١٢٤- قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن |البقرة : ١٢٤|.
اختلف في هذه الكلمات ما هي ؟ ؛ فقال ابن عباس وقتادة : هي عشر خصال خمس منها في الرأس : المضمضة والسواك، وقص الشارب، والاستنشاق، وفرق الرأس. وقيل : بدل فرق الرأس إعفاء اللحية. وخمس في الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء والاختتان. قال ابن عباس أيضا، هي ثلاثون : عشرة منها في براءة التائبون العابدون الآية |التوبة : ١١٢| وعشرة في الأحزاب : إن المسلمين والمسلمات الآية |الأحزاب : ٣٥| وعشرة في سأل سائل١. وقال الحسن بن أبي الحسن : هي الخلال الست التي امتحن بها إبراهيم : الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والاختتان. وقيل : بدل الهجرة الذبح. وقالت طائفة : هي مناسك الحج. وقال مجاهد وغيره : الكلمات : هي أن الله عز وجل قال لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال إبراهيم : تجعلني للناس إماما. قال الله : نعم. قال إبراهيم : وتجعل البيت مثابة. قال الله : نعم. قال إبراهيم : وتجعل هذا البلد آمنا. قال الله : نعم، قال إبراهيم : وترزق أهله من الثمرات. قال الله : نعم. فعلى هذا القول. فالله تعالى هو الذي أتم، وعلى سائر الأقوال المتقدمة إبراهيم هو الذي أتم. وقد روي أن الله عز وجل أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ما يفعل٢ ؟ فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. وفي " البخاري " ٣ : أنه اختتنن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. |بتشديد الدال موضع. وقيل : هو الآية|٤ وإنما سميت هذه الأشياء كلمات لأنها جاءت بها أوامر٥.
فعلى هذا التأويل وهو أقوى ما جاء في الآية. دلت الآية٦ أن التنظيف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمور به. وقال أبو واصل : أتيت أبا أيوب الأنصاري فصافحته فرأى في أظفاري طولا، فقال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أخبار السماء، فقال : " يجيء أحدكم يسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث " ٧. وقالت عائشة-رضي الله عنها- : خمس لم يكن رسول الله صلى الله يدعهن في سفر ولا حضر : المرآة والكحل والمشط، والمدرى، والسواك٨.
١٢٤_ قوله تعالى : إني جاعلك للناس إماما |البقرة : ١٢٤|.
الإمام من يؤتم به في أمر الدين كالنبي، والخليفة، والعالم.
١٢٤- وقوله : ومن ذريتي |البقرة : ١٢٤|.
قيل : هو على جهة الاستفهام، وقيل : على جهة السؤال، ويؤخذ منه إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك.
١٢٤- قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين |البقرة : ١٢٤|.
يدل على أن الإمامة قد وقعت له في أن يكون من ذريته أئمة ولكن الظالم منهم لا إمامة له. واختلف في العهد ما هو ؟ فقال مجاهد : هو الإمامة. وقال السدي : النبوءة. وقال قتادة : الأمان من عذاب الله. وقال ابن عباس : لا عهد لظالم أن تطيعه. وقيل : العهد الدين.
وقوله تعالى : الظالمين . قيل : هو ظلم الكفر. وقيل : ظلم المعاصي، فإذا أولنا العهد بالإمامة والنبوءة والدين، فالظلم عام للمعاصي والكفر. وإن قلنا : أنه ظلم الكفر، فالمعنى بين لا كلام فيه. وإن قلنا : إنه ظلم المعصية فيؤخذ منه على القول بأنه العهد النبوءة- أن المعجزة لا تظهر على يد فاسق ظالم وإن كان ذلك في العقل جائزا لكن السمع بهذه الآية وغيرها منع من ذلك. ويؤخذ منه-على القول بأنه الإمامة- أن الفاسق لا يصلح٩ أن يقدم إماما١٠. فإن ظهر من الإمام فسق بعد صحة إمامته فهل يجب خلعه أم لا ؟ اختلف فيه وإلى القول بخلعه ذهب جماعة من السلف، وبهذا التأويل خرج ابن الزبير والحسين على يزيد بن معاوية، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية عنهم، فكانت وقعة الحرة. وبهذه الآية وما كان في معناها تعلقت طائفة من المعتزلة وجماعة الخوارج. وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم، فرأوا أن الصبر على طاعة الإمام وإن كان جائزا أولى لما في الخروج عليه من الفساد. وإذا أولنا العهد بأحد سائر الوجوه الأخرى المذكورة، فقال أبو محمد عبد الحق : فالظلم في الآية ظلم الكفر لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلزم طاعته إذا كان ذا أمر١١. وفي هذا كله نظر لأن العاصي المؤمن وإن نال الدين فالاقتداء به وقبول قوله لا يجب. وهو معنى الدين الذي فسر به العهد، فيصح أن لا يناله العاصي، وكذلك الأمان من عذاب الله، فإن العاصي لا يأمن العذاب لأنه تحت الوعيد لكن العفو الجائز عن الله تعالى إذا حصل صح له الأمان، فإن جعلنا الأخبار عن هذه الحالة فالظلم الكفر، وإن جعلناه عن الحالة قبل العفو صح أن يكون ظلم المعصية. وكذلك لزوم الطاعة، فإن الإمام الفاسق إنما يجب امتثال أمره إذا أمر بطاعة. وإن أمر بمعصية لم يجب امتثال أمره على أنه قد اختلف في خلعه، وإن أمر بطاعة يحتمل أن يكون الظلم هنا ظلم المعصية، ويحتمل أن يكون ظلم الكفر. ويؤخذ من هذه الآية بالجملة أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا محل من تقبل منهم أوامر الله١٢.
٢ في ن "يصنع"..
٣ في ن أحاديث الأنبياء ٣٣٥٦..
٤ سقطت من أ..
٥ قارن بما جاء في المحرر الوجيز ١/٤١٠، ٤١١ ويراجع لهذه الأقٌوال المذكورة تفسير الطبري ١/٦٨٧-٢٩٢ ومعالم التنزيل -١/١٤٥} وتفسير القرطبي ٢/٩٦{٩٩ وتفسير ابن كثير ١/١٦٥-١٦٨..
٦ يراجع أحكام القرآن للهراسي ١/١٤..
٧ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٤١٧ وأبو داود الطيالسي في المسند أيضا ٥٩٦ والبيهقي من طريق الطيالسي في السنن ١/١٧٥، ١٨٦.
وقال البيهقي: "هذا مرسل أبو أيوب الأزدي غير أبي أيوب الأنصاري" ووافقه الحافظان البوصيري إتحاف الخيرة ١/رقم ٧٠٢ وابن حجر في المطالب العالية١/رقم٦٩..
٨ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٧/٤٣١٦-مجمع البحرين وابن عدي في الكامل ١/٣١٠و٣٤٨ وفي إسناده أبو أمية وهو إسماعيل بن يعلى "وهو متروك" كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/١٧٤ كما ضعفه ابن عدي في الموضع الثاني..
٩ يراجع المحرر الوجيز ١/٤١٢، ٤١٣ وأحكام القرآن للهراسي ١/١٤، ١٥ وجامع البيان ١/٢٩٤-٦٩٨ وزاد الميسر ١/١٤٠، ١٤١ وتفسير ابن كثير ١/١٦٨، ١٦٩ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/١٠٧-١١٠ والتحرير والتنوير١/٦٩٩-٧٠٧..
١٠ في أ "يصح"..
١١ المحرر الوجيز ١/٤١٢، ٤١٣..
١٢ قال ابن خويز منداد: "وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد" كذا في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/١٠٩..
أحكام القرآن
ابن الفرس