ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

من أخذ بيدهم، فلا يجدون من يجير أو يغيث: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (٣٧: عبس) حيث لا تدفع نفس عن نفس مكروها، وحيث لا يقبل منها شفاعة فى أحد، وحيث لا يؤخذ منها فدية لأحد.
وقد جاء البذل فى هذه الآية معبرا عنه بقوله تعالى: «يُقْبَلُ» و «يُؤْخَذُ» لأنه مجلوب على سبيل الإحسان للمفلس المحتاج فى هذا اليوم، فهى مجابهة للأشقياء، فى مواجهة من يرجون عندهم العون والنصرة.
أما ما فى الآية: (١٢٣) فهو مواجهة صريحة للأشقياء بمعزل عمن يرجون نصرهم، وبمنقطع عمن يطمعون فى الوقوف إلى جانبهم، فإذا تعلق هؤلاء الأشقياء بالآمال الكاذبة وطمعوا فى أن يقع لأيديهم ما يفتدون به أنفسهم فلا فدية تقبل منهم، وإذا تمنّوا أن يطلع عليهم من يشفع لهم فشفاعته غير مقبولة فيهم «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» :(٤٨: المدثر).
وبهذه الصورة من صور التيئيس، والصورة التي قبلها يتم إغلاق دائرة اليأس عليهم، فلا ينفذ إليهم بصيص من أمل، ولو كان كاذبا! ثم يقول سبحانه:
آية: (١٢٤) [سورة البقرة (٢) : آية ١٢٤]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
التفسير: اختلف فى معنى الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بها، وتشعبت مذاهب المفسرين لها.
ولعل أعدل طريق وأقومه فى مثل هذا المقام أن نقف عند حدود اللفظ

صفحة رقم 138

القرآنى، ولا نتجاوزه إلى مقولات يناقض بعضها بعضا، إن أخذ بأحدها كان ترك غيرها مجازفة لا يؤمن معها الخطأ، وإن أخذ بها جميعا لم يكن للجمع بينها سبيل.
وهنا فى هذه الآية تجد أن بعضها يفسر بعضا، وأن قوله تعالى: «قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» هو التفسير المناسب للكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم.. فالكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم هى قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» والإمامة وإن تكن نعمة وفضلا من الله، فهى ابتلاء، لما لها من أعباء، لا يقدر على حملها والوفاء بها على وجهها إلا أولو العزم من النّاس، وقد كان إبراهيم قدوة للناس فى قيامه على هذه الإمامة، فنوّه الله به فى أكثر من موضع فى القرآن الكريم، فقال: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» (٣٧: النجم) أي وفّى الأمانة التي أداها على وجهها كاملة، ويعضد هذا المعنى الذي نراه، ارتباطه بما سبقه من الحديث عن أهل الكتاب، وأنهم حمّلوا أمانات فضيعوها، وخانوا الله وخانوا أنفسهم فيها.
وقوله تعالى: «قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» يمكن أن يكون هذا استفهاما أو دعاء من إبراهيم، بمعنى: أهذه الإمامة له وحده أم هى ممتدة فى ذريته من بعده؟.
أو بمعنى: اجعل هذه الإمامة فى بعض من ذريتى. فكان جواب الحق جلّ وعلا: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».. أي هذا عهد لا يمتد إلى الظالمين، فمن سلم من ذريته من الظلم، كان أهلا لأن ينضوى تحت هذا العهد، ويأخذ ميراثه منه.
ثم يقول جل وعلا:

صفحة رقم 139

التفسير القرآني للقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم يونس الخطيب

الناشر دار الفكر العربي - القاهرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية