)وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) ( البقرة : ٤٨ )
التفسير :
قوله تعالى : واتقوا يوماً أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم بالاستعداد له بطاعة الله..
قوله تعالى : لا تجزي نفس عن نفس شيئاً أي لا تغني ؛ و نفس نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً ؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً. حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه. ؛ وقد نادى صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين ؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول : " يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً ؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً... " ١. مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه. ؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة ؛ بل قال الله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [ المؤمنون : ١٠١ ] : تزول الأنساب، وينسى الإنسان كل شيء، ولا يسأل أين ولدي، ولا أين ذهب أبي، ولا أين ذهب أخي، ولا أين ذهبت أمي : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [ عبس : ٣٧ ]..
قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة أي لا يقبل من نفس عن نفس شفاعة ؛ و " الشفاعة " هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة ؛ فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة٢ : من جلب المنفعة ؛ وشفاعته فيمن استحق النار ألا يدخلها٣، وفيمن دخلها أن يخرج منها٤ : من دفع المضرة ؛ فيومَ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل من نفس عن نفس شفاعة أبداً..
قوله تعالى : ولا يؤخذ منها أي من النفس ؛ عدل أي بديل يعدل به عن الجزاء ؛ و " العدل " بمعنى المعادِل المكافئ ؛ ففي الدنيا قد تجب العقوبة على شخص، ويفتدي نفسه ببدل ؛ لكن في الآخرة لا يمكن..
قوله تعالى : ولا هم ينصرون أي لا أحد ينصرهم. أي يمنعهم من عذاب الله. ؛ لأن الذي يخفف العذاب واحد من هذه الأمور الثلاثة : إما شفاعة ؛ وإما معادلة ؛ وإما نصر..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : التحذير من يوم القيامة ؛ وهذا يقع في القرآن كثيراً ؛ لقوله تعالى : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ، وقوله تعالى : يوماً يجعل الولدان شيباً [ المزمل : ١٧ ]..
. ٢ ومنها : أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً. بخلاف الدنيا. : فإنه قد يجزي أحد عن أحد ؛ لكن يوم القيامة : لا..
. ٣ ومنها : أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة ؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له ؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد...
. ٤ ومنها : أن يوم القيامة ليس فيه فداء ؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به ؛ لقوله تعالى :( ولا عدل )
. ٥ ومنها : أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة ؛ ولهذا قال الله تعالى : ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون [ الصافات : ٢٥، ٢٦ ] ؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم...
٢ راجع مسلماً ص٧١٥، كتاب الإيمان، باب ٨٥: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة..."، حديث رقم ٤٨٣ [٣٣٠] ١٩٦؛ وباب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٨٢ [٣٢٩] ١٩٥؛ وفيه: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة....
٣ قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في شرح العقيدة الواسطية: فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين..." (٢/١٧٧ – ١٧٨)، وذكر الحافظ ابن حجر أن دليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة عند مسلم: "ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم، رب سلم" (فتح الباري ١١/٤٢٨)؛ مسلم ص٧١٥، كتاب الإيمان، باب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٨٢ [٣٢٩] ١٩٥..
٤ راجع البخاري ص٦٢٥ – ٦٢٦، كتاب التوحيد، باب ٣٦: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث رقم ٧٥١٠؛ ومسلماً ص٧١٤، كتاب الإيمان، باب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٧٩ [٣٢٦] ١٩٣..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي