ثم ذكر ما هو كالاستثناء من الأحكام السابقة فقال : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة أي وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا يحسن المداينة، أو لم تجدوا صحيفة ولا دواة ولا قرطاسا، فاستوثقوا برهن تقبضونه.
وذكر السفر وعدم وجود الكاتب الذي يكتب وثيقة الدين، بيان للعذر الذي رخص ترك الكتابة ووضع الرهن محله في التوثق لصاحب الدين لا لمنع أخذ الرهن في غير ذلك، فقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه في المدينة ليهودي بعشرين صاعا من شعير أخذها لأهله رواه البخاري ومسلم.
وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون عدم وجود الكاتب مقيدا بحال السفر، لا في مواطن الإقامة، لأن الكتابة مفروضة على المؤمنين والإيمان لا يتحقق إلا بالإذعان والعمل، ولا سيما في فريضة أكدت كالكتابة.
فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه أي فإن آمن بعض الدائنين بعض المدينين لحسن ظنه به، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره، فليؤد المدين دينه وليكن عند ظن الدائن به، وليتق الله به فلا يتخون من الأمانة شيئا، فقد يوسوس له الشيطان بأن لا حجة عليه ولا شهيد، فالله خير الشاهدين وهو أولى أن يتقى، وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان به.
والآيات السالفة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن هي الأصل، والعزيمة للاحتياط في الديون- وهذه الآية رخصة أباحها الله لنا حين الضرورة كالأوقات التي لا يوجد فيها كاتب ولا شهيد، فإذا احتاج امرؤ إلى الاقتراض من أخيه في مثل هذه الحال، والله لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه.
ثم أكد وجوب الشهادة الذي استفيد من قوله : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا بقوله :
ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه أي ولا تمنعوا عن أداء الشهادة إذا دعا إليها الأمر، ومن يفعل ذلك يكن مجترحا للإثم مرتكبا للذنب.
وسر هذا التأكيد أن الكتاب والشهود هم الذين يعينون الناس على حفظ أموالهم، فعليهم ألا يقصروا في ذلك، كما على أرباب الأموال ألا يضاروهم، فإن المصلحة مشتركة بين الجميع.
ونسب الإثم إلى القلب، لأنه هو الذي يعني الوقائع ويدركها ويشهد بها، فهو آلة الشعور والعقل، فكتمان الشهادة عبارة عن حبس ذلك فيه، والإثم كما يكون بعمل الجوارح وحركات الأعضاء يكون بعمل القلب واللب، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا فأسند إلى الفؤاد : أي القلب أو النفس أعمالا خاصة به، كما أسند الباقي إلى السمع والبصر.
ومن آثام القلب سوء القصد وفساد النية والحسد.
والآية ترشد إلى أن الإنسان يعاقب على ترك المعروف كما يعاقب على فعل المنكر، لأن الترك في الشهادة بكتمانها فعل للنفس تترتب عليه آثار تضر غيرها.
وكل من الكتابة والاستشهاد شرع للاستيثاق بين الدائن والمدين، والكتابة أقوى من الشهادة، والشهادة عون لها، فالدائن يستوثق لماله فيأمن من إنكاره كله أو بعضه، والمدين يستوثق لما عليه فلا يخاف أن يزداد فيه، والشاهد يستوثق بشهادته فإذا شك أو نسي رجع إلى الكتابة فتذكر واطمأن قلبه كما قال : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا .
وللكتابة الفضل الأكبر في حفظ الحقوق حين موت الشهيدين أو أحدهما، لأنه لا حافظ لها حينئذ إلا هي، فهي التي يرجع إليها ويعمل بها.
تفسير المراغي
المراغي