ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

٢- إذا توجهت عناية الله تعالى إلى شيء جعلته جليلا عظيما، كما توجهت عنايته إلى التراب فخلق منه بشرا سويا، وأفاض عليه من العلم والمعرفة وغيرهما مما عجز الملائكة عن إدراكه.
٣- الإنسان وإن كرّمه الله، لكنه ضعيف، عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.
٤- إن التوبة والإنابة إلى الله سبيل الظفر برحمة الله الواسعة، فإن آدم الذي عصى ربه تاب وقبل الله توبته، فعلى العاصي أو المقصر المبادرة إلى التوبة والاستغفار دون قنوط ولا يأس من رحمة الله ورضوانه ومغفرته.
٥- الكبر والعناد والإصرار على الإفساد أسباب لاستحقاق السخط الإلهي، واللعنة والغضب والطرد من رحمة الله، فإن إبليس الذي أبى السجود، وأصرّ على موقفه، وعاند الله، وتحدى سلطانه بإغراء الإنسان وصرفه عن إطاعة الله، غضب الله عليه وطرده من الجنة إلى الأبد، وأوعده بنار جهنم.
ما طلب من بني إسرائيل
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)

صفحة رقم 147

الإعراب
إِيَّايَ ضمير منصوب بفعل مقدر، وتقديره: إياي ارهبوا فارهبون، وإنما وجب تقدير «ارهبوا» لأن فعل فَارْهَبُونِ مشغول بالضمير المحذوف وهو الياء.
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً «ما» بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المحذوف تخفيفا في فعل أَنْزَلْتُ. مُصَدِّقاً حال من الهاء المحذوفة، وتقديره: أنزلته. أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ أول:
خبر تكونوا، كافر: صفة موصوف محذوف، تقديره: أول فريق كافر، ولهذا جاء بلفظ الواحد، والخطاب لجماعة.
تَكْتُمُوا إما منصوب بتقدير «أن» أو مجزوم بالعطف على تَلْبِسُوا وعلامة النصب والجزم في الوجهين حذف النون. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في تَكْتُمُوا.
البلاغة:
نِعْمَتِيَ الإضافة للتشريف وبيان عظم قدر النعمة وسعة يسرها وحسن موقعها. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ليس الشراء هنا حقيقيا، بل هو على سبيل الاستعارة التصريحية، كما في الآية السابقة اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى والمراد استبدلوا بآياتي ثمنا، والمراد بالثمن في الأصل هو المشترى به، أي استبدلوا بآيات الله وبالحق الكثير بدلا قليلا ومتاعا يسيرا، فكانت مبادلة خاسرة، لأن كل كثير أو كبير بالنسبة للحق المتروك قليل وحقير.
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وإِيَّايَ فَاتَّقُونِ يفيد الاختصاص، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياي نعبد.
تكرار الحق في قوله: تَلْبِسُوا الْحَقَّ وقوله وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ لزيادة تقبيح المنهي عنه، لأن التصريح للتأكيد.
إطلاق الركوع على الصلاة في قوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مجاز مرسل، من أنواع تسمية الكل باسم الجزء.
المفردات اللغوية:
إِسْرائِيلَ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وبنوه: أولاده، وهم اليهود. ومعنى إِسْرائِيلَ صفي الله، وقيل: الأمير المجاهد. بِعَهْدِي عهد الله: ما عاهدهم

صفحة رقم 148

عليه في التوراة من الإيمان بالله وبرسله وبخاصة محمد خاتم الأنبياء من ولد إسماعيل بِعَهْدِكُمْ ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان، والتمكين من بيت المقدس، وسعة العيش في الدنيا.
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا قد يطلق كل من البيع والشراء على الآخر، والمعنى:
لا تبيعوا آياتي بثمن قليل وعوض يسير من الدنيا، أو لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من الناس.
فَارْهَبُونِ فخافون في نقضكم العهد وترك الوفاء به دون غيري.
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ من القرآن. مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة بموافقته في التوحيد والنبوة.
وَلا تَلْبِسُوا لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه.
المناسبة:
اختصت هذه الآيات من (٤٠- ١٤٢) بالكلام عن بني إسرائيل فيما يقارب جزءا كاملا، لكشف حقائقهم وبيان مثالبهم، وكانت الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا حول إثبات وجود الله ووحدانيته، والأمر بعبادته، وأن القرآن كلام الله المعجز، وبيان مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وتكريمه وخلق السموات والأرض، وموقف الناس من كل ذلك وانقسامهم إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. ثم بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها النبوة، فبدأ باليهود، لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين بالقرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم الرسل، لذا ذكرهم الله تعالى بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وذكرهم بالعهد المؤكد معهم على التصديق بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتنوع أسلوب القرآن في خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وأحيانا بالتذكير بالنعم، وطورا بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة الحجة عليهم.
التفسير والبيان:
يا أولاد النبي الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، وتفكروا

صفحة رقم 149

بالنعم التي أنعم الله بها على آبائكم من الإنجاء من فرعون، وتظليل الغمام، واشكروا الله على نعمه بامتثال أوامره وإطاعته، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من الإيمان بالله ورسله دون تفريق، وبخاصة محمد خاتم النبيين، أوفّ بعهدي لكم في الدنيا والآخرة، بالتمكين لكم في الأرض المقدسة- في زمنهم- ورفع شأنكم، وتوسيع معيشتكم، ونصركم على أعدائكم، وتوفير السعادة لكم في الآخرة.
وآمنوا- ضمن مشتملات العهد- بالقرآن إيمانا صادقا، وأنه من عند الله، وأنه نزل مؤيدا ومصدقا وموافقا للتوراة وكتب الأنبياء السابقة، في الدعوة إلى توحيد الله، وترك الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي التوراة وصف للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فلا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به، فأنتم أحق الناس بالإيمان به، لوجود دليل صدقه في التوراة. ولا تبيعوا آيات الله الدالة على صدق محمد في نبوته ودعوته بثمن دنيوي حقير، من رياسة أو زعامة أو مال أو موروثات وعادات قديمة، فإنه ثمن قليل بخس، وتجارة خاسرة غير رابحة. ولا تخافوا أحدا سوى الله فهو بيده الخير كله. ولا تخلطوا الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، ولا تكتموا وصف النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون ضرر الكتمان، فليس جزاء العالم في الآخرة كالجاهل. وأدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والزكاة وأدوها جماعة مع النّبي محمد عليه السّلام.
وعبر بالركوع عن الصلاة ليبعدهم عن صلاتهم القديمة التي لا ركوع فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أحكام كثيرة في العقيدة والأخلاق والعبادة والحياة الخاصة والعامة، فأوجبت على اليهود ألا يغفلوا عن نعم الله التي أنعم بها عليهم وألا يتناسوها، والنعمة هنا: اسم جنس، مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم ١٤/ ٣٤]، ومن نعمه عليهم: أن

صفحة رقم 150

أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجّر لهم من الحجر الماء، واستودعهم التوراة التي فيها صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته ورسالته «١»، والنعم على الآباء نعم على الأبناء، لأنهم يشرفون بشرف آبائهم وكانت النعم سببا في بقائهم. والتذكير بكثرة النعم يوجب الحياء عن إظهار المخالفة، ويوجب عظم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن.
وألزمهم الوفاء بالعهد: وهو عام في جميع أوامره تعالى ونواهيه ووصاياه، ويدخل في ذلك الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الذي ذكر في التوراة وغيرها، فإذا وفّوا بعهودهم، وفي الله لهم عهده: وهو أن يدخلهم الجنة، على سبيل التفضل والإنعام.
وما طلب من اليهود من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا، قال الله تعالى:
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة ٥/ ١] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل ١٦/ ٩١].
وأمرهم بخشية الله وحده والإيمان (التصديق) بما أنزل الله وهو القرآن، ونهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا، أي على تغيير صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم رشى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه.
وقد أثار العلماء في هذه الآية (٤١) ونحوها مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن «٢»، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب

(١) تفسير الرازي: ٣/ ٣٣ وما بعدها، قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل بنعمه عليهم، ولما آل الآمر إلى أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم ذكرهم بالمنعم فقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة ٢/ ١٥٢] فدل ذلك على فضل أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم على سائر الأمم.
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٣٣٥

صفحة رقم 151

والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا.
وأجاز جمهور العلماء غير الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن،
لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس- حديث الرّقية الذي أخرجه البخاري: «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله»
والقياس على الصلاة والصيام فاسد، لأنه في مقابلة النص، ولأن تعليم القرآن يتعدى أثره لغير المعلّم، فيختلف عن العبادات المختصة بالفاعل.
وهذا الخلاف جار أيضا في أداء الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية بأجر.
ونهى الله اليهود- ومثلهم غيرهم- عن أن يخلطوا ما عندهم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل، وعن كتمان ما علموا، ومنه أن محمدا عليه السلام حق، فكفرهم كان كفر عناد، ولم يشهد تعالى لهم بعلم في ذلك.
وفي نهاية الآيات أمرهم الله تعالى- والأمر للوجوب- بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وعبر عن الصلاة بالركوع، لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع، ليرشدهم إلى الصلاة بالصفة الإسلامية، والمراد بالزكاة على الأصح الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة، وليس المراد هو صدقة الفطر. وفي الصلاة تطهير النفوس، وفي الزكاة تطهير المال، وكلاهما مظهر شكر الله على نعمه، والزكاة تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني. قال الجصاص: أريد بالصلاة والزكاة ما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات الواجبة «١».

(١) أحكام القرآن: ١/ ٣٤

صفحة رقم 152

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية