والموضوع الرئيسي في هذا الربع من سورة البقرة يكاد ينحصر في إعادة تنظيم فريضة الحج، وإرجاعها إلى أصلها الأصيل، حسبما كانت عليه في ملة إبراهيم الخليل، بغية تخليصها من جميع شوائب الشرك، وتطهيرها تطهيرا تاما من تقاليد الجاهلية ونزغاتها وشعاراتها الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ . - وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أَفَضتُم مِّن عَرَفَاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَراَمِ، واذكُرُوهُ كَماَ هَداكُم وَإن كُنتُم مَّن قَبلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَاستَغفِرُوا اللهَ، إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، فَإِذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُم فاذكُرُوا اللهَ كَذِكرِكُمُ آبَاءَكُمُ أَوَ أَشَدَّ ذِكْراً .
وفي نفس هذا الاتجاه وعلى أساس القاعدة الإسلامية، قاعدة اليسر ورفع الحرج التي تميز بها الإسلام، نزل قوله تعالى : لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُوا فَضلاً مِّن رَّبِّكُم . فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا في الإسلام أن يتجروا فيها ( أي خافوا أن ينالهم إثم بالتجارة فيها ) فنزلت الآية : لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُوا فَضلاً مِّن رَّبِّكُم . يعني موسم الحج.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه أحكام القرآن : " في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه " إلى آخر كلامه.
ومما ينسجم مع هذه الآية ويؤكد معناها قوله تعالى في سورة الحج وأذِّن فِي النَّاسِ بالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقِ، لِّيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذكُرُوا اسمَ اللهِ فِي أيَّامٍ مَّعلُومَاتٍ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري