ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

بِفَضْلِهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي التَّذْكِيرِ بِالتَّفْضِيلِ: أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَنَّ الَّذِي فَضَّلَهُمْ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ غَيْرَهَمْ كَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتِهِ، وَتَنْبِيهُهُمْ إِلَى عَدَمِ الذُّهُولِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِيُذَكِّرُوهَا عِنْدَ أَمْرِ النَّاسِ بِالْبِرِّ، وَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِأَنْ يَبِرُّوا مِمَّنْ يَأْمُرُونَهُمْ بِالْبِرِّ؛ لِأَنَّهُمْ يَنَالُونَ الْكِتَابَ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ آيَةُ تَفْضِيلِهِمْ. وَإِلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِاسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي أُوتِيَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَجْدَرُ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، فَإِنَّ الْمُفَضَّلَ أَوْلَى بِالسَّبْقِ إِلَى الْفَضَائِلِ مِمَّنْ فُضِّلَ هُوَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ عَلَى الْعَالَمِينَ إِنْ كَانَ بِكَثْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِمْ فَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ شَعْبٌ مِنَ الشُّعُوبِ يُزَاحِمُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَزِيَّةِ، وَلَا تَقْضِي هَذِهِ الْفَضِيلَةُ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مَنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا تُنَافِي أَنْ يَفْضُلَهُمْ أَخَسُّ الشُّعُوبِ - بَلْهَ غَيْرُهُ - إِذَا هُمُ انْحَرَفُوا عَنْ هَدْيِ أَنْبِيَائِهِمْ وَتَرَكُوا سُنَّتَهُمْ وَاهْتَدَى إِلَيْهَا
ذَلِكَ الشَّعْبُ الَّذِي كَانَ مَفْضُولًا. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ التَّفْضِيلِ هُوَ الْقُرْبُ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - بِمَرْضَاتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِأُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُهْتَدِينَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ وَالتَّابِعَيْنِ لَهُمْ فِيهِ، وَمِنْ تَقْيِيدِهِ بِمُدَّةِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ التَّفْضِيلَ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) أَيْ وَاحْذَرُوا يَوْمًا عَظِيمًا أَمَامَكُمْ سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ مَا لَا مَنْجَاةَ مِنْ هَوْلِهِ إِلَّا بِتَقْوَى اللهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، فَهُوَ يَوْمٌ لَا تَقْضِي فِيهِ نَفْسٌ - مَهْمَا يَكُنْ قَدْرُهَا عَظِيمًا - عَنْ نَفْسٍ مَهْمَا يَكُنْ ذَنْبُهَا صَغِيرًا شَيْئًا مَا، كَحَمْلِ وِزْرِهَا أَوْ تَكْفِيرِ ذَنْبِهَا (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (٣٥: ١٨) وَصَفَ الْيَوْمَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَلَمْ يَقُلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَثَلًا؛ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا اعْتَادَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ دِفَاعِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ سُورَةٍ بِقَوْلِهِ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (١: ٤) ثُمَّ وَصَفَهُ هُنَا بِوَصْفٍ آخَرَ يُنَاسِبُ الْأَوَّلَ فَقَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (وَلَا تُقْبَلُ) بِالتَّاءِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَقْبَلُ مِنْهَا أَنْ تَأْتِيَ بِشَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهَا، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا فِدَاءٌ أَوْ بَدَلٌ إِنْ هِيَ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَأْتِيَ بِذَلِكَ كَمَا يَظُنُّ أَكْثَرُ الْكُفَّارِ، وَلَنْ تَسْتَطِيعَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْآيَةِ نَفْيُ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ الْعَذَابَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُحْتَمَلٍ، وَفَصَّلَ هَذِهِ الْوُجُوهَ بِمَا يَشْمَلُ الثَّلَاثَ الْمَنْفِيَّةَ، وَجُمْلَةُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَوْمٌ لَا تَأْثِيرَ لِأَحَدٍ فِيهِ وَلَا كَسْبَ، وَلَا يَنْطِقُ فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ - تَعَالَى. وَقَالَ (الْجَلَالُ) : أَيْ لَيْسَ لَهَا شَفَاعَةٌ فَتُقْبَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنِ الْمُجْرِمِينَ فِي الْآخِرَةِ: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) (٢٦: ١٠٠) الْآيَةِ وَفَسَّرَ الْعَدْلَ بِالْفِدَاءِ قَالَ: (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) أَيْ يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ.

صفحة رقم 253

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَا دَلِيلَ فِي هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنَّمَا السِّيَاقُ فِي الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمٌ تَنْقَطِعُ فِيهِ الْأَسْبَابُ، وَتَبْطُلُ مَنْفَعَةُ الْأَنْسَابِ، وَتَتَحَوَّلُ فِيهِ سُنَّةُ هَذِهِ الْحَيَاةِ مِنِ انْطِلَاقِ الْإِنْسَانِ فِي اخْتِيَارِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَدْلِ وَالْفِدَاءِ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى الْمُدَافَعَةِ بِالشَّفَاعَةِ عِنْدَ
السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ، وَقَدْ يُوجَدُ لَهُ فِيهَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَهُ بِالْحَقِّ وَبِالْبَاطِلِ عَلَى سَوَاءٍ، بَلْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ شَأْنٌ آخَرُ مَعَ رَبِّهِ، تَضْمَحِلُّ فِيهِ جَمِيعُ الْوَسَائِلِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ إِخْلَاصِهِ فِي عَمَلِهِ، قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَرَحْمَةِ اللهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ لَهُ، لِضَعْفِ حَوْلِهِ، وَضِيقِ طُولِهِ، وَأَنَّهُ يَوْمٌ لَا يَتَحَرَّكُ فِيهِ عُضْوٌ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْبِسَ بِكَلِمَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (٨٢: ١٩).
كَانَ الْيَهُودُ الْمُخَاطَبُونَ بِبَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْلِ الْمِلَلِ الْوَثَنِيَّةِ، كَقُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَالْيُونَانِ يَقِيسُونَ أُمُورَ الْآخِرَةِ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَخَلُّصُ الْمُجْرِمِينَ مِنَ الْعِقَابِ بِفِدَاءٍ يُدْفَعُ بَدَلًا وَجَزَاءً عَنْهُ - كَمَا يَسْتَبْدِلُ بَعْضُ حُكَّامِهِمْ مَنْفَعَةً مَالِيَّةً بِعُقُوبَةٍ بَدَنِيَّةٍ - أَوْ بِشَفَاعَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَى الْحَاكِمِ يُغَيِّرُ بِهَا رَأْيَهُ وَيَفْسَخُ إِرَادَتَهُ. وَلَقَدِ اكْتَسَحَ الْإِسْلَامُ هَذِهِ الْعَقَائِدَ وَآثَارَهَا الْعَمَلِيَّةَ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَأَتَى بُنْيَانَهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْلَمُوا مِنْهَا فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ أَوْزَارًا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ، وَلَمْ يُلَقَّنُوا الدِّينَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا كَمَا أَرْشَدَ الْقُرْآنُ، وَلَكِنَّهُمْ تَقَلَّدُوهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، وَلُقِّنُوهُ كَمَا تُرْشِدُ إِلَيْهِ كُتُبُ التَّقْلِيدِ مِنْ مُصْطَلَحَاتٍ مُبْتَدَعَةٍ، فَكَانُوا عَلَى بَقِيَّةٍ مِمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ وَعَلَى جَهْلٍ بِالْإِسْلَامِ، وَجَاءَ قَوْمٌ آخَرُونَ تَعَمَّدُوا الْإِفْسَادَ فَجَعَلُوا بِالتَّأْوِيلِ الْبَاطِلَ حَقًّا، وَالْكَذِبَ صِدْقًا.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا بَعْضَ الْعَادَاتِ الْمِصْرِيَّةِ الَّتِي لَا تَزَالُ يُعْمَلُ بِهَا بِاسْمِ الدِّينِ، وَهِيَ مِنْ إِرْثِ قُدَمَاءِ الْوَثَنِيِّينَ، كَإِعْطَائِهِمْ لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِنَ النَّقْدِ يُسَمُّونَهُ " أُجْرَةَ الْمُعَدِّيَةِ " أَيْ أُجْرَةَ نَقْلِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْمَلُونَهُ لِلْأَمْوَاتِ، وَلِمَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الْوِلَايَةَ وَالْقُرْبَ مِنَ اللهِ، وَمِثْلُهُ أَكْثَرُ تَقَالِيدِهِمْ فِي بِنَاءِ الْمَقَابِرِ وَاحْتِفَالَاتِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُكَفِّرَاتِ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا الْيَهُودُ كَقُرْبَانِ الْإِثْمِ، وَقُرْبَانِ الْخَطِيئَةِ، وَقُرْبَانِ السَّلَامَةِ، وَالْمَحْرَقَةِ وَالِاكْتِفَاءُ مِمَّنْ لَمْ يَجِدِ الْقُرْبَانَ بِحَمَامَتَيْنِ يُكَفِّرُ بِهِمَا عَنْ ذَنْبِهِ، وَقَالَ: وَكَانُوا يَفْهَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ بِذَاتِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهَا عُقُوبَاتٌ لَا مُكَفِّرَاتٌ فَإِنَّ مَنْ فَهِمَ التَّوْرَاةَ حَقَّ فَهْمِهَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُكَفِّرَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ تَقْدِيمَ الْقُرْبَانِ يَكُونُ تَرْبِيَةً وَعُقُوبَةً. وَقَدْ أَخْبَرُهُمُ اللهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ عَدْلٌ يَفْتَدِي الْإِنْسَانُ بِهِ. قَالَ: وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ بِانْتِسَابِهِمْ
لِلْأَنْبِيَاءِ لَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَوْ لَا تَمَسُّهُمْ

صفحة رقم 254

إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً؛ لِأَنَّ لَهُمُ الْجَاهَ وَالتَّأْثِيرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَتْرُكُوا أَبْنَاءَهُمْ فِي الْعَذَابِ، ثُمَّ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ شَفَاعَةَ الْأَحْبَارِ لِمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ. وَمَتَى ضَعُفَ الدِّينُ يُوجَدُ مِنْ رُؤَسَائِهِ مَنْ يُرَوِّجُ هَذِهِ الْعَقَائِدَ فِي الْعَامَّةِ لِمَا تَسُوقُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَنَافِعِ. وَكَذَلِكَ كَانَ الْيَهُودُ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا فَمَحَا هَذِهِ الْعَقِيدَةَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَرْضَاةُ اللهِ - تَعَالَى - بِالْإِيمَانِ الْخَالِصِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ نَاطِقَةٌ بِنَفْيِ الشَّفَاعَةِ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي وَصْفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) (٢: ٢٥٤) وَأُخْرَى نَاطِقَةٌ بِنَفْيِ مَنْفَعَةِ الشَّفَاعَةِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (٧٤: ٤٨) وَآيَاتٌ تُفِيدُ النَّفْيَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢: ٢٥٥) وَقَوْلِهِ (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (٢١: ٢٨) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكُمُ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَنَحْتَاجُ إِلَى حَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ (أَيِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِذْنِ وَالْمَشِيئَةِ) مَعْهُودٌ فِي أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي مَقَامِ النَّفْيِ الْقَطْعِيِّ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) (٨٧: ٦، ٧) وَقَوْلِهِ: (فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) (١١: ١٠٧) فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ قَطْعِيٌّ فِي وُقُوعِ الشَّفَاعَةِ، وَلَكِنْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِإِثْبَاتِهَا، فَمَا مَعْنَاهَا؟
الشَّفَاعَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّاسِ: هِيَ أَنْ يَحْمِلَ الشَّافِعُ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ كَانَ أَرَادَ غَيْرَهُ - حَكَمَ بِهِ أَمْ لَا - فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا بِتَرْكِ الْإِرَادَةِ، وَفَسْخِهَا لِأَجْلِ الشَّفِيعِ.
فَأَمَّا الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ عِلْمُهُ بِمَا كَانَ إِرَادَةً أَوْ حَكَمَ بِهِ؛ كَأَنْ كَانَ أَخْطَأَ ثُمَّ عَرَفَ الصَّوَابَ، وَرَأَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ أَوِ الْعَدْلَ فِي خِلَافِ مَا كَانَ يُرِيدُهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ.
وَأَمَّا الْحَاكِمُ الْمُسْتَبِدُّ الظَّالِمُ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ شَفَاعَةَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ فِي الشَّيْءِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ ظُلْمٌ وَأَنَّ الْعَدْلَ فِي خِلَافِهِ، وَلَكِنَّهُ يُفَضِّلُ مَصْلَحَةَ ارْتِبَاطِهِ بِالشَّافِعِ الْمُقَرَّبِ مِنْهُ عَلَى الْعَدَالَةِ. وَكُلٌّ مِنَ النَّوْعَيْنِ مُحَالٌ عَلَى اللهِ - تَعَالَى -؛ لِأَنَّ إِرَادَتَهُ - تَعَالَى - عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ.
(قَالَ شَيْخُنَا) : فَمَا وَرَدَ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ يَكُونُ عَلَى هَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَفِيهِ يَقْضِي مَذْهَبُ السَّلَفِ بِالتَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ، وَأَنَّهَا مَزِيَّةٌ يَخْتَصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَبَّرَ عَنْهَا بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ " الشَّفَاعَةُ " وَلَا نُحِيطُ بِحَقِيقَتِهَا مَعَ تَنْزِيهِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ فِي لِسَانِ التَّخَاطُبِ الْعُرْفِيِّ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْخَلَفِ فِي التَّأْوِيلِ فَلَنَا أَنْ نَحْمِلَ الشَّفَاعَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا دُعَاءٌ يَسْتَجِيبُهُ اللهُ - تَعَالَى. وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الشَّفَاعَةِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ

صفحة رقم 255

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية