ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [ ١ ] وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ [ ٢ ] الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ [ ٣ ] مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً [ ٤ ] أَوْ ضَعِيفاً [ ٥ ] أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [ ٦ ] وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء [ ٧ ] إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ [ ٨ ] إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٨٢ ‏ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨٣
تعليقات على الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى...
والآية التالية لها
في الآيتين تعليمات للمسلمين بما يفعلونه في ظروف الدين والبيع :

١-
فعليهم إذا تداينوا بدين إلى أجل معين أن يكتبوا بالدين وثيقة.

٢-
وعلى الكاتب أن يكتب الوثيقة بالحق، ولا يجوز له أن يمتنع عن كتابتها على هذا الوجه ؛ لأن الله الذي يأمره بذلك هو الذي علمه.

٣-
وعلى الذي عليه الدين أن يقرر للكاتب ما عليه ليكتبه وأن يتقي الله فيما يقرره ولا ينقص منه شيئا. وإذا كان ناقص التمييز أو عاجزا عن التقرير أو مريضا فعلى وليّه أن يقرر الحق الذي عليه ليكتبه الكاتب.

٤-
وعلى المسلمين أن يستشهدوا على وثيقة الدين رجلين منهم أو رجلا وامرأتين ممن يرضون وتطمئن إليهم نفوسهم. وجعل امرأتين مع الرجل في حالة عدم وجود رجلين هو لتذكر إحداهما الأخرى إذا نسيت.

٥-
ولا يجوز للشهود أن يمتنعوا عن الشهادة إذا دعوا إليها.

٦-
وعلى المسلمين أن لا يتهاونوا في كتابة وثائق الدين سواء أكان قليلا أو كثيرا، فإن ذلك هو الأفضل والأعدل عند الله والأضمن لعدم الارتياب والشك فيما بينهم.

٧-
ولا مانع من عدم تدوين المعاملة التجارية إذا كانت فورية لا دين فيها، أحدهم يسلم السلعة والآخر يدفع الثمن.

٨-
وعلى أن يستشهدوا شهودا على ما يقع بينهم من بيوع.

٩-
ولا يجوز في أي حال مضارة كاتب أو شهيد أو أذيتهما بالقول والفعل، فذلك إثم وعصيان لأوامر الله.

١٠-
وإذا كان الطرفان أو كلاهما على أهبة سفر ولم يجدا كاتباً يكتب وثيقة الدين فيحسن أن يقوم مقام الوثيقة رهن يسلمه المدين إلى الدائن.

١١-
وإذا ائتمن الواحد آخر في حالة عدم إمكان كتابة سند الدين فيكون بدل ذلك رهن من المستدين إلى حين الأداء. وعلى المؤتمن أن يحقق ظن صاحبه في أمانته فيؤدي إليه ما ائتمنه عليه بحق وعدل.

١٢-
ولا يجوز لأحد كتمان شهادته في أي أمر، ومن يكتمها فإنه آثم القلب.

١٣-
وعلى المؤمنين على كل حال أن يتقوا الله ويراقبوه فيما يقوم بينهم من معاملات. فهو الذي يعلمهم ما يحسن لهم ويساعد على توثيق مصالحهم، وهو العليم بكل شيء الخبير بما يعملونه.
والآية الأولى أطول آية في القرآن. وقد روى ابن كثير رواية معزوة إلى شعيب بن المسيب أنه بلغه أن هذه الآية أحدث القرآن عهداً بالعرش أي آخر ما نزل من القرآن. ولم نطلع على رواية خاصة في سبب نزول الآيتين. والمتبادر أنهما متصلتان بسابقاتهما اتصالاً استطرادياً. فقد ذكر في الآيات السابقة الدين والبيع فأوحى بالآيتين للتشريع والتسليم في صدد ذلك. والراجح أنهما نزلتا بعد تلك الآيات مباشرة فوضعت بعدها للتناسب الموضوعي والزمني.
ولقد روى ابن كثير عن ابن عباس : أن الآية الأولى نزلت في السلَم إلى أجل معلوم ( وهو شراء غلة معينة في موسم آت بثمن معجل ) وأنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله، وأنه روى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :«من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم» غير أن الإطلاق في جملة إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى يلهم أنه جاء كذلك ليكون شاملاً لكل نوع من الدين.
وروعة التعليم والتشريع في الآيتين ظاهرة قوية لا تحتاج إلى إطناب. وقد روعي فيها تعليم المسلمين توثيق أمورهم التجارية، وتوطيد الحق والعدل فيما بينهم فيها، وعدم تركها فوضى بسبب ما ينتج عنها من مشاكل وخلافات وشحناء. وبالتالي تلقينهم تنظيم أمورهم الدنيوية على الوجه الذي يكفل لهم الحق والعدل والطمأنينة والثقة وعدم النزاع. وجملة أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا تلهم أن كتابة المعاملات التجارية الفورية أفضل، وأن الاستثناء هو للتيسير والتخفيف.
وفي كتب التفسير أقوال وروايات عن أهل التأويل في مدى أحكام هذه الآيات نوجزها ونعلق عليها كما يلي. وهناك نقاط لم نطلع على قول فيها رأينا كذلك أن نوردها ونذكر ما يتبادر لنا فيها :

١-
لقد روى المفسرون قولين في مدى الأمر بكتابة الدين والاستشهاد عليه. أحدهما أنه من باب الاستحباب والتشويق، وثانيهما أنه على سبيل الإيجاب. ويتبادر لنا من روح الآية وفحواها وتوكيدها المتكرر ورفع الحرج عن عدم كتابة التجارة الحاضرة والمعاملة الفورية مع تفضيل الكتابة أن القول الثاني هو الأوجه.

٢-
ورووا كذلك قولين في مدى واجب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فأحدهما أنه على سبيل التخيير والندب وثانيهما على سبيل الإيجاب. وقد يكون القول الأول هو الأوجه ؛ لأن الكاتب والشاهد شخصان حران لا يصح إرغامهما على ما لا يريدانه من كتابة أو شهادة. أما حين يقبل الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد على الواقعة بناء على طلب صاحب المصلحة فالجمهور متفقون على أن يكون حينئذ من الواجب على الكاتب أن يكتب بالعدل وعلى الشاهد أن يلبي الدعوة ويشهد بالحق. ولا يكون هذا على سبيل الاستحباب والتخيير، وهذا سديد وواضح من العبارة القرآنية أيضا.

٣-
والمتبادر من العبارة القرآنية أن الشهود المعنيين هم الذين طلب منهم أن يحضروا ويشهدوا على الواقعة، وقد تقع معاملات بين طرفين ويكون أناس حاضرين الواقعة صدفة ولم يحضر الطرفان شهودا خصيصين. ولم نطلع على قول في مثل هذه الحالة. والمتبادر أن من واجب هؤلاء أداء الشهادة إذا ما دعوا إليها ولا يصح لهم أن يمتنعوا ويكتموا ؛ لأن في ذلك إضاعة لحقّ قد لا يثبت بدون شهادتهم.

٤-
والمفسرون يروون أقوالاً عديدة في مدى جملة وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ منها أن المعني بهذا الأمر الكاتب والشاهد. وأن الجملة توجب عليهما عدم مضارة صاحب المصلحة والحق. وعلى الكاتب أن يكتب بالعدل والشاهد أن يشهد بالحق. ومنها أن المعني بهذا الأمر أصحاب المصلحة. فلا يجوز لهم إرغام الكاتب على الكتابة ولا شخصا ما على المجيء والشهادة على العملية، ويسبب لهما بذلك ضرراً في إضاعة وقت وخسران عمل. ومنها أن المعني بهذا الأمر أصحاب المصلحة من جانب آخر وهو أنه لا يجوز لهم أن يضاروا ويؤذوا الكاتب على كتابته بالعدل والشاهد على شهادته بالحق. وروح الآية تلهم أن القول الأخير هو الأكثر وروداً ووجاهة.

٥-
والمتبادر أن الإشارة إلى واجب الإملاء والتقرير على ولي السفيه والعاجز والمريض تنطوي على كون أقوال هؤلاء واعترافاتهم في حق أنفسهم غير نافذة. وقد تفيد العبارة القرآنية أن المقصود من ( الولي ) الذي يجب أن ينوب عن هذه الفئات في الإملاء والتقرير هو الذي له حق الولاية على هذه الفئات بسبب درجة قرابته لهم. غير أن الجمهور على أن القضاء الشرعي مخول في إقامة الأولياء أيضا على أمثال هذه الفئات ليكونوا مسؤولين عن رعاية حقوق هذه الفئات ومصالحها. وهذا حقّ وصواب. وحتى بالنسبة للذين تخولهم قرابتهم الولاية ؛ حيث يكون الأولى أن تكون ممارستهم للولاية بعلم وإقرار القضاء حتى يكونوا مسؤولين أمامه، والله أعلم.

٦-
وقد روى المفسرون في صدد جملة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ أنها في صدد حفظ الأمانات وردها إلى أصحابها وعدم المماراة فيها وتبديدها إطلاقاً. ومنها أنها في صدد الرهن الذي يعطيه المدين للدائن عوضا عن سند الدين حينما تتعسر كتابته على ما جاء في الآية : وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ حيث توجب الجملة على الدائن فقط الرهن سليماً بدون تبديد على اعتبار أنه أمانة في يده ورده إلى المدين كما هو حينما يرد هذا ما عليه من دين. ومنها أن ذلك في حالة تعسر الكتابة وتعسر الرهن واعتماد الدائن على أمانة المدين وحسب ؛ حيث توجب الجملة على المدين قيامه بحق من ائتمنه على ماله ورده إليه. وفحوى العبارة ومقامها متسقان أكثر مع المعنى الثاني وقد يتسقان مع المعنى الثالث أيضا. والمعنى الأول وارد الوجوب دائما وفي كل حال. وليس بينه وبين المعنيين تعارض، وقد أوجبت آية سورة النساء [ ٥٨ ] ردّ الأمانات إلى أهلها. ونوهت آيات مكية عديدة بمن يرعى أمانته وعهده كما جاء في آيات المؤمنون [ ٨ ] والمعارج [ ٢٩ ].

٧-
وجمهور المفسرين على أنه ينطوي في جملة مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء شرط تحقق العدالة في الشهود. أو أن ذلك هو المقصود من الجملة أي يجب أن يكونوا من المعروفين بالاستقامة غير المتهمين في ذممهم. ومع ما في هذا من وجاهة فإنه يتبادر لنا أن الجملة أوسع مدى بحيث تنيط استشهاد الشهود بثقة المستشهدين ورضائهم النفسي والقلبي.

٨-
وكلمة مِنْ رِّجَالِكُمْ في صفة الشهود تفيد وجوب اختيارهم من المسلمين مع توفر العدالة وطمأنينة صاحب المصلحة. ولقد روى المفسرون أقوالا في شمول العبارة للأرقاء المسلمين ؛ حيث قال بعضهم بالشمول، وبعضهم حصر الشهادة في أحرار المسلمين. ويتبادر لنا أن القول الأول هو الأوجه فقد خاطب القرآن المؤمنين بكل ما يتصل بشؤون الدين والدنيا بدون تمييز بين الأرقاء والأحرار. واعتبرهم جميعاً بعضهم من بعض وبعضهم أولياء بعض في آيات عديدة مثل آية سور

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير