وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قرأ هشام إبراهم في جميع هذه السورة وهي خمسة عشر، في النساء ثلاثة وهي الأخيرة، وفي الأنعام الحرف الأخير، وفي التوبة الحرفان الأخيران، وفي إبراهيم حرف، وفي النحل الحرفان، وفي مريم ثلاثة أحرف، وفي العنكبوت الحرف الأخير، وفي الشورى حرف وفي الذاريات حرف، وفي النجم حرف وفي الحديد حرف وفي الممتحنة الحرف الأول، فذلك ثلاثة وثلاثون حرفا وجملته تسع وستون، وقرأ ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين والباقون إبراهيم بالياء في الجميع، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء وهو يستلزم الاختبار فظن ترادفهما المراد بكلمات مدلولاتها وهي الأوامر والنواهي، قال عكرمة عن ابن عباس : هي ثلاثون سهما هن شرائع الإسلام لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم فكتب له البراءة فقال : وإبراهيم الذي وفى *عشر في براءة التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ *وعشر في الأحزاب : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ * وعشر في المؤمنين وسأل سائل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ { ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ٤ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ٧ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ٨ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ }*الآية وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ { ٣٣ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٣٤ }* وقال طاووس : ابتلاه الله بعشرة أشياء هي الفطرة خمس في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في البدن تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، وقال الربيع وقتادة : مناسك الحج، وقال الحسن : ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول وبالنار فصبر عليها وبالمجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها، وقال سعيد بن جبير : هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان قواعد البيت ربنا وتقبل منا فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وقال يمان بن رباب : هن محاجة قومه قال الله تعالى : وحاجه قومه إلى أن قال :
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ * وقيل : هي قوله : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ { ٧٨ }* إلى آخر الآيات، وقيل المراد بالكلمات ما تضمنه الآيات التي بعدها، قلت : والجمع بين هذه الأقوال أولى فالمراد به والله أعلم أن الله ابتلاه بالأوامر والنواهي كلها منها الثلاثون ومنها العشرة ومنها السبعة وغير ذلك فَأَتَمَّهُنَّ أي فأداهن كلهن كملا وقام بهن حق القيام قال الله تعالى إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً كلمة قال فعل تعلق به الظرف المتقدم أعني إذ ابتلي معطوفة على ما قبلها، وإن كان الظرف متعلقا بمحذوف يعني اذكر فهي استئناف كأنه قيل فماذا قال ربه حين أتمهن فأجيب بذلك، أو بيان لقوله ابتلى فيكون الكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعد الإسلام، وجاعل من الجعل الذي له مفعولان. والمراد بالإمامة ههنا النبوة أو ما هو أعم منه أعني من يؤتم به ويجب إطاعته، وليس المراد به السلطنة أو الإمامة بالمعنى الأخص الذي اخترعه الإمامية وليس له في اللغة والشرع أصل، وقد جعل الله تعالى لإبراهيم عليه السلام إمامة عامة حتى قال لسيد الأنبياء اتبع ملة إبراهيم حنيفا قال إبراهيم ومن ذريتي عطف على الكاف أي بعض ذريتي، والذرية نسل الرجل فُعْلِيَّة أو فُعُّولَةٌ قلبت راءها الثالثة ياء كما في دساها، مشتق من الذر بمعنى التفرق، أو فعولة أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق قلبت همزتها ياء قال الله تعالى ينال عهدي يعني الإمامة، قرأ حفص وحمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها الظالمين من ذريتك أجاب دعاءه وخص ذلك بالمتقين، والمراد بالظالم الفاسق إن كان المراد بالإمامة النبوة لأن العصمة شرط في النبوة إجماعا، أو المراد به الكافر إن كان المراد بالإمامة أعم من النبوة كل من يؤم به ويقتدى فإن الكافر لا يجوز أن يؤخذ أميرا ولا مطاعا حيث قال الله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً * وقال : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً * ولو قلنا أن المراد بالإمامة كونه مطاعا وبالظالم الفاسق قلنا معنى قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين أن الفاسق وإن كان أميرا فلا يجوز إطاعته في الظلم والمعصية لقوله عليه السلام :«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » رواه مالك وأحمد من حديث عمران والحكيم بن عمرو الغفاري، وروى البخاري وأبو داود والنسائي من حديث علي بلفظ «لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف »* وأما النصوص الواردة في وجوب إطاعة أولي الأمر كقوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ * وقوله عليه السلام :«اسمعوا وأطيعوا ولم كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة »* فمختصة بما لم يخالف أمرهم أمر الشارع فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فليس في الآية حجة للرواض على كون العصمة شرطا في الإمامة والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري