يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ( ٤١ ) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ( ٤٢ ) ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ( ٤٣ ) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين
لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره. وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ : ذكر الكتاب أنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس في فابتدأ بالمستعدين للإيمان به المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين. ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع ثم طالب الناس كلهم بعبادته، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين، وخلق السموات والأرض لمنافعهم، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره. والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه، وحسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.
ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون من تعليم التوراة وكتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة، فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين ( أحدهما ) إعجازه ( وثانيهما ) كونه مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها. والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان ثم قال ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي صلى الله عليه وسلم وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى اشتروا الضلالة بالهدى أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاه أوقعاهم في الكبر والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء واتباعهم وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمى هذا الجزاء قليلا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر عن الحق وما يكون له من الشأن العظيم وحسن العاقبة، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعالى وتحل به نقمه في الدنيا وعقوبته في الآخر، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله وإياي فاتقون وليس في هذه مع سابقتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم، فقد حال كل من القولين محله، ولا مندوحة عن واحد منهما لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرءوس، واتقاء المرءوس غضب الرئيس، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم، وهو المسخر لهم في أعمالهم، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير.
تفسير المنار
رشيد رضا