ولما كان الله سبحانه بسعة لطفه ورحمته يريد في هذه الشعيرة المقدسة والرحلة المباركة أن يتعاون الناس، أذن لجماعة من الحجاج أن تقوم على خدمة الآخرين تيسيراً لهم. ومن العجيب أن الذين يقومون بخدمة الحجاج يرخص الله لهم في الحج أن ينفروا قبل غيرهم ؟ لأن تلك مصلحة ضرورية. فهب أن الناس جميعا امتنعوا عن خدمة بعضهم بعضا فمن الذي يقوم بمصالح الناس ؟ إذن لابد أن يذهب أناس وحظهم العمل لخدمة الحجاج، والله -سبحانه وتعالى- بيّن ذلك ووضحه بقوله :
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ١٩٨
( ليس عليكم جناح ) أي لا إثم عليكم ولا حرج ( أن تبتغوا فضلاً من ربكم ) أي أن تتكسبوا في الحج وهو نسك عبادي، والمكسب الذي يأتي فيه هو فضل من الله. وقديماً كانوا يقولون : فيه ( حاج )، وفي ( داجّ )، واحدة بالحاء وواحدة بالدال، ( فالداجّ ) هو الذي يذهب إلى الأراضي المقدسة للتجارة فقط، ونقول له : لا مانع أن تذهب لتحج وتتاجر ؛ لأنك ستيسر أمراً ؛ لأننا إن منعناه فمن الذي يقوم بأمر الحجيج ؟
ولماذا قال الحق :( تبتغوا فضلاً من ربكم ) ولم يقل رزقاً ؟. لقد أوضح الحق في الآية التي قبلها : ألا تذهبوا إلا ومعكم زادكم. إذن أنت لا تريد زاداً بعملك هذا، أي لا تذهب إلى الحج لتأكل من التجارة، إنما تذهب ومعك زادك وما تأتي به هو زائد عن حاجتك ويكون فضلا من الله سبحانه وتعالى، وهو جل شأنه يريد منك ألا يكون في عملك المباح حرج ؛ فنفى الجناح عنه ؛ فأنت قد جئت ومعك الأكل والشرب ويكفيك أن تأخذ الربح المعقول، فلا يكون فيه شائبة ظلم كالاستغلال لحاجة الحجيج، لذلك أسماه ( فضلاً ) يعني أمرا زائداً عن الحاجة.
وكل ابتغاء الرزق وابتغاء الفضل لا يصح أن يغيب عن ذهن مبتغي الرزق والفضل، فكله من عند الله. إياك أن تقول : قوة أسباب، وإياك أن تقول : ذكاء أو احتياط، فلا شيء من ذلك كله ؛ لأن الرزق كله من الله هو فضل من الله. ولا ضرر عليك أن تبتغي الفضل من الرب ؛ لأنه هو الخالق وهو المربي. ونحن مربوبون له، فلا غضاضة أن تطلب الفضل من الله.
ثم يقول الحق بعد ذلك :( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ). وأنت حين تملأ كأسا عن آخرها فهي تفيض بالزائد على جوانبها، إذن فالفائض معناه شيء افترق عن الموجود للزيادة.
قوله :( فإذا أفضتم من عرفات ) تدل على أن الله قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء، وكل من يخرج منها كأنه فائض عن العدد المحدد لها. وهذا حكم من الله في الحج. وأنت إذا ما شهدت المشهد كتبه الله للمسلمين جميعاً. إن شاء الله سترى هذه المسألة، فكأن إناءً قد امتلأ، وذلك يفيض منه. ولا تدري من أين يأتي الحجيج ولا إلى أين يذهبون. ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل بشرية، وكذلك إذا فاض الحجيج في مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر إليهم أنه لا فارق بينهم ؛ ولذلك يقال : سالت عليه شعاب الحي كأنها سيل.
وقال الشاعر :
فسالت عليه شعاب الحي حين دعا
أصحابه بوجوه كالدنانير
وقال آخر :
ولمّا قضينا من منى كل حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطى الأباطح
أي كأنه سيل متدفق، هكذا تماما تكون الإفاضة من عرفات. وعندما تتأمل الناس المتوجهين إلى ( مزدلفة ) تتعجب أين كان كل هذا الجمع ؟ ترى الوديان يسير فيها الناس والمركبات كأنهم السيل ولا تستطيع أن تفرق شخصاً من مجموعة، وفي موقف الحجيج إفاضتان : إفاضة من عرفات، ثم إفاضة ثانية بينتها الآية التي بعدها يقول سبحانه :
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ١٩٩
تفسير الشعراوي
الشعراوي