ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ
تفسير المفردات :
والفدية : هي طعام مسكين من أوسط ما يطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة عن كل يوم يفطرونه.
المعنى الجملي :
فرض الله علينا الصوم كما فرضه على من قبلنا، لأنه من أعظم الذرائع لتهذيب النفوس، وأقوى العبادات في كبح جماح الشهوات ومن ثم كان مشروعا في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف لدى قدماء المصريين، ومنه انتقل إلى اليونان والرومان، ولا يزال اليهود والوثنيون إلى الآن، وفي التوراة مدحه ومدح الصائمين وليس فيها ما يدل على أنه فرض، وثبت أن موسى صام أربعين يوما كما أنه ليس بالإنجيل نص على الفريضة، بل فيها مدحه وعده عبادة، وأشهر صيام النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى والحواريون، وقد وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام تختلف فيها المذاهب والطوائف
الإيضاح :
أي أياما معينات بالعدد وهي أيام رمضان، فالله لم يفرض علينا صوم الدهر كله ولا أكثره تخفيفا ورحمة بالمكلفين.
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فمن كان على إحدى الحالين فالواجب عليه –إذا أفطر- القضاء بقدر عدد الأيام التي لم يصمها لأن كلتيهما عرضة لاحتمال المشقة بالصوم، وأكثر الأئمة على اشتراط أن يكون المرض شديدا يصعب معه الصوم بدليل قوله :{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ).
ويرى جماعة منهم ابن سيرين وعطاء والبخاري أن أي مرض هو رخصة في الإفطار، فرب مرض لا يشق معه الصوم يضر فيه الصوم المريض، ويكون سببا في زيادة مرضه وطول مدته، وضبط المشقة عسر، ومعرفة الضرر أعسر.
والسفر الذي يباح فيه الفطر هو الذي يباح في قصر الصلاة، روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين - يريد أنه يقصر الصلاة – وهذه المسافة وإن قطعت الآن في دقائق معدودات مبيحة للفطر، إذ العبرة بقطع مثل هذه المسافة لا بالزمن الذي تقطع فيه.
ومن صام رمضان وهو مريض أو مسافر فقد أدى الفريضة، ومن أفطر وجب عليه القضاء، وبذلك كان عمل كل الصحابة فقد ورد في الصحيح أنهم كانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم المفطر ومنهم الصائم لا يعيب أحد على الآخر، وأنه كان يأمرهم بالإفطار عند توقع المشقة فيفطرون جميعا، روى مسلم وأحمد عن أبي سعيد قال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم ) فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا ممن أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال :( إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطرنا ) فكانت عزمة فأفطرنا.
وروي عن عائشة أن حمزة الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أأصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام، فقال له :( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ) وفي رواية مسلم أنه أجابه بقوله :( هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) وأكثر الأئمة كمالك وأبي حنيفة والشافعي على أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق، ويرى أحمد والأوزاعي أن الفطر أفضل عملا بالرخصة.
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ والذين لا يطيقون هم الشيوخ والضعفاء والزمنى الذين لا يرجى برء أمراضهم، والعمال الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم من المناجم، والمجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان الصيام يشق عليهم، والحبلى والمرضع إذا خافتا على ولديهما، فكل هؤلاء يفطرون وعليهم الفدية، وهي طعام مسكين من أوسط ما يطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة بقدر شبع المعتدل الأكل، عن كل يوم يفطرونه.
وخلاصة ما تقدم : أن المؤمنين في صيامهم ثلاثة أقسام :
١ – المقيم الصحيح القادر على الصيام بلا ضرر ولا مشقة، والصوم حتم واجب عليه، وتركه من الكبائر.
٢ - المريض والمسافر ويباح لهما الإفطار مع وجوب القضاء، لما في المرض والسفر من التعرض للمشقة، فإذا علما أو ظنا ظنا قويا أن الصوم يضرهما وجب الإفطار.
٣ – من يشق عليه الصوم لسبب لا يرجى زواله كهرم وضعف بنية ومرض مزمن لا يرجى برؤه، وأشغال شاقة دائمة، وحمل وإرضاع، وهؤلاء لهم أن يفطروا ويطعموا مسكينا عوضا من كل يوم بقدر ما يشبع الرجل المعتدل الأكل.
فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له، لأن ثوابه عائد إليه ومنفعته له، وهذا التطوع شامل لأصناف ثلاثة :
١ – أن يزيد في الإطعام على مسكين واحد، فيطعم بدل كل يوم مسكينين أو أكثر.
٢ – أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب.
٣ – أن يصوم مع الفدية.
وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ أي وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه، خير لكم من الفدية، لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتفدية الإيمان بالتقوى ومراقبة الله، وروي أن أبا أمامة قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : امرني بأمر آخذه عنك قال :( عليك بالصوم فإنه لا مثل له ).
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وجه الخير فيه وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غني عن العالمين، وما روي من قوله عليه الصلاة والسلام :( ليس من البر الصوم في السفر ) فقد خصص بمن يجهده الصوم ويشق عليه حتى يخاف عليه الهلاك.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير