إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ بمحمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أعم من أن يؤمنوا بقلوبهم أو لم يؤمنوا فدخل فيهم المنافقون، وَالَّذِينَ هَادُواْ أي تهودوا، يقال هاد إذا دخل في اليهودية ويهود إما عربي من هاد بمعنى تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، أو لقولهم : إنا هدنا إليك ١ وإما معرف يهودا سموا بذلك اسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام. والنصارى جمع نصران كندمان والياء في النصراني للمبالغة كما في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصورا المسيح أو لأنهم نزلوا مع المسيح في قرية يقال لها ناصرة أو نصران.
وَالصَّابِئِينَ قرأ أهل المدينة بغير الهمزة والباقون بالهمزة وأصله الخروج يقال صبا بفلان إذا خرج من دين إلى آخر، وصبا ناب البعير إذا خرج، وهم خرجوا من كل دين، قال عمر وابن عباس : هم قوم من أهل الكتاب فقال عمر يحل ذبائحهم، وقال ابن عباس : لا يحل ذبائحهم ولا مناكحتهم، وقال مجاهد : هم قوم نحو الشام بين اليهود والمجوس من أهل الكتاب، وقال الكلبي : هم بين اليهود والنصارى، وقال قتادة : هم قوم يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كل دين شيئا.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ مع محمد صلى الله عليه وسلم بالقلب واللسان، وقيل : المراد بالذين آمنوا قبل البعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نُفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب ووفد النجاشي فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ومنهم من لم يدركه، قال الخطيب : الذين آمنوا بإبراهيم والذين هادوا والنصارى والصابئين الذين كانوا على دين موسى وعيسى قبل النسخ، وحينئذ المراد بمن آمن أي مات منهم على الإيمان. قلت : ويمكن أن يكون من آمن إشارة إلى الذين كمل إيمانهم بتصفية القلب وتزكية النفس والقالب وهم الصوفية، كما في قوله عليه السلام :«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين »٢ راوه الشيخان وأحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس مرفوعا، وحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »٣ رواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس، وحديث :«لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه »٤ رواه الطبراني وصححه، قال البغوي : ويجوز أن يكون الواو مضمرة أي ون آمن بعدك وعمل صالحا على حسب أمر الله تعالى.
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ الذي وعد لهم يعني الجنة لجميع المؤمنين ومراتب القرب والتسنيم وعينا يشرب بها المقربون للكاملين وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الدرجات، ومن مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر إن أو بدل من اسم إن وخبره فلهم أجرهم، والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط ومنع سيبويه دخولها في خبر إن، ورد بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ٥.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان١٥. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد٤٤.
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه١٣. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير٤٥.
٤ أخرجه الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة، قال الهمشي فيه داود بن هلال ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه ضعفا وبقية رجاله رجال الصحيح غير زهير بن عباد وقد ثقه جمع. انظر فيض القدير ٩٩٤٣.
٥ سورة البروج، الآية: ١٠.
التفسير المظهري
المظهري