسْبِيحُ، وَآخِرُهُ الْحَمْدُ.
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ وَالتَّسْبِيحَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ".
سُورَة يُونُس من الْآيَة (١١) إِلَى الْآيَة (١٤).
— 246 —
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وَهُوَ مَا يَدْعُو بِهِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، وَلَوِ اسْتَجَابَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ لأَهْلَكَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى: لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ إِذَا دَعَوْا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَعَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَوْلادِهِمْ وَاسْتَعْجَلُوا بِهِ كَمَا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِالْخَيْرِ؛ إِذَا سَأَلُوهُ إِيَّاهُ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَول يحيى.
﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكَ ﴿الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أَيْ: وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى جَنْبِهِ ﴿أَو قَاعِدا أَو قَائِما﴾ يَقُولُ: أَوْ دَعَانَا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ أَيْ: مَرَّ مُعْرِضًا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الَّذِي كَشَفَ عَنْهُ الضُّرَّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: مَرَّ فِي الْعَافِيَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَى، وَمَعْنَى (كَأَنْ): كَأَنَّهُ.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يُرِيدُ: مَنْ أُهْلِكَ مِنَ الْقُرُونِ السالفة ﴿لما ظلمُوا﴾ لَمَّا أَشْرَكُوا ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ الْمُشْركين.
﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف﴾ يَعْنِي: خُلَفَاءَ ﴿فِي الأَرْضِ مِنْ بعدهمْ﴾.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (١٥) إِلَى الْآيَة (١٧).
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله﴾ أَي: أَو بدل آيَة الرَّحْمَن آيَةَ الْعَذَابِ، أَوْ بَدِّلْ آيَةَ الْعَذَابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ.
قَالَ اللَّهُ - عز وَجل - لنَبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أبدله من تِلْقَاء نَفسِي﴾ أَي: من عِنْدِي.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَلا أَعْلِمُكُمْ بِهِ (فَقَدْ
— 247 —
لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ لَا أَدَّعِي هَذِه النُّبُوَّة.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (١٨) إِلَى الْآيَة (٢٠).
— 248 —
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يضرهم﴾ إِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إِنْ عَبَدُوهُ ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْد الله﴾ أَيْ: أَنَّ الأَوْثَانَ تَشْفَعُ لَهُمْ - زَعَمُوا - عِنْدَ اللَّهِ؛ لِيُصْلِحَ لَهُمْ مَعَايشهمْ فِي الدُّنْيَا.
(ل ١٣٧) [... ] بِالْبَعْثِ ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُ أَنَّ [... ] فِي الأَرْض إِلَهًا غَيره ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ينزه نَفسه ﴿وَتَعَالَى﴾ مِنَ الْعُلُوِّ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: عَلَى الإِسْلامَ مَا بَيْنَ آدَمَ إِلَى نُوحٍ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَة ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ لَمَّا أَتَتْهُمُ الأَنْبِيَاءُ، وَكَفَرَ بَعْضُهُمْ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ لَوْلا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَضَى أَلا يُحَاسِبَ بِحِسَابِ الآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا لحاسبهم فِي الدُّنْيَا؛ فَأَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجنَّة، وَأهل النَّار النَّار.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا﴾ هَلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ ربه﴾ يَعْنُونَ: الآيَاتِ الَّتِي كَانَتِ
— 248 —
الأُمَمُ تَسْأَلُهَا أَنْبِيَاءَهَا ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْب لله﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَإِذَا شَاءَ أَنْزَلَهَا ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ أَيْ: فَسَتَعْلَمُونَ بِمَنْ يَنْزِلُ الْعَذَابُ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٢١) إِلَى الْآيَة (٢٣).
— 249 —
﴿وَإِذا أذقنا النَّاس﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين ﴿رَحْمَة﴾ عَافِيَةً ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ مرضٍ أَوْ شِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتنَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: جُحُودًا وَتَكْذِيبًا لِدِينِنَا ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَذَابًا ﴿إِنَّ رسلنَا﴾ يَعْنِي: الْحَفَظَةَ ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفلك﴾ فِي السُّفُنِ يَقُولُ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ أَيْ: شَدِيدَةٌ - الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ الْآيَة
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَيْ:
— 249 —
يَكْفُرُونَ وَيَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
أَصْلُ الْبَغْيِ: التَّرَامِي فِي الْفَسَادِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: بَغَى الْجَرْحُ إِذَا تَرَامَى إِلَى فسادٍ، وَبَغَتِ الْمَرْأَةُ إِذا فجرت.
﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: ضُرًّا عَلَيْكُمْ؛ لأَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَيْهِ النَّارَ ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَقُولُ: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ وَكُفْرُكُمْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَتُرْجَعُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جَائِزٌ عَلَى مَعْنَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لَقَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي تَنَالُونَهُ بِهَذَا الْفَسَادِ وَالْبَغْيِ إِنَّمَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٢٤) إِلَى الْآيَة (٢٥).
— 250 —
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَلْوَانًا مِنَ النَّبَاتِ ﴿حَتَّى إِذَا أخذت الأَرْض زخرفها﴾ يَعْنِي: حسنها ﴿وازينت﴾ يَعْنِي: تَزَيَّنَتْ بِنَبَاتِهَا مِنْ صُفْرَةٍ وخضرةٍ وحمرةٍ.
— 250 —
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ (الزُّخْرُفِ): الذَّهَبُ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّقْشِ وَلِلنُّورِ وَالزِّينَةِ، وَكُلِّ شيءٍ زُيِّنَ: زخرفٌ.
﴿وَظَنَّ أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ أَيْ: قَادِرُونَ عَلَى الانْتِفَاعِ بِمَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أَيْ: ذَهَبَ مَا فِيهَا.
﴿كَأَنْ لم تغن بالْأَمْس﴾ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ زَرْعٍ بِالأَمْسِ قَائِمًا.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: كَأْنَ لَمْ تَكُنْ عَامِرَةٌ بِالأَمْسِ، الْمَغَانِي: الْمَنَازِلُ، وَاحِدُهَا مَغْنَى تَقُولُ: غَنَيْتُ بِالْمَكَانِ؛ إِذَا أَقَمْتُ بِهِ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَات لقوم يتفكرون﴾ يَقُولُ: فَالَّذِي أَنْبَتَ هَذَا الزَّرْعَ فِي الأَرْضِ الْمَوَاتِ، حَتَّى صَارَ زَرْعًا حَسَنًا، ثُمَّ أَهْلَكَهُ بَعْدَ حُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يحي الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَعْقِلُهُ المتفكرون
— 251 —
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ وَالسَّلامُ هُوَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - وَدَارُهُ الْجنَّة.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٢٦) إِلَى الْآيَة (٢٧).
﴿للَّذين أَحْسنُوا﴾ آمنُوا ﴿الْحسنى﴾ الْجنَّة ﴿وَزِيَادَة﴾ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ.
— 251 —
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ [سَعْدٍ] قَالَ:
قَرَأَ أَبُو بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ - أَوْ قُرِئَتْ عِنْدَهُ - فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الزِّيَادَة؟ (ل ١٣٨) الزِّيَادَةُ هِيَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ ".
— 252 —
﴿وَلَا يرهق وُجُوههم﴾ أَي: يغشى ﴿قتر﴾.
قَالَ محمدٌ: الْقَتَرُ أَصْلُهُ: الْغَبْرَةُ الَّتِي فِيهَا سَواد.
— 253 —
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أَيْ: جَزَاءُ الشِّرْكِ: النَّارَ ﴿كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا﴾ جَمْعُ: قِطْعَةٍ ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أَي: فِي حَال ظلمته.
— 253 —
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٢٨) إِلَى الْآيَة (٣٣).
— 254 —
﴿وَيَوْم نحشرهم﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ وَأَوْثَانَهُمْ جَمِيعًا ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وشركاؤكم﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَان ﴿فزيلنا بَينهم﴾ بِالسَّيِّئَاتِ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالأَوْثَانَ عَلَى حدةٍ ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ الأَوْثَانُ تَقُولُ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ: مَا كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ إِيَّانَا عَنْ دُعَاءٍ كَانَ مِنَّا لَكُمْ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا الشَّيْطَانُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجل: ﴿مَكَانكُمْ﴾ عَلَى الأَمْرِ، كَأَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: انتظروا مَكَانكُمْ حَتَّى يفصل بَيْنَكُمْ؛ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلَى الْوَعِيدِ؛ تَقُولُ الْعَرَبُ: (مَكَانَكَ) تَتَوَعَّدُ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَزَيَّلْنَا بَينهم﴾ أَيْ: مَيَّزْنَا؛ يُقَالُ: أَزَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ أُزِيلُهُ؛ أَيْ: مِزْتَهُ مِنْهُ أميزه.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا﴾ لَقَدْ كُنَّا ﴿عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾
— 254 —
قَالَ الْحَسَنُ: يَحْشُرُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الأَوْثَانَ الْمَعْبُودَةَ فِي الدُّنْيَا بِأَعْيَانِهَا، فَتُخَاصِمُ مَنْ كَانَ عَبَدَهَا
— 255 —
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أسلفت﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: تُخْتَبَرُ ثَوَابَ مَا أَسْلَفَتْ فِي الدُّنْيَا. وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ (تَتَلُو) أَيْ: تَتَّبِعُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا فِي الْبَعْثِ لَيْسَ أحدٌ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلا وَهُوَ مرفوعٌ لَهُ ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُم الْحق﴾ رَبُّهُمُ الْحَقُّ، وَالْحَقُّ اسمٌ مِنْ أَسمَاء الله عز وَجل.
ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: (قل) لَهُمْ ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السّمع والأبصار﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا أَوْ يُبْقِيهَا. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يُخْرِجُ النَّاسَ الأَحْيَاءَ مِنَ النُّطَفِ، وَالنُّطَفَ مِنَ النَّاسِ الأَحْيَاءِ، وَالأَنْعَامُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالنَّبَاتُ مِثْلُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمر﴾ فِيمَا يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ، ثُمَّ لَا تَتَّقُونَهُ وَتَعْبُدُونَ هَذِه الْأَوْثَان من دونه!
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ يَعْنِي: أَنَّ أَوْثَانَكُمْ ضلالٌ وباطلٌ ﴿فَأنى تصرفون﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُ عُقُولُكُمْ فَتَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟!
﴿كَذَلِك حقت كَلِمَات رَبك﴾ أَيْ: سَبَقَ قَضَاؤُهُ (عَلَى الَّذِينَ فسقوا
— 255 —
أَنهم) ﴿بِأَنَّهُم﴾ (لَا يُؤمنُونَ} يَعْنِي: الَّذِينَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِشِرْكِهِمْ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٣٤) إِلَى الْآيَة (٣٦).
— 256 —
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يبدؤ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَيْ: مَنْ يَخْلُقُ، ثُمَّ يُمِيتُ، ثُمَّ يُحْيِي؛ أَيْ: أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.
﴿قُلِ اللَّهُ يبدؤ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكيف تصرفون عَنهُ؟!
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يهدي إِلَى الْحق﴾ أَيْ: إِلَى الدِّينِ وَالْهُدَى؛ أَيْ: أَنَّهَا لَا تَفْعَلُ وَلا تَعْقِلُ ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلا أَن يهدى﴾ أَيْ: أَنَّ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؛ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ.
قَالَ محمدٌ: قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يهدي﴾ أَيْ: لَا يَهْتَدِي؛ فَأُدْغِمَ التَّاءُ فِي الدَّالِ. وَهِيَ تُقْرَأُ أَيْضًا (يَهْدِي) خَفِيفَةٌ؛ وَمَعْنَاهَا: يَهْتَدِي؛ يُقَالُ: هُدِيتُ الطَّرِيقَ؛ بِمَعْنَى: اهْتَدَيْتُ.
— 256 —
﴿فَمَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ أَيْ: أَنَّكُمْ تُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - هُوَ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ (ل ١٣٩) ثُمَّ تَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ!
— 257 —
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا﴾ أَيْ: يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى - زَعَمُوا - لِيُصْلِحَ لَهُمْ مَعَايِشَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك إِلَّا بِالظَّنِّ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٣٧) إِلَى الْآيَة (٤٢).
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: لمْ يَكُنْ أحدٌ يَسْتَطِيعُ أَن يفتريه؛ فَيَأْتِي يه مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ مِنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَالأَحْكَامِ، وَالْوَعْدِ والوعيد ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ.
قَالَ محمدٌ: قَوْله: ﴿أَن يفترى﴾ أَيْ: لأَنْ يُفْتَرَى، يَعْنِي: يُخْتَلَقُ. وَمَنْ قَرَأَ (تَصْدِيقُ): هُوَ تصديقٌ، وَمَنْ نَصَبَ فَالْمَعْنَى: وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ
— 257 —
الَّذِي بَين يَدَيْهِ.
— 258 —
﴿أم يَقُولُونَ﴾ أَيْ: أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَى الْقُرْآنَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: قَدْ قَالُوهُ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: يَا مُحَمَّدُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ مثل هَذَا الْقُرْآن ﴿وَادعوا﴾ يَعْنِي: اسْتَعِينُوا ﴿من اسْتَطَعْتُم﴾ أَيْ: مَنْ أَطَاعَكُمْ ﴿مِنْ دُونِ الله إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَيْ: لَسْتُمْ بِصَادِقِينَ، وَلا تَأْتُونَ بِسُورَة مثله.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: لمْ يَكُنْ لَهُمْ علمٌ بِمَا كذبُوا ﴿وَلما﴾ أَي: وَلم يَأْتهمْ ﴿تَأْوِيله﴾ يَعْنِي: الْجَزَاءَ بِهِ؛ وَلَوْ قَدْ أَتَاهُمْ تَأْوِيلُهُ لآمَنُوا بِهِ؛ حَيْثُ لَا يَنْفُعُهُمُ الإِيمَانُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ كَانَ عَاقِبَتُهُمْ أَنْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ، ثُمَّ صيرهم إِلَى النَّار.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ من لَا يُؤمن بِهِ﴾ أَيْ: وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ سَيُؤْمِنُ بِالْقُرْآنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ، وَلَيْسَ لِي مِنْ عَمَلِكُمْ شيءٌ.
﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك﴾ يَعْنِي: جَمَاعَةً يَسْتَمِعُونَ.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ وَهَذَا سمع الْقبُول.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٤٣) إِلَى الْآيَة (٥٢).
﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ أَيْ: يُقْبِلُ عَلَيْكَ بِالنَّظَرِ.
﴿أَفَأَنْتَ تهدي الْعمي﴾ يَعْنِي: عَمَى الْقَلْبِ: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يبصرون﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾.
﴿وَيَوْم نحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا ﴿إِلا سَاعَةً من النَّهَار﴾ فِي طُوْلِ مَا هُمْ لابِثُونَ فِي النَّار ﴿يَتَعَارَفُونَ بَينهم﴾ أَيْ: يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَالَ الْحَسَنُ:
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ثَلاثَةُ مَوَاطِنَ لَا يَسْأَلُ فِيهَا أحدٌ أَحَدًا: إِذَا وُضِعَتِ الْمَوَازِينُ؛ حَتَّى يَعْلَمَ أَيُثْقُلُ مِيزَانُهُ أَمْ يَخِفُّ، وَإِذَا تَطَايَرَتِ
— 259 —
الْكُتُبِ؛ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ؛ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَجُوزُ الصِّرَاطَ أَمْ لَا يجوز ".
— 260 —
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا ﴿أَوْ نتوفينك﴾ فَيَكُونُ بَعْدَ وَفَاتِكَ ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رسولهم قضي بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ؛ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ؛ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِيءَ بالنبيين﴾.
آية رقم ٤٨
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُم صَادِقين﴾ يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ لِمَا كَانَ يَعِدُهُمْ بِهِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَكَانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِالْعَذَابِ استهزاءً وتكذيباً.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نفعا﴾ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ لَيْسَ فِي يَدَيْهِ.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجلهم فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة﴾ عَنْ عَذَابِ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ بهم ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ الْعَذَاب قبل أَجله.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بياتا﴾ يَعْنِي: لَيْلا ﴿أَوْ نَهَارًا مَاذَا يستعجل مِنْهُ المجرمون﴾.
قَالَ محمدٌ: ﴿بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ منصوبٌ عَلَى الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَاذَا يستعجل﴾ الْمَعْنى: أَي شَيْء، وَقد يَجِيء بِمَعْنى: مَا الَّذِي يستعجل؟
﴿أَثم إِذا مَا وَقع﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: حَتَّى إِذَا مَا نزل الْعَذَاب (ل ١٤٠) ﴿آمنتم بِهِ الآين وَقد كُنْتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ إِذَا آمَنُوا عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ الآنَ تَؤْمِنُونَ حِين لَا ينفعكم الْإِيمَان.
— 261 —
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٥٣) إِلَى الْآيَة (٥٦).
— 262 —
﴿ويستنبئونك﴾ أَي: يستخبرونك ﴿أَحَق هُوَ﴾ يَعْنُونَ: الْقُرْآنَ ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِسَابِقِينَ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْكُمْ فَيُعَذِّبَكُمْ.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أشركت ﴿مَا فِي الأَرْض﴾ مِنْ ذَهَبٍ وفضةٍ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَاب﴾ أَي دخلُوا فِيهِ ﴿وَقضي بَينهم﴾ أَي: فصل بَينهم ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ.
﴿أَلا إِن وعد الله﴾ الَّذِي وَعَدَ فِي الدُّنْيَا ﴿حَقٌّ﴾ مِنَ الْوَعْدِ بِالْجَنَّةِ، وَالْوَعِيدِ بِالنَّارِ ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ؛ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٥٧) إِلَى الْآيَة (٦١).
﴿يَا أَيهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ ربكُم﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور﴾ يُذْهِبُ مَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ والنفاق، ﴿وَهدى﴾ يَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَأَمَّا الْكَافِرُونَ فَإِنَّهُ عَلَيهِمْ عذابٌ.
﴿قل بِفضل الله وبرحمته﴾ قتال قَتَادَةُ: فَضْلُ اللَّهِ: الإِسْلامُ، وَرَحْمَتُهُ: الْقُرْآن ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ تَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ: فَلْيَفْرَحُوا؛ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ.
﴿هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ مِمَّا يجمع الْكفَّار
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ مَا حَرَّمُوا مِنَ الأَنْعَامِ وَمِنْ زُرُوعهمْ.
﴿قل آللَّهُ أذن لكم﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِمَا صَنَعْتُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ أَيْ: أَنَّهُ لمْ يَفْعَلْ ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾
ثُمَّ أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَهُوَ عَلَى الاسْتِفَهَامِ؛ يَقُولُ: ظُنُّهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُعَذِّبُهُمْ، وَظَنُّهُمْ ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ يَقِينٌ مِنْهُمْ؛ وَقَدْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ؛ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - سَيُعَذِّبُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاس﴾ بِمَا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يشكرون﴾ يَعْنِي: لَا يُؤمنُونَ.
﴿وَمَا تكون فِي شَأْن﴾ مِنْ حَوَائِجِكَ لِلدُّنْيَا ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ من قُرْآن﴾ خَاطب بِهَذَا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: الْعَامَّةَ ﴿مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ شاهدٌ لأَعْمَالِهِمْ ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك﴾ أَيْ: يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ ﴿مِنْ مِثْقَال ذرة﴾ وَزْنُ ذَرَّةٍ ﴿فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء﴾ حَتَّى لَا يَعْلَمُهُ وَيَعْلَمُ مَوْضِعَهُ ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ.
— 263 —
قَالَ محمدٌ:
مَنْ قَرَأَ: ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ بِالْفَتْحِ - فَالْمَعْنَى: مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَلا مِثْقَالٍ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ؛ وَفَتَحَ لأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ. وَمَنْ رَفَعَ، فَالْمَعْنَى: مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٦٢) إِلَى الْآيَة (٦٥).
— 264 —
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يحيى: عَن أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ:
أَنَّ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ، أَوْ تُرَى لَهُ ".
— 264 —
وَقَوله: ﴿وَفِي الْآخِرَة﴾ يَعْنِي: الْجَنَّةَ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ النجَاة الْعَظِيمَة من النَّار.
— 265 —
﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم﴾
يَقُولُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ: إِنَّكَ مجنونٌ، وَإِنَّكَ ساحرٌ، وَإِنَّكَ كاذبٌ، وَإِنَّكَ شاعرٌ.
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فينصرك عَلَيْهِم.
— 265 —
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٦٦) إِلَى الْآيَة (٧٠).
— 266 —
﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض﴾
قَالَ محمدٌ: (أَلا) افْتِتَاحُ كَلامٍ وَتَنْبِيهٌ؛ أَيْ: لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الأَرْضِ، يَفْعَلُ فِيهِمْ وَبِهِمْ مَا يَشَاءُ.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاء﴾ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَيْسُوا بِشُرَكَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِن هم إِلَّا يخرصون﴾ يَقُولُ: يَعْبُدُونَ أَوْثَانَهُمْ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - زُلْفَى، وَمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ بعلمٍ، إِن هُوَ مِنْهُم (ل ١٤١) إِلا ظَنٌّ، وَإِنْ هُمْ إِلا يكذبُون
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لتسكنوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: لِتَسْتَقِرُّوا فِيهِ مِنَ النَّصَبِ ﴿وَالنَّهَار مبصرا﴾ أَيْ: مُنِيرًا لِتَبْتَغُوا فِيهِ مَعَايِشَكُمْ.
قَالَ محمدٌ: قيل: ﴿مبصرا﴾ يَعْنِي: مُبْصَرًا فِيهِ؛ كَمَا تَقُولُ: ليلٌ نَائِمٌ،
— 266 —
وَإِنَّمَا ينَام فِيهِ.
— 267 —
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أَيْ: مَا عِنْدَكُمْ مِنْ حُجَّةٍ بِهَذَا الَّذِي قُلْتُمْ ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ أَيْ: نَعَمْ، قَدْ قُلْتُمْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
آية رقم ٦٩
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِب لَا يفلحون﴾ ثمَّ انْقَطع الْكَلَام
﴿مَتَاع فِي الدُّنْيَا﴾ يَقُولُ: الدُّنْيَا وَمَا هُمْ فِيهِ متاعٌ يَسْتَمْتِعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ إِذَا فَارَقُوا الدُّنْيَا.
قَالَ محمدٌ: ﴿مَتَاع﴾ مرفوعٌ عَلَى مَعْنَى: ذَلِكَ متاعٌ فِي الدُّنْيَا.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٧١) إِلَى الْآيَة (٧٤).
﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مقَامي﴾ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ توكلت فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ أَيْ: وَأَجْمِعُوا شُرَكَاءَكُمْ ﴿ثُمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة﴾ أَيْ: فِي سِتْرٍ، لِيَكُنْ ذَلِكَ عَلانِيَةً.
— 267 —
قَالَ محمدٌ: (غُمَّةٌ) مُشْتَقَّةٌ مِنَ: الْغَمَامَةِ الَّتِي تَسْتُرُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " غُمَّ الْهِلالُ " وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (غُمَّةً) أَيْ: غَمًّا؛ يُقَالُ غمٌّ وغمةٌ.
قَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
(وَذِي كربةٍ رَاخَى ابْنُ عمروٍ خِنَاقَهُ وَغُمَّتُهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيّ﴾ أَيْ: اجْهَدُوا جُهْدَكُمْ ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ أَيْ: أَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ حِينَ قَالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نوح لتكونن من المرجومين﴾.
— 268 —
﴿فَإِن توليتم﴾ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الإِيمَانِ ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ عَلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ أَجْرًا، فَيَحْمِلُكُمْ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفلك﴾ فِي السَّفِينَة ﴿وجعلناهم خلائف فِي الأَرْض﴾ بعد الهالكين.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ﴾ الْمُشْركين.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٧٥) إِلَى الْآيَة (٨٢).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ يَعْنِي: الْيَد والعصا.
﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُم أَسحر هَذَا﴾ قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.
﴿قَالُوا أجئتنا لتلفتنا﴾ لِتَصْرِفَنَا وَتُحَوِّلَنَا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يَعْنُونَ: أَنَّا وَجَدْنَاهُمْ عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، فَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء﴾ أَي: وتريد أَن تكون لَكَ وَلِهَارُونَ الْمُلْكُ وَالسُّلْطَانُ فِي الأَرْضِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُلْكُ كِبْرَيَاءُ؛ لأَنَّهُ أَكْبَرُ مَا يُطْلَبُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَصْلُ الْكِبْرِيَاء: العظمة.
آية رقم ٨٢
﴿ويحق الله الْحق﴾ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بِوَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَ مُوسَى يَعْنِي: قَوْلَهُ لَهُ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْت الْأَعْلَى﴾.
— 269 —
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٨٣) إِلَى الْآيَة (٨٦).
— 270 —
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ من قومه﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: أَوْلادَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى ﴿عَلَى خَوْفٍ من فِرْعَوْن وملئهم﴾ يَعْنِي: أَشْرَافهم ﴿أَن يفتنهم﴾ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فِرْعَوْنُ ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لعال فِي الأَرْض﴾ أَيْ: لباغٍ يَبْغِي عَلَيْهِمْ وَيَتَعَدَّى ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُم آمنتم بِاللَّه﴾ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا، وَلَكِنَّهُ كلامٌ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ؛ تَقُولُ: إِنْ كُنْتَ كَذَا فَاصْنَعْ كَذَا؛ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا قَالَ لَهُ.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمين﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ: لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا عُذِّبُوا، وَلا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ؛ فَيُفْتَنُوا بِنَا.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٨٧) إِلَى الْآيَة (٨٩).
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبْلَة﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: أُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا فِي بُيُوتِهِمْ مَسَاجِدَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ يُصَلَّونَ فِيهَا [سِرًّا، لَمَّا] خَافَ (ل ١٤٢) مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْكَنَائِسِ الْجَامِعَةِ.
﴿رَبنَا ليضلوا عَن سَبِيلك﴾ هَذَا دعاءٌ عَلَيْهِمْ؛ يَقُولُ؛ رَبَّنَا فَأَضِّلَّهُمْ عَنْ سَبِيلِكَ؛ وَذَلِكَ حِينَ جَاءَ وَقت عَذَابهمْ [... ] عَلَيْهِم.
﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم﴾ فَمُسِخَتْ دَنَانِيرُهُمْ وَدَرَاهِمُهُمْ وَزُرُوعُهُمْ حِجَارَةً ﴿وَاشْدُدْ على قُلُوبهم﴾ بالضلالة ﴿فَلَا يُؤمنُوا﴾ دُعَاءٌ أَيْضًا ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم﴾ فَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُؤْمِنُوا.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٩٠) إِلَى الْآيَة (٩٣).
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْن وَجُنُوده بغيا وعدوا﴾ العَدْوُ: العُدْوَانُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُهُ: ﴿فأتبعهم فِرْعَوْن﴾ أَيْ: لَحِقَهُمْ؛ يُقَالُ: أَتْبَعْتُ الْقَوْمَ:
— 271 —
لَحِقْتُهُمْ، وَتَبِعْتُهُمْ: جِئْتُ فِي إِثْرِهِمْ.
﴿حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق﴾ الْآيَة
— 272 —
آية رقم ٩١
يَقُول الله - عز وَجل -: ﴿آلآن وَقد عصيت﴾ لأَنَّهُ آمَنَ فِي حِينٍ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهِ الإِيمَانَ؛ وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلَ الْإِيمَانُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ.
﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: بِجَسَدِكَ، فَقَذَفَهُ الْبَحْرُ عُرْيَانًا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ﴿لِتَكُونَ لمن خَلفك﴾ لمن بعْدك ﴿أيه﴾ فَيُعْلَمُ أَنَّكَ عبدٌ ذليلٌ قَدْ أَهْلَكَكَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَغَرَّقَكَ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتنَا لغافلون﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا ينظرُونَ.
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صدق﴾ أَيْ: أَنْزَلْنَاهُمْ مَنْزِلَ صِدْقٍ ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُم الْعلم﴾ هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٩٤) إِلَى الْآيَة (٩٧).
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكتاب من قبلك﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
— 272 —
قَالَ قَتَادَة:
ذكر لنا أَن نَبِي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: " لَا أَشُكُّ وَلا أَسْأَلُ ".
﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تكونن من الممترين﴾ يَعْنِي: الشاكين.
— 273 —
آية رقم ٩٦
﴿إِن الَّذين حقت عَلَيْهِم (كَلِمَات﴾ رَبك لَا يُؤمنُونَ} الآيَةَ، هُمُ الَّذِينَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ - عز وَجل - بكفرهم.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (٩٨) إِلَى الْآيَة (٩٩).
﴿فلولا﴾ فَهَلا ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانهَا﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَقُولُونَ: لمْ يَكُنْ هَذَا فِي الأُمَمِ؛ لمْ يَنْفَعْ قَرْيَةٌ كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عَايَنَتْ عَذَابَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كشفنا عَنْهُم عَذَاب الخزي﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِمَوْضِعٍ مِنْ أَرْضِ " الْمَوْصِلِ " فَلَمَّا فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، قَذَفَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قُلُوبِهِمِ التَّوْبَةَ، فَلَبِسُوا الْمُسُوحَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا، فَعَجُّوا إِلَى اللَّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا عَرَفَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الصَّدْقَ من قُلُوبِهِمْ، وَالتَّوْبَةَ وَالنَّدَامَةَ مِنْهُمْ عَلَى مَا مَضَى كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ
— 273 —
بَعْدَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ يحيى: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَذَابِ أَرْبَعَةُ أميالٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ومتعناهم إِلَى حِين﴾ يَعْنِي: إِلَى الْمَوْتِ بِغَيْرِ عَذَابٍ.
— 274 —
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُؤْمِنُ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ - عز وَجل - أَن يُؤمن.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (١٠٠) إِلَى الْآيَة (١٠٤).
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ يَعْنِي: رجاسة الْكفْر.
﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات﴾ مِنْ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا، وَمَا فِيهَا من الْعَجَائِب ﴿وَالْأَرْض﴾ مِنْ بِحَارِهَا وَشَجَرِهَا وَجِبَالِهَا؛ فَفِي هَذِهِ آياتٌ وَحُجَجٌ عِظَامٌ ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤمنُونَ﴾ إِذَا لمْ يَقْبَلُوهَا، وَيَتَفَكَّرُوا فِيهَا.
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذين خلوا من قبلهم﴾ يَعْنِي: وَقَائِعَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّتِي أَهْلَكَهُمْ بِهَا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ.
﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أَيْ: سَيَنْزِلُ بِكُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ؛ أَخَرَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَذَابَ آخِرِ كُفَّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى (ل ١٤٣) النَّفْخَةِ الأُولَى
— 274 —
بِهَا يَكُونُ هَلاكُهُمْ، وَلَمْ يُهْلِكْهُمْ حِينَ كَذَّبُوا النَّبِيَّ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ، كَمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَهُمْ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أحدٌ.
— 275 —
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقُولُ: كُنَّا إِذَا أَهْلَكْنَا قَوْمًا أنجينا النَّبِي وَالْمُؤمنِينَ، الْآيَة.
﴿قل يَا أَيهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ من ديني﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبدُونَ من دون الله﴾ الْآيَة.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (١٠٥) إِلَى الْآيَة (١٠٩).
آية رقم ١٠٥
وأن أقم وجهك أي : وجهتك إلى قوله عز وجل : فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين
﴿وَأَن أقِم وَجهك﴾ أَيْ: وِجْهَتِكَ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا من الظَّالِمين﴾ أَي: وَلست فَاعِلا.
﴿يَا أَيهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ ربكُم﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا﴾ وَهِيَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾.
﴿وَمَا أَنا عَلَيْكُم بوكيل﴾ بِحَفِيظٍ لِأَعْمَالِكُمْ؛ حَتَّى أُجَازِيَكُمْ بِهَا، إِنَّمَا أَنَا
— 275 —
منذرٌ أبلغكم رِسَالَة رَبِّي.
— 276 —
﴿واصبر﴾ عَلَى مَا يَقُولُ لَكَ الْمُشْرِكُونَ ﴿حَتَّى يحكم الله﴾ فَيَأْمُرَكَ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ﴾ أفضل ﴿الْحَاكِمين﴾.
— 276 —
تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ وَهِيَ مَكِّيَةٌ كلهَا
سُورَة هود من الْآيَة (١) إِلَى الْآيَة (٤).
— 277 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

93 مقطع من التفسير