ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ يعني القرآن عطف تفسيري على أوفوا، أو تخصيص بعد التعميم فإن الإيمان هو العمدة في الوفاء بالعهود مصدقا أي موافقا في القصص وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ونعته وفي الوعد والوعيد والدعوة إلى التوحيد، والإيمان بالأنبياء بلا تفريق بينهم وبما جاؤوا به من ربهم وإلى امتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي، أو شاهدا على كونها من الله تعالى. لما معكم من الكتب الإلهية التورية وغيرها، وفي التقييد بكون القرآن مصدقا لما معهم تنبيه على أن اتباعها يوجب الإيمان به ولذلك عرّض بقوله : ولا تكونوا أول كافر به بل الواجب أن تكونوا أول من آمن به كما أن ورقة بن نوفل لما كان عالما بالتوراة صار أول من آمن به، فالمراد به التعريض دون الحقيقة كقولك أما أنا فلست بجاهل فلا يقال كيف نهوا عن التقدم في الكفر مع سبق مشركي مكة فيه ؟ أو المراد ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب أو أول من كفر بما معه فإن الكفر بالقرآن كفر بما يصدقه ؟ قلت : أو المراد بالأولية الأولية بالذات يعني كونهم سببا لكفر غيرهم فإن إيمان العلماء والأحبار والرؤساء سبب لإيمان غيرهم وكفرهم سبب لكفر غيرهم، فلذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا إن شر الشرار شرار العلماء، وإن خير الخيار خيار العلماء »١ رواه الدارمي من حديث الأحوص بن حكيم عن أبيه، والمعنى لا تكونوا سبب لكفر أتباعكم فيكون عليكم إثم الأريسيين، وأول كافر خبر من ضمير الجمع بتأويل أو فريق، أو بتأويل أول فريق، أو بتأويل لا يمكن كل واحد منكم أول كافر كقولك كساناحلة، وأول فعل لا فعل له من لفظه، وقيل : أصله أَوَالُ من وال على وزن سَأَلَ أبدلت همزته واوا من غير قياس أو آاَوَلُ من أوعل قلبت الهمزة واوا وأدغمت، قال البغوي : نزلت الآية في كعب بن أشرف وأصحابه من علماء اليهود.
ولا تشتروا أي لا تستبدلوا بآياتي أي بالإيمان بأيات القرآن أو لا تستبدلوا بآيات التوراة ببيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثمنا أي عرضا من الدنيا قليلا فإن أعراض الدنيا وإن جلت فهي قليلة رذيلة بالإضافة إلى ما يفوتهم من حظوظ الآخرة، وذلك أن رؤساء اليهود وعلماؤهم كانت لهم مأكلة يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون كل عام منهم شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا فواتها إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه، فاختاروا الدنيا على الآخرة وغيروا نعته وكتموا اسمه.
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ بالإيمان واختيار الآخرة على الدنيا وهذا مثل وفإياي فارهبون غير أن في الآية السابقة خطاب لعوام بني إسرائيل ولذا فصلت بالتقوى الذي هو منتهى الأمر.

١ أخرجه الدارمي في المقدمة، باب: التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله٣٧٤.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير