ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

١٩٨- قوله تعالى :( ليس عليكم جناح ) الآية |البقرة : ١٩٨|.
الجناح أعم من الإثم، وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية١، فقال ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء : إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ، وذي المجاز، فأباح الله تعالى ذلك : لا درك في أن تتجروا، وتطلبوا الربح. وقال مجاهد : كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك. وقال ابن عمر تأويلا لهذه الآية : فمن اكترى للحج فحجه تام ولا حرج في ابتغاء الكراء٢. وقد اختلف في جواز الإجارة٣ في الحج فمنعها أبو حنيفة وجوزها الشافعي، وكرهها مالك ابتداء فإن وقعت جازت، وتأويل ابن عمر لهذه الآي يعضد قول من أجازه.
١٩٨- قوله تعالى :( فإذا أفضتم من عرفات ) |البقرة : ١٩٨|.
فيه دليل على أنه قد أمرهم بالوقوف بعرفة٤، قبل إفاضتهم منها، غير أنه تعالى لم يذكر وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبينه صلى الله عليه وسلم بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.
وأجمعوا على أن سنة الوقوف كذلك. وجماعة العلماء يقولون إن من وقف بعرفة ليلا أو نهارا بعد زوال الشمس من يوم عرفة، فقد أدرك الحج إلا مالك بن أنس رحمه الله تعالى فإنه يقول : إن وقف بعد الغروب، ولم يطف بها من النهار شيئا أجزأ عنه، وإن وقف بها قبل الغروب ودفع قبل الغروب فلا حج له، فالفرض على مذهبه الوقوف بالليل دون النهار٥. وعند سائر العلماء الليل والنهار سواء إذا كان بعد الزوال. واحتجوا بحديث عروة بن مضرس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أدرك معنا الصلاة وأتى عرفات ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه " ٦ واحتجوا أيضا بإطلاق بعض أصحاب مالك حديث عروة، على أن " أو " فيه بمعنى الواو، وبينوا حجة مالك بما يوقف عليه من مواضعه إن شاء الله تعالى. ومعنى ( أفضتم ) دفعتم، يقال : أفاض القوم إذا اندفعوا جملة، واختلفوا في سير الإفاضة كيف يكون فذهب جماعة إلى أنه العنق دون الإيضاع، وذهب آخرون إلى أنه الإيضاع دون العنق٧، ورووا٨ عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه قال : أيها الناس أوضعوا. ورووا الأولون عن بعضهم أنه قال : شهدت الإفاضتين مع عمر جميعا ما نزيد على العنق لم يوضع في واحدة منهما. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان سيره العنق " ٩ و الإيضاع في السير أرفع من العنق والآية محتملة لكل القولين.
١٩٨- قوله تعالى :( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) |البقرة : ١٩٨|.
المشعر الحرام جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضي مأزمي عرفة إلى بطن محسر قال ذلك ابن عباس –رضي الله عنه-، وابن جبير، والربيع، وابن عمر، ومجاهد١٠، فهي كلها مشعر، إلا بطن محسر كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة١١. بضم الراء وفتحها، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عرنة كلها موقف والمزدلفة كلها مشعر، ألا وارتفعوا عن بطن محسر " ١٢.
وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام مندوب إليه لقوله تعالى :( واذكروا الله )١٣ وقال الطحاوي١٤ : ذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلا بإصابته، واحتجوا في ذلك١٥ بقوله تعالى :( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) فذكر المسجد الحرام كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس، فحكمها واحد لا يجوز الحج إلا بإصابتها. قال ابن المنذر : وهذا قول علقمة، والشعبي، والنخعي، قالوا : من لم يقف بجمع، فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة١٦. قال الطحاوي : والحجة عليهم أن قوله تعالى :( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) ليس فيه دليل أن ذلك على الوجوب لأن الله تعالى إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكل قد أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في١٧ الكتاب ليس فرضا في الحج فالموطن الذي لم يذكر فيه أحرى ألا يكون فرضا١٨. وهذا القول الذي رده الطحاوي وهو قول ابن الماجشون وقد تقدم ذكره ومذهب مالك وأكثر أصحابه، وغيرهم أن ذلك من سنن الحج، وليس من واجباته ورأوا أن الآية لا تدل على الوجوب.
واختلفوا فيمن مر بها فلم ينزل، فرأى مالك عليه دما، وإن نزل، ثم دفع بعد النزول فلا دم عليه، وإن كان دفعه أول النهار أو وسطه أو آخره. ورأى الشافعي إن خرج منها قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إن لم يبت بها، ولم يقف بالمشعر الحرام إهراق دما١٩.

١ تراجع هذه الأقوال في صحيح البخاري (١٧٧٠) و (٢٠٥٠) و (٤٥١٩) وتفسير الطبري (٢/٣٧٥ -٣٨٠) وبتوسع العجاب لابن حجر (ص ٣١١ -٣١٥)..
٢ ذكر أغلب هذا ابن عطية في المحرر الوجيز (١/٥٥٨) ويراجع أحكام القرآن للجصاص (١/٣٨٦) وللهراسي (١/١١٤)..
٣ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٤٥٩)..
٤ يراجع لأقوال الفقهاء أحكام القرآن للجصاص (١/٣٨٦ -٣٩٠) وأحكام القرآن للهراسي (١/١١٥ -١١٨) والإشراف لعبد الوهاب (١/٤٨٢، ٤٨٣) والاستذكار لابن عبد البر (١٣/٦٢ -٤٧) وقال فيه: "والسنة أن يقف كما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم نهارا يتصل له بالليل" وتفسير القرطبي '٢/٤١٤ -٤٢١)..
٥ يراجع الموطأ في كتاب الحج (١/٥٢١ -٥٢٤)..
٦ أخرجه أبو داود (١٩٥٠) والترمذي (٨٩١) والنسائي (٥/٢٦٣) وابن خزيمة (٢٨٢٠) و (٢٨٢١) وقال الترمذي: "حسن صحيح" وصححه غير واحد منهم ابن عبد البر في الاستذكار (١٣/٣٠)..
٧ يراجع كلام عياض في المشارق (١/٩٢) و (٢/٢٩٠)..
٨ في ن "وروي"..
٩ أخرجه عن أسامة بن زيد البخاري في الحج (١٦٦٦) ومسلم في الحج (١٢٨٦)..
١٠ يراجع لهذا تفسير الطبري (٢/٣٨٢ -٣٨٧) وأحكام القرآن للجصاص (١/٣٩٠ -٣٩٣) وأحكام القرآن للهراسي (١/١١٨ -١٢٠) وأحكام القرآن لابن العربي (١/١٣٧، ١٣٨) وتفسير القرطبي (٢/٤٢١ -٤٢٧) وتفسير ابن كثير (١/٢٤٠ -٢٤٣)..
١١ أخرجه مسلم في الحج (١٢١٨) من حديث جابر الطويل وعن علي وأبو داود (١٩٢٢) و (١٩٣٥) والترمذي (٨٨٥) وابن الجارود (٤٧١) وابن ماجه (٣٠١٠)..
١٢ هذا والذي فبله ذكرهما ابن عطية في المحرر الوجيز (١/٥٥٩، ٥٦٠)..
١٣ يراجع شرح معاني الآثار (٢/٢٠٨، ٢٠٩)..
١٤ في ب "لذلك" وكذا في ن..
١٥ في ب "لذلك" والمثبت موافق لما عند الطحاوي..
١٦ ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار (١٣/٣٥، ٣٦) وابن حزم في المحلى (٧/١٣١)..
١٧ في أ و ب في "هذه الليلة" والتصحيح من كتاب الطحاوي. وفي ن "في هذا الكتاب"..
١٨ إلى هنا انتهى كلام الطحاوي..
١٩ يراجع الاستذكار (١٣/٣٥ -٤٧) وشرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٢٠٧ -٢١١)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير