قلت : أياماً منصوب على الظرفية، واختُلِف في العامل فيه، والأحسنُ أنه الصيام، ولا يضره الفصل ؛ لأن الظرف يُتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و معدودات نعت له، و عدة مبتدأ ؛ أي : فَعَليْهِ عِدَّةٌ. و أُخر ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف.
وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل معدودات فلا يهولكم أمره، فمن كان منكم مريضاً يشق عليه الصيام، أو على سفر فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر من أيام أُخر بعد تمام الشهر، وعلى الذين يطيقونه بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا فديةُ وهي : طعام مساكين : مُدٍّ لكل يوم. وفي قراءة فديةٌ طعامُ مسكين أي : وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل : نصف صاع. فمن تطوع بزيادة المُد، أو أطعم مسكينَينْ عن يوم، فهو خير له وأعظم أجراً، وإن تصوموا أيها المطيقون للصيام، خير لكم إن كنتم تعلمون ما في الصيام من الأسرار، والخير المدرار، ثم نسخ بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه .
واعلم أن الصيام على ثلاث درجات : صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص.
أما صوم العوام : فهو الإمساك عن شهوتَي البطن والفَرْج، وما يقوم مقامَهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلاَّت، وإهمال القلب في الغفلات. وصاحبُ هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أنْ يدع طعامَه وشرابَه ". وأما صوم الخواص : فهو إمساك الجوارح كلَّها عن الفَضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصلُه : حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يَعْنِي. وأما صوم خواص الخواص : فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله : الإمساك عن شهود السَّوى، وعكوفُ القلب في حضرة المولَى. وصاحب هذا صائم أبداً سرمداً. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي