ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

يقول الله ( جل وعلا ) : واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون [ البقرة : آية ٤٨ ] معنى الاتقاء في اللغة العربية هو : أن تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية. وأصل مادته :( وقى ) دخلها تاء الافتعال، كما تقول في قرب : اقترب، وفي كسب : اكتسب، وفي وقى : اوتقى. والقاعدة المقررة في التصريف : أن تاء الافتعال إذا دخل على مادة واوها فاء وجب إبدال الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال. فمعنى واتقوا : اجعلوا بينكم وبين ذلك اليوم وقاية تقيكم مما يقع فيه من الأهوال والأوجال. والاتقاء : هو جعل الوقاية دون ما يضر، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه*** فتناولته واتقتنا باليد
يعني : استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية بيننا وبين رؤية وجهها.
والاتقاء في اصطلاح الشرع : هو جعل الوقاية دون سخط الله وعذابه، تلك الوقاية هي امتثال أمره، واجتناب نهيه ( جل وعلا ).
والمراد باتقاء اليوم : اتقاء ما يكون فيه من الأهوال والأوجال ؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، والعرب تعبر بالأيام عما يقع فيها من الشدائد، ومنه : هذا يوم عصيب [ هود : آية ٧٧ ] أي : لما فيه من الشدة، وهذا معنى قوله : واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا [ البقرة : آية ٤٨ ] و( اليوم ) مفعول به ل " اتقوا ". وقيل : المفعول محذوف، واليوم ظرف. أي : اتقوا العذاب يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا. وقوله : لا تجزى نفس عن نفس شيئا [ البقرة : آية ٤٨ ] الجملة نعت لليوم، وقد تقرر في العربية : أن الجمل تنعت بها النكرات ؛ كما عقده في الخلاصة بقوله :
ونعتوا بجملة منكرا*** فأعطيت ما أعطيته خبرا
ولطالب العلم أن يقول : أين الرابط الذي يربط بين الجملة التي هي وصف وبين المنعوت ؟
الجواب : أنه اختلف في تقديره على قولين : أحدهما أن العائد ( واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ) فالعائد هو : المجرور المحذوف هو وحرف الجر.
وقال بعض العلماء : حذف حرف الجر فوصل العامل إلى الضمير بعد حذف حرف الجر، ثم حذف، وعليه فالتقدير :( واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا ) بحذف الفاء، وعلى كل حال فحذف الضمير الرابط للجملة التي هي وصف للنكرة الموصوفة موجود في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول الشاعر :
وما أدري أغيرهم تناء*** وطول العهد أم مال أصابوا
فجملة ( أصابوا ) نعت للنكرة التي هي ( مال ) والعائد محذوف، وتقرير المعنى :( أم مال أصابوه ). وقوله : لا تجزى نفس عن نفس شيئا أي : لا تقضي عنها حقا وجب عليها، ولا تدفع عنها عذابا حق عليها، أما تفسير من فسر تجزى ب ( تغني ) فهو إنما يتمشى على قراءة من قرأ تجزي بصيغة الرباعي ؛ لأنها هي التي تأتي بمعنى الإغناء، وتقرير المعنى :( واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ) أي : لا تقضي نفس عن نفس حقا وجب عليها، ولا تدفع عنها عذابا حق عليها، والرابط المحذوف محذوف من الجمل المعطوفة على الجمل النعتية. وتقرير المعنى :( لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ولا يقبل فيه شفاعة، ولا يؤخذ فيه عدل، ولا هم ينصرون فيه ) فالرابط محذوف من الجمل المعطوفة على الجملة التي هي وصف، وتقرير المعنى :( واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا )، أي : لا تقضي نفس عن نفس شيئا أي : حقا وجب عليها، ولا تدفع عنها عذابا حق عليها، وعلى هذا التقرير ف شيئا مفعول به ل تجزي ، وقال بعض العلماء : شيئا في محل المصدر، أي : لا تجزي عنها شيئا، أي : جزاء قليلا ولا كثيرا.
وقوله : ولا يقبل منها شفاعة فيه قراءتان سبعيتان : قراءة أكثر السبعة ولا يقبل منها شفاعة والتذكير في قوله : يقبل لأمرين : أحدهما : أن تأنيث الشفاعة تأنيث غير حقيقي. الثاني : الفصل الذي بين الفعل وفاعله، والفصل يبيح ترك التاء، كما عقده في الخلاصة بقوله :
وقد يبيح الفصل ترك التاء في*** نحو أتى القاضي بنت الواقف
والشفاعة في الاصطلاح : هي التوسط للغير في جلب مصلحة أو دفع مضرة، وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر ؛ لأن صاحب الحاجة كان فردا في حاجته فلما جاءه الشفيع صار شفعا، أي : اثنين، صاحب الحاجة ومن يتوسط له فيها، هذا [ أصل ] معنى الشفاعة، والشفاعة في الدنيا إذ كانت في حق واجب فللشافع أجر، وإذ كانت في حرام فعليه وزر، كما صرح تعالى بذلك في قوله : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها [ النساء : آية ٨٥ ]
وقال صلى الله عليه وسلم : " اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ". وقد دل الكتاب والسنة أن نفي الشفاعة المذكور هنا ليس على عمومه، ، وأن للشفاعة تفصيلا، منها ما هو ثابت شرعا، ومنها ما هو منفي شرعا. أما المنفي شرعا الذي أجمع عليه المسلمون فهو الشفاعة للكفار ؛ لأن الكفار لا تنفعهم شفاعة ألبتة، كما قال تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين [ المدثر : آية ٤٨ ] وقال عنهم : فما لنا من شافعين [ الشعراء : آية ١٠٠ ] وقال ( جل وعلا ) : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [ الأنبياء : آية ٢٨ ] مع أنه قال في الكافر : ولا يرضى لعباده الكفر [ الزمر : آية ٧ ] فالشفاعة للكفار ممنوعة شرعا بإجماع المسلمين، ولم يقع في هذا استثناء ألبتة، إلا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، فإنها نفعته بأن نقل بسببها من محل من النار إلى محل أسهل منه، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، له نعلان يغلي منهما دماغه ". أما غير هذا من الشفاعة للكفار فهو ممنوع إجماعا، وإنما نفعت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب في نقل من محل من النار إلى محل آخر.
الشفاعة المنفية الأخرى هي الشفاعة بدون إذن رب السماوات والأرض، فهذه ممنوعة بتاتا بإجماع المسلمين، وبدلالة القرآن العظيم، كقوله : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : آية ٢٥٥ ]. وادعاء هذه الشفاعة شرك بالله وكفر به، كما قال ( جل وعلا ) : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ يونس : آية ١٨ ]. ووجه كون هذه الشفاعة من أنواع الشرك – ولله المثل الأعلى - : أن ملوك الدنيا قد يتمكنون من مجرم يتقطعون عليه غيظا، ويريدون أن يقطعوه عضوا عضوا، فيأتي بعض أهل الجاه والشرف ويشفع عندهم له، فيضطرون إلى قبول شفاعته ؛ لأنهم لو ردوا شفاعته لصار عدوا لهم، وترقبوا منه بعض الغوائل، فيضطرون إلى أن يشفعوه وهم كارهون، خوفا من سوئه، ورب السماوات والأرض لا يخاف أحدا، ولا يمكن أن يضره أحد، فلا يمكن أن يتجاسر أحد عليه بمثل هذا، وله المثل الأعلى ؛ ولذا قال ( جل وعلا ) : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : آية ٢٥٥ ].
أما الشفاعة للمؤمنين بإذن رب السماوات والأرض فهي جائزة شرعا وواقعة، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كما في قوله : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [ الأنبياء : آية ٢٨ ]، وقوله ( جل وعلا ) : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [ سبأ : آية ٢٣ ]، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث. والشفاعة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم كما يأتي إيضاحه في سورة بني إسرائيل في قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ الإسراء : آية ٧٩ ] وقد يشفع الله من شاء من خلقه، من الأنبياء والمرسلين، والصالحين.
وقد تكون الشفاعة بإخراج من دخل النار، وقد تكون الشفاعة بأن يشفع لمن عليه ذنوب فينقذ من النار، وقد تكون برفع الدرجات، والشفاعة الكبرى في فصل القضاء بين الخلق، فمعنى قوله إذا : ولا يقبل منها شفاعة هذا إذا كانت كافرة على الإطلاق، ولو كانت مؤمنة لا تقبل شفاعة إلا بإذن رب السماوات والأرض.
وقوله : ولا يؤخذ منها عدل العدل : الفداء، وإنما سمي الفداء عدلا ؛ لأن فداء الشيء كأنه قيمة معادلة له ومماثله له تكون عوضا وبدلا منه. قال بعض علماء العربية : ما يعادل الشيء ويماثله إن كان من جنسه قيل له ( عدل ) بكسر العين، ومنه ( عدلا البعير ) أي : عكماه ؛ لأنهما متماثلان. أما إذا كان يماثله ويساويه وليس من جنسه قيل فيه ( عدل ) بفتح العين ؛ ولذا سمي الفداء عدلا ؛ لأنه شيء مماثل للمفدي ليس من جنسه.
ومن هذا المعنى قوله ( جل وعلا ) : أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره [ المائدة : آية ٩٥ ] ؛ لأن ما يعادل الطعام من الصيام ليس من جنسه، فإذا كان من جنسه قيل فيه ( عِدْل )، وهو معروف في كلام العرب، وقد كرره مهلهل بن ربيعة في قصيدته المشهورة في قوله :
على أن ليس عدلا من كليب*** إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلا من كليب*** إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب*** غداة بلابل الأمر الكبير
على أن ليس عدلا من كليب*** إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب*** إذا اضطرب العضاه من الدبور
يعني أن القتلى التي قتلها بكليب من بني بكر بن وائل لا تماثله في الشرف ولا تساويه، وإنما كسر العين لأنهم من جنس واحد. وهذا معنى قوله : ولا يؤخذ منها عدل .
ولا هم ينصرون أصل النصر في لغة العرب إعانة المظلوم. ومعنى هنا ولا ينصرون أي : ليس لهم معين يدفع عنهم عذاب الله.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف، وهو أن يقول طالب العلم : أفرد الضمير في قوله : ولا يقبل منها ولا يؤخذ منها أفرده مؤنثا، وجمعه مذكرا في قوله : ولا هم ينصرون مع أن مرجع هذه الضمائر واحد ؟.
الجواب ظاهر ؛ لأن قوله : لا تجزي نفس عن نفس شيئا نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعم، وعمومها يجعلها شاملة لكثير من أفراد النفوس، فأنث الضمير وأفرده في قوله : ولا يقبل منها ولا يؤخذ منها نظرا إلى معنى النكرة في سياق النفي، وأنها شاملة لكثير من الأنفس، وهذا معنى قوله : ولا هم ينصرون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير