وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به
المفردات :
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا : البيع والشراء قد يطلق كل منهما مكان الآخر والمعنى لا تبيعوا آياتي بثمن قليل.
التفسير :
( يعني به القرآن الذي أنزله على النبي محمد الأمي العربي بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا، مشتملا على الحق من الله تعالى مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل ) ( ١١٣ ).
ولا تكونوا أول كافر به ولا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به فأنتم أحق بالإيمان لأن عندكم في التوراة دليل صدقه.
وقال ابن كثير : وأما أقوله أول كافر به فيعني بعه أول من كفر به من بني إسرائيل ؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول كافر من بني إسرائيل مباشرة ؛ فإن يهود المدينة أول من خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر من جنسهم.
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون : ولا تبيعوا آيات الله الواضحة الدالة على صدق محمد فيما ادعى، لا تبيعوها بثمن دنيوي من رياسة أو مال أو عادات قديمة، فإن الدنيا كلها ثمن قليل حين تقاس إلى الإيمان بآيات الله، وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة، وقال تعالى : قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا. ( النساء ٧٧ ).
وإياي فاتقون : أي لا تتقوا غضب الله رؤسائكم ومرءوسيكم بدوامكم على الكفر ولكن إياي وحدي فاتقون : بالإيمان وإتباع الحق والإعراض عن متاع الدنيا.
روى ابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب قال : التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء الله على نور من الله.
والتقوى : أن تترك معصية له مخافة عذاب الله على نور من الله ( ١١٤ ).
هذه الآيات بداية سلسلة طويلة في بني إسرائيل وموقفهم من الدعوة الإسلامية.
( لقد احتوت الآيات السابقة بيان حالة ثلاث من الناس وهم : المؤمنون والكفار والمشركون، والمنافقون، فجاءت هذه الآيات لبيان حالة فئة أخرى وهم الكتابيون، ولما كان اليهود هم الفئة الأكبر عددا والأرسخ قدما والأوسع حيزا ونفوذا في المدينة فقد اقتضت حكمة التنزيل أن يدار الكلام عليهم ) ( ١٠٠ ).
مضمون الآيات :
لقد بدأت هذه الآيات هذه الجولة مع يهود المدينة.
فذكرت نعم الله على بني إسرائيل وحثتهم على الوفاء بعهده واتقاء غضبه، ودعت اليهود إلى الدخول في الدعوة الجديدة والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يعرفون صدقه من كتبه فلا يصح أن يكونوا أول كافر بدعوته، ولا يصح أن يرفضوا الإيمان بمحمد طمعا في عرض قليل من أعراض الدنيا، ولا يصح أن يكتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ويمنعوا الاعتراف به مع ادعائهم الإيمان بالله، فيخلطون الحق بالباطل ويكتمون الحق عن علم ومعرفة لا عن سهو أو جهل.
ثم دعتهم الآيات إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين، دون انفراد.
جنسية يهود المدينة :
ذكر الأستاذ محمد عزة دروزة :( أن يهود المدينة إسرائيليون أصلا وطارئون على الحجاز وأنهم كانوا يتكلمون بالعبرية ويحافظون على لغة آبائهم الأصلية ويقرؤون كتبهم بها ؛ ولذلك ربط القرآن أخلاق اليهود في الحجاز بأخلاق آبائهم ومواقفهم وخطابهم كسلسلة متصلة بعضها ببعض ).
ولقد ذكر ابن سعد في طبقاته ( ١٠١ ) أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسل سرية لقتل أبى رافع بن أبى الحقيق في خيبر، وقد اختير رئيسا لها عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، أي يعرف العبرانية لغة اليهود، حيث يدل ذلك على أن اليهود كانوا ما يزالون يتكلمون فيما بينهم بلغتهم الأصلية، وبالتالي يدل على أنهم إسرائيليون.
والمتبادر من وقائع التاريخ القديم أنهم جاءوا من فلسطين في القرنين للأول والثاني بعد الميلاد، إثر الغربة الشديدة التي أنزلها بهم الرومان سنة٧٠ بعد الميلاد، والتي شتت من بقي حيا منهم في آفاق الأرض، وقد نزلوا في المدينة وأماكن أخرى في طريق يثرب ـ الشام مثل وادي القرى وخيبر وفدك ومتنا وتيماء، وقد امتلكوا الأرضين فيها واستثمروها، وأنشأوا كثيرا من بساتين النخل والعنب، بالإضافة إلى الزراعات الموسمية، واشتغلوا بالتجارة والصناعة والربا، وقد شادوا الحصون والقلاع ليكون لهم منعة في الوسط الجديد الذي حلوا فيه، والذي كان مباءة تجوال القبائل العربية، وتكلموا اللغة العربية والعادات العربية، واستطاعوا بما كان لهم من أموال ونشاط زراعي وتجاري وصناعي ومعارف دينية وغير دينية، أن يحتلوا في نفوس العرب وبيئتهم مكانة، وان يصبحوا عندهم ذوى نفوذ و تأثير، والراجح أنهم قدموا أنفسهم للعرب كأبناء عم قدماء لهم، وقالوا لهم أنتم أبناء إسماعيل ونحن أبناء إسحاق، وكلانا أبناء إبراهيم، وشهدوا لهم أن إبراهيم قد أسكن ابنه إسحاق قديما بين ظهراني آبائهم، وأن الكعبة والحجر هي مما أنشأه إبراهيم، فنالوا بذلك كله ترحيبهم وثقتهم ( ١٠٢ ).
القرآن واليهود :
والقرآن لا يعرض هنا قصة بني إسرائيل، إنما يشير إلى مواقف منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب، وقد وردت القصة في السور المكية التي نزلت قبل هذا، ولكنها هناك كانت تذكر مع غيرها لتثبيت القلة المؤمنة في مكة، بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكة، فأما هنا فالقصد هو كشف حقيقة اليهود ونواياها، وتحذير الجماعة المسلمة منها، وتحذيرها كذلك من الوقوع في مثل ما وقعت فيه قبلها يهود... وبسبب اختلاف الهدف بين القرآن المكي والقرآن المدني اختلفت طريقة العرض، وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل ومعصيتهم واحدة( ١٠٣ ).
«وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم، والعناية بعرض مواقفها عناية ظاهرة، توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة، وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى» ( ١٠٤ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته