٢٨٣- قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة إلى قوله :( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) الآية |البقرة : ٢٨٣، ٢٨٤|.
مذهب مالك وجميع أصحابه وغيرهم إجازة الرهن في السفر والحضر خلافا لأبي حنيفة، ومجاهد، وداود، في قصرهم ذلك على السفر تعلقا منهم بدليل خطاب الآية١. ولا حجة لهم فيها لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلا على منعه في الحضر بل أراد الله تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا منع عذر من الانتقاد فذكر السفر إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيها على سائر الأعذار. فالرهن في الحضر أيضا مشار إليه بالآية على هذا الوجه، وأيضا فإنه قدرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي في شعير استلفه. وتوفي صلى الله عليه وسلم وتلك الدرع مرهونة٢. وكان هذا منه –عليه الصلاة والسلام- في الحضر فهذا يذهب حكم دليل الخطاب في الآية لو قلنا به٣.
واختلف في الرهن في السلم فلم يجزه بعضهم والجمهور على الجواز. وحجة٤ الجواز قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان الآية. فعم.
والرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم إلا بالحيازة لقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) هذا مذهب مالك وجميع أصحابه. وذهب الشافعي، وأهل العراق إلى أنه لا يكون رهنا حتى يكون مقبوضا٥. وفائدة الخلاف أن الراهن عندنا لا يكون له الرجوع في الرهن وإن لم يقبضه المرتهن. وعندهم أنه لا يلزمه حتى يقبضه. واستدلوا بقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) وقالوا لما وصفها الله تعالى بالقبض وجب أن يكون ذلك من شروط كونها رهنا، وأن يكون القبض مصاحبا لها كما أنه لما وصف الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطا فيها مصاحبا لها. قالوا ولأن قوله فرهان مقبوضة لا يخلو إما أن يكون خبرا أو أمرا فإن كان خبرا كان شرطا فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمرا فهو على وجوبه والدليل على صحة قولنا قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) |المائدة : ١| والعقد قد حصل لأنه الإيجاب والقبول وذلك موجود. وأيضا فإنه قال :( فرهان مقبوضة ) فجعل القبض من صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنا قبل القبض لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائدا على وجوده.
واختلف في الرهن يوضع على يدي عدل فقالت طائفة : لا يصح وليس بمقبوض ولا يكون شاهدا ولا يكون أحق به من الغرماء والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض فيكون بذلك شاهدا له ويكون أحق به من الغرماء. والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض٦. وقيل : إنه لا يكون شاهدا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في " موطئه " ٧ وحجة القول بأنه مقبوض قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) معناه مقبوضة من الراهن. وهذا موجود في هذا الرهن، فهو إذا مقبوض.
واختلف في استدامة القبض هل هي شرط في صحة الرهن أم لا ؟ فالمذهب على أنه شرط فمتى عاد إلى يد الراهن برضى من المرتهن على أي وجه خرج فقد زال عن الرهن. وقال الشعبي٨ ليس ذلك بشرط ولا يخرج من الرهن بعوده إلى يد الراهن. وقال أبو حنيفة إن رجع بكراء بطل وإن رجع بوديعة أو عارية لم يبطل. ودليل المذهب قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم سائر أحوال الرهن٩. واختلف في شهادة الرهن فذهب بعضهم إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن وإن كان ما ادعى أكثر من قيمة الرهن فجعلوا الرهن شاهدا له بجميع دينه. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن القول قول الراهن قل أو كثر ما ادعاه فلم يجعلوا للراهن شهادة١٠. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله تعالى :( وليملل الذي عليه الحق ) قال : فهذا يدل على أنه مؤتمن، فيقتضي ذلك قبول١١ قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، والراهن هو الذي عليه الحق. قال : وربما رهن الشيء بالقليل والكثير. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن فيه الرهن ما لم يجاوز قيمة الرهن، فكأن الرهن شاهد بقيمته. وهذا القول أعدل الأقوال. ولو لم يكن الرهن شاهدا، وكان كما يقول من ذكرنا لم يكن لقوله عز وجل :( فإن أمن بعضكم فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) معنى لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه به. فالقول قوله أيضا فيما يقر به من الدين ولا يجوز أن تكون الحالة الثالثة كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول من ذكرنا.
وعندنا أنه يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنا بذلك العقد، ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان. وكذلك يصح تقديم الضمان على الحق المضمون. وقال الشافعي : لا يصح ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم١٢.
واختلف في رهن المشاع فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة١٣. والحجة على من لم يجزه أنهم إن١٤ سلموا أن قبضه يصح، فالظاهر تناوله بقوله فرهان مقبوضة. وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية. وقد ثبت أن بيع المشاع جائز، وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح. فإذا صح البيع فيه صح قبضه كالمقسوم. وإذا كان لرجل على رجل دين فباع من عليه الدين ممن له الدين شيئا وجعل الدين عليه رهنا. فروى ابن القاسم عن مالك أنه يجوز ويصح الرهن١٥. وقال غيره من العلماء : لا يجوز لأنه لا يتحقق إقباضه له والقبض شرط لزوم الرهن ودليل القول الأول عموم الآية. وإذا رهن الرجل عند الرجل رهنا على حق ثم استزاده شيئا آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهنا بالحقين خلافا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم كل دين يجوز أخذ الرهن به. وكل رهن١٦ يجوز ارتهانه بكل١٧ دين١٨.
وإذا ارتهن الرجل رهنا على أنه إن جاء الراهن بالثمن، وإلا فالرهن للمرتهن صح الرهن عندنا وبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي : يبطل الرهن.
ودليلنا على أنه لا يبطل قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) ١٩. ورهن المجهول، والغرر يجوز.
وقال أبو حنيفة والشافعي٢٠ لا يجوز.
ودليلنا عموم الآية قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم.
والمكاتب والعبد المأذون يجوز أن يرهن. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز٢١.
ودليلنا ( فرهان مقبوضة ) فعم العبد والمكاتب. وقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) ليس في هذه دليل على حكم الرهن إذا قبض فهلك فأحاله من الضمان ؟ لأن القبض إذا حصل بحكم الآية بقي النظر فيه هل يحكم لذلك القبض بحكم الأمانة أم لا ؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه مضمون منه من غير تفصيل٢٢. وذهب الشافعي إلى أنه غير مضمون منه من غير تفصيل. وفرق مالك بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. وعنه إذا قامت بينة على التلف مما يغاب عليه قولان٢٣.
ومن حجة الشافعي قوله –عليه الصلاة والسلام- : " الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه " ٢٤ وهذا يحتمل أن يريد إذا ظهر هلاكه فلا يكون فيه حجة. وقد جاء عنه –عليه الصلاة والسلام- قال : " الرهن بما فيه " ٢٥ وهذه عبارة عن وجوب ضمانه على المرتهن٢٦.
وقوله تعالى :( فإن أمن بعضكم بعضا ) الآية |البقرة : ٢٨٣|.
قد استدل بعضهم بهذه الآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا في أجل الثمن على المبتاع إذا قبض السلعة، فإن القول قوله سواء أقر له البائع بأجل أم لا ؟. وفي المسألة اختلاف كثير.
وكذلك إذا اختلفا في عدد الثمن قال : لأن القبض ائتمان فإذا دفع السلعة إلى المبتاع ولم يتوثق بالشهادة وجب أن يكون القول قوله٢٧.
٢ يراجع صحيح البخاري كتاب السلم من حديث عائشة (٢٢٥١، ٢٢٥٢)..
٣ يراجع تحقيق ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٣٠١)..
٤ في ب "وحجتهم"..
٥ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠ -٢٦٢) الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦، ٥٧٧) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٦٣ -٢٦٥)..
٦ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦١، ٢٦٢) الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦، ٥٧٧) والمحرر الوجيز (٢/٣٠٦) وتفسير القرطبي (٣/٤١٠)..
٧ يراجع الموطأ (٢/٢٧١ -٢٧٦)..
٨ كذا في الأصول الخطية والظاهر أنه تصحيف والصواب "الشافعي" كما في الإشراف لعبد الوهاب والمؤلف ينقل عنه..
٩ يراجع في هذا المدونة لسحنون (٥/٣٠٩) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦) والأم للشافعي (٣/١٤٠، ١٤١) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠، ٢٦١)..
١٠ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٨٥) وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/٢٦٣)..
١١ في ب "فيقضى ذلك بقبول"..
١٢ يراجع كلام القاضي عبد الوهاب في الإشراف (٢/٤٨٣، ٥٨٤/ رقم ٩٧٥)..
١٣ يراجع الأم للشافعي (٣/١٩٠، ١٩١) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٧/ رقم ٩٥٧)..
١٤ في ب "إذا"..
١٥ تراجع المدونة لسحنون (٥/٣٤٠)..
١٦ في ب "وكان رهنا"..
١٧ في ب و أ "لكل" والمثبت موافق لما في "الإشراف" لعبد الوهاب..
١٨ يراجع الأم للشافعي (٣/١٥٤، ١٥٥) والإشراف على مسائل الخلاف لعبد الوهاب (٢/٥٧٩/ رقم ٩٦١)..
١٩ يراجع الموطأ لمالك (٢/٢٧١، ٢٧٢) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٧٠، ٢٧١) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٦٨)..
٢٠ الأم للشافعي (٣/١٢٦)..
٢١ الظاهر أن نقل المؤلف لما في كتاب الشافعي يراجع الأم (٣/١٩٣)..
٢٢ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٢، ٢٦٣)..
٢٣ الأم للشافعي (٣/١٦٧، ١٦٨)..
٢٤ ورد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "لا يغلق الرهن.." والبقية مثله أخرجه ابن ماجه (٢٤٤١) والشافعي (٢/١٦٤) وابن حبان (الإحسان: ٥٩٣٤) والدارقطني في السنن (٣/٣٢) والحاكم في المستدرك (٢/٥١) والبيهقي (٦/٣٩).
والحديث موصول ضعيف وهو مرسل صحيح وتوسعت في الكلام عليه في تحقيقي لغرائب مالك لابن مظفر (ص ١٠٥ -١٠٧/ رقم ٩٩ و١٠٠). ويراجع إرواء الغليل للألباني (٥/٢٣٩ -٢٤٣/ رقم ١٤٠٦)..
٢٥ أخرجه الدارقطني في السنن (٣/٢٣) وعنه البيهقي في السنن (٦/٤٠) من طريق إسماعيل بن أبي أمية، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، أنس. فذكره مرفوعا. كما روياه من طريق إسماعيل بن أبي أمية، نا سعيد بن راشد، نا حميد الطويل، عن أنس فذكر مثله.
قال أبو الحسن الدارقطني: "إسماعيل هذا يضع الحديث، وهذا باطل عن قتادة، وعن حماد بن سلمة والله أعلم".
ووافقه الحافظ البيهقي وقال: "والأصل في هذا الباب حديث مرسل وفيه من الوهن ما فيه".
وللحديث طرق أخرى لا يصح شيء منها لكن وجدت إمام المغرب وحافظه أبو عمر بن عبد البر يقول في الاستذكار (٢٢/٩٥): "وأصل هذا الحديث عند أكثر أهل العلم به مرسل، وان كان قد وصل من جهات كثيرة إلا أنهم يعللونها على ما ذكرنا عنهم في "التمهيد" وهم مع ذلك لا يدفعه، بل الجميع يقبله، وان اختلفوا في تأويله" فهو يصححه من حيث المعنى وان كان يضعفه من جهة السند، وهو منهجه في كثير من الأحاديث كما هو مبين في رسالتي العلمية حوله..
٢٦ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٨٢، ٥٨٣) والاستذكار لابن عبد البر (٢٢/٩٣ -١٠٥)..
٢٧ يراجع أحكام القرآن لان العربي (١/٢٦٢، ٢٦٣) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٣٠٦، ٣٠٧)..
أحكام القرآن
ابن الفرس