ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فلأن الأول: حث على استيقاء نعمته بالوفاء بعهده، والثاني: لتبينها بتفضيلهم على العالمين.
قوله - عز وجل -
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ...
الآية (٤٨) سورة البقرة.
الجزاء والمكافأة، والمقابلة متقاربة، لكن الجزاء أعمها، لأن المكافأة: يعتبر فيها المماثلة والمقابلة: يراعى فيها المجازاة، والجزاء لا يراعى فيه شيء من ذلك، ويقال: جزاه " بلا همزة "، يجزيه، أو " أجزاه " بالهمزة، ففي الجزاء معنى العناء، والقبول تناول المقبل، ومنه القابل: المتناول الدلو، وأصل ذلك من قَبل وقُبل.
فقبل يستعمل في المتقدم المنفصل، ويضاده بعد، وقبل: في المتصل، ويضاده: دبر، وقد جعل كناية عن السوءتين، ويقابل القبول الرد.
والشفاعة: جعل الفرد شفعاً يقال: شفعت له، أي صرت شفعاً له بانضمامي إليه، وعبر عمن انصم إلى غيره في طلب ما " شافع "، وعلى ذلك قول الشاعر:
له من عدو مثل ذلك شافع.
ومنه الشفعةُ، وأصلها ضم ملك إلى ملكه، وشفعه به، والعدل: التسوية، يقال: عدلته، وانعدل، وعدلته، فاعتدل، وعدل الشيء مساويه بلا إفراط ولا تفريط، وأكثر ما يقال في المساوي من حيث الحكم نحو قوله - عز وجل -:
أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، والعدل: يقال في المساوي، في الكمية في الوزن والكيل، وقيل الفداء: العدل إذا اعتبر فيه معنى المساواة، وقولهم: " لا يقبل منه صرف ولا عدل ".

صفحة رقم 181

وتفسيرهم بأن العدل: الفريضة، والصرف: النافلة، فمن حيث أن العدل هو المساواة، وتعاطيه واجب، والصرف: الزيادة الحاصلة عن التصرف، وتعاطيه تبرع وهما كالعدل والإحسان.
والنصرة أخص من المعونة، فإنها تختص بدفع الشر والظلم، وقيل أرض منصورة: إذا أتاها المطر بعد طول مدة، والقصد بالآية التقوى من يوم لا يكفي أحد أحداً.
وقد أعاد تعالى هذا المعنى في غير موضع، كقوله تعالى: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا
وقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وقوله: وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا، تنبيهاً أن لكل واحد ما يستصحبه من الإيمان والأعمال الصالحة: كما قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى،
إن قيل: كيف قال ذلك، وقد أثبتت الشفاعة في غير آية، قيل: هذا رد على اليهود فيما ادعوه حيث قالوا: " نحن أبناء الأنبياء وهم يشفعون لنا وإن ارتكبنا (ما ارتكبنا)، فنبه على أنه ليس لهم شفاعة كما قال: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، وقوله: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، والضمير من قوله - عز وجل - وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا راجع إلى النفس الأولى وقيل أنه راجع إلى الثانية، وفي قوله: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا راجع إلى الثانية لا محالة، وقوله: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي ليس لهم من ينتصر من الله تعالى بأن يمنعهم من عذابه إشارة إلى قوله تبارك وتعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ، وقوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي، قيل: معناه: لَا تَجْزِي فيه، فحذف، وهو قول الكسائي، وقال البصريون، وصل الفعل إليه.
فنصبه نحو قول الشاعر:
ويوم شهدناه سليماً وعامراً
ثم حذف الهاء كحذفه من " الذي ضربت ".
وحقيقة الخلاف أن ما يقدر الكسائي حذفه بدفعه يقدره البصريون بدفعتين، ولا خلاف أن الأصل كان في ذلك فيه وأنه لا يطرد في كل مكان حذف الجار مع المجرور.

صفحة رقم 182

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية