ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

وبعد أن ذكر الوفاء بالعهد العام انتقل إلى العهد الخالص المقصود من السياق فقال : وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم .
تفسير المفردات :
والآيات : هي الأدلة التي أيد الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وأعظمها القرآن الكريم.
المعنى الجملي
بدأ سبحانه هذه السورة بذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ثنى بذكر اختلاف الناس فيه : من مؤمن به، وكافر بهديه، ومنافق مذبذب بين ذلك، ثم طالب الناس بعبادته، ثم أقام الدليل على أن الكتاب منزل من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى المرتابين بما أعجزهم وحذرهم وأنذرهم، ثم حاج الكافرين وجاءهم بأوضح البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين، ثم ذكر خلق السماوات والأرض لمنافعهم وخلق الإنسان في أطواره المختلفة، وهنا خاطب الشعوب والأمم التي ظهرت بينها النبوة، فبدأ بذكر اليهود لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس ضغنا للمؤمنين، ولأن دخولهم في الإسلام حجة قوية على النصارى وغيرهم، لأنهم أقدم منهم عهدا
الإيضاح
أمركم بالإيمان بالقرآن مع دخوله في قوله : وأوفوا بعهدي إشارة إلى أن الوفاء به أهم إذ هو العمدة القصوى والمقصد الأول، وهو قد نزل مصدقا لما جاء في التوراة وما قبلها من كتب الأنبياء، فالأوامر التي جاء بها : من الدعوة إلى التوحيد وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى نحو ذلك مما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، هي مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء قبله، إذ مقصد الجميع واحد، وهو تقرير الحق، وهداية الخلق، وإزالة ما طرأ على العقائد من الضلال.
ولا تكونوا أول كافر به أي ولا تسارعوا إلى الكفر به، مع أن الأجدر بكم أن تكونوا أول من يؤمن به، إذ أنتم تعرفون حقيقته مما معكم من الكتب الإلهية وقد كنتم تبشرون بزمانه، وقد جاء في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فكذبه يهودها، ثم بنو قريظة، وبنو النضير، ثم خيبر، ثم تتابعت على ذلك سائر اليهود.
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا أي ولا تعرضوا عن التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل الذي يستفيده الرؤساء من مرءوسيهم من مال وجاه، ويرجوه المرءوسون من الحظوة بإتباع الرؤساء ويخشونه من سطوتهم إذا هم خالفوهم.
وسمي هذا البدل قليلا لأن صاحبه يخسر رضوان الله وتحل به عقوبته في الدنيا والآخرة، ويخسر عز الحق، ويخسر عقله لإعراضه عن واضح البراهين وبين الآيات.
وإياي فاتقون بالإيمان وإتباع الحق، والإعراض عن لذات الدنيا متى شغلت عن أعمال الآخرة.
وليس في هذا تكرار مع قوله : وإياي فارهبون، لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان لاتقاء الرئيس خوف منفعة تفوته من المرءوس، واتقاء المرءوس خوف غضب الرئيس، فطلب إليهم أن يتقوا الله وحده، إذ بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، وإليه المصير.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير