٤١- وقوله تعالى : ولا تكونوا أول كافر به |البقرة : ٤١|.
دليل خطاب هؤلاء لأنه لم يقل به أحد، وفي ذلك دليل على ضعف القول به خلافا لمن رآه في هذا الموضع دليلا معتمدا عليه(١)، ويمكن أن يكون لتخصيص النهي، بأن يكونوا أول كافر به فائدة، لأن النهي عن ذلك يدل(٢) وإن كان الكفر كله قبيحا على أن أول السابق فيه أشد قبحا وأعظم للإثم لقوله تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم |العنكبوت : ١٣| وقوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم |النحل : ٢٥| وقوله من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا |المائدة : ٣٢|.
وقال عليه الصلاة والسلام : " إن على بني آدم القاتل من الإثم في كل قتيل ظلما كفلا من الإثم، لأنه أول من سن القتل " (٣) وقال : " من سن سنة حسنة... " الحديث(٤).
فان قيل : فكيف نهاهم تعالى أن يكونوا أول كافر به، وقد كفر قبلهم كفار قريش ؟ فالجواب عن ذلك أن معناه من أهل الكتاب.
٤١- وقوله تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا |البقرة : ٤١|.
اختلف في تأويله فقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وقال بعضهم : كان للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالرواتب. وقيل : إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير صفة(٥) محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة(٦).
وقيل : المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي الدنيا والعيش الذي هو نزر. وقد اختلف في جواز بيع المصحف(٧)، والجمهور على جوازه. ويحتمل أن يتعلق بالآية من يحرم بيعه لعمومها، ولا حجة له فيها لما فيها من الاحتمالات المتقدمة(٨)، ولما مر عليه السلف من بيعه، وهم أعلم بالتأويل. وكذلك اختلف في تعليم القرآن بالأجرة، فأجيز، وكره، ومنع والجمهور على جوازه. ويحتمل أن يتعلق بظاهر الآية من لا يجيزه بالأجرة. ولا حجة له فيه، لما جاء من العمل في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الرقية بالحمد لله، وهو حديث صحيح(٩). وأما تعليم كتب الشريعة بالأجرة فمكروه مشهور ذلك عن مالك، وقد أجازه قوم.
والقول فيه على ما تقدم إن شاء الله(١٠).
٢ في أ "يرد"..
٣ بنحوه مرفوعا من حديث ابن مسعود أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء ٣٣٣٥ ومسلم في القسامة ١٦٧٧..
٤ أخرجه من حديث جرير بن عبد الله مطولا وفيه قصة مسلم في صحيحه رقم ١٠١٧..
٥ كذا في ب وفي أ "قصة"..
٦ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٢٥٤..
٧ كذا في أ وفي ب "الصحف"..
٨ في أ "المتقدمات"..
٩ يراجع صحيح البخاري في الطب ٥٧٣٦ و٥٧٤٩ ومسلم في الإسلام ٢٢٠١..
١٠ يراجع حول هذه المسألة كلام الحافظ ابن حجر في الفتح ٤/٤٥٣ -٤٥٨..
أحكام القرآن
ابن الفرس