فغضب عليهم موسى- عليه السلام- قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، يعني أتستبدلون الرديء من الطعام بالذي هو خير أي بالشريف الأعلى؟ ويقال: معناه تسألون الدنيء من الطعام وقد أعطاكم الله الشريف منه وهو المن والسلوى؟ ويقال: أتختارون الدنيء الخسيس وهو الثوم والبصل على الذي هو أعلى وأشرف وهو المن والسلوى؟ فقال الله تعالى لهم: اهْبِطُوا مِصْراً قرأ بعضهم بلا تنوين أي المصر الذي خرجتم منه، وهو مصر فرعون، ومن قرأ مصراً بالتنوين يعني: ادخلوا مصراً من الأمصار، فَإِنَّ لَكُمْ فيه مَّا سَأَلْتُمْ تزرعون وتحصدون، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ. قال الحسن وقتادة: جعلت عليهم الجزية يعني على ذريتهم. ويقال: جعل عليهم كدّ العمل، يعني أولئك القوم حتى كانوا ينقلون السرقين.
وَالْمَسْكَنَةُ يعني زي الفقراء. وقال الكلبي: يعني الرجل من اليهود وإن كان غنياً، يكون عليه زي الفقراء.
وقوله تعالى: وَباؤُ بِغَضَبٍ، يعني استوجبوا الغضب مِنَ اللَّهِ. قال بعضهم:
أصله من الرجوع، يعني رجعوا باللعنة في أثر اللعنة. ويقال: باؤوا أي احتملوا كما يقال:
بوِّئت بهذا الذنب أي احتملته. ثم قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، أي ما أصابهم من الذلة والمسكنة- وهم اليهود- بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، يعني كذَّبوا عيسى وزكريا ويحيى ومحمداً- عليهم وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام- وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أي بغير جرم منهم، وهم زكريا ويحيى. قرأ نافع النَّبِيِّينَ بالهمزة وكذلك جميع ما في القرآن إلا في سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وقرأ الباقون: بغير همز. وروي عن النبي ﷺ إن رجلاً قال له: يا نبيء الله، فقال: «لست بنبيء الله ولكن نبي الله». (والنبيين) جماعة النبي. وأما من قرأ بالهمز، قال أصله من النبأ وهو الخبر لأنه أنبأ عن الله تعالى، وأما من قرأ بغير همز فأصله مهموز، ولكن قريشاً لا تهمز. وقال بعضهم: هو مأخوذ من النبأة وهو الارتفاع، لأنه شرف على جميع خلقه. وقال بعضهم: النبيء هو الطريق الواضح، سمي بذلك لأنه طريق الخلق إلى الله تعالى.
قوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا، أي ذلك الغضب على اليهود بما عصوا أي بسبب عصيانهم أمر الله تعالى، فخذلهم الله تعالى حين كفروا، فلو أنهم لم يعصوا الله تعالى كانوا معصومين من ذلك. وَكانُوا يَعْتَدُونَ يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي.
[سورة البقرة (٢) : آية ٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ، قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن الذين آمنوا وهم قوم كانوا مؤمنين بموسى والتوراة ولم يتهودوا ولم يتنصروا.
والنصارى: الذين تركوا دين عيسى وَتسَمَّوْا بالنصرانية. واليهود الذين تركوا دين موسى وتسمَّوا باليهودية. والصابئين: هم قوم من النصارى ألين قولا منهم. مَنْ آمَنَ من هؤلاء بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ثوابهم. قال مقاتل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، أي صدقوا بتوحيد الله، ومن آمن من الذين هادوا ومن النصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم. وقال القتبي: قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هم قوم آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، فكأنه قال: إن المنافقين والذين هادوا والنصارى والصابئين. ويقال: اليهود سموا يهوداً بقول موسى- عليه السلام- إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]. ويقال: اشتقاقه من الميل من هاد يهود، إذا مال عن الطريق. وأما النصارى قال بعضهم: سموا أنفسهم نصارى بقول عيسى- عليه السلام- مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٢] ويقال: لأنهم نزلوا إلى قرية ويقال لها ناصرة، فتواثقوا على دينهم فسموا نصارى. وأما الصابي فهو من صبا يصبو إذا مال.
ويقال: من صبأ يصبأ، إذا رفع رأسه إلى السماء لأنهم يعبدون الملائكة. قرأ نافع والصَّابِئِينَ بغير همز من صبا يصبو، إذا خرج من دين إلى دين. وقرأ الباقون بالهمز من صبأ يصبأ، إذا رفع رأسه إلى السماء. واختلف العلماء في حكم الصابئين، فقال بعضهم:
حكمهم كحكم أهل الكتاب في أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم، وهو قول أبي حنيفة، لأنهم قوم بين النصرانية واليهودية يقرءون الزبور وقال بعضهم: هم بمنزلة المجوس لا يجوز أكل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم، وهو قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لأنهم يعبدون الملائكة فصار حكمهم حكم عبدة النيران.
ولم يذكر في الآية الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما ذكر الإيمان بالله تعالى فقد دخل فيه الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يكون مؤمناً بالله تعالى ما لم يؤمن بجميع ما أنزل الله تعالى على محمد وعلى جميع الأنبياء- عليهم الصلاة السلام- فكأنه قال: من آمن بالله وبما أنزل على جميع أنبيائه وصدق باليوم الآخر وَعَمِلَ صالِحاً أي أدى الفرائض، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يعني لهم ثواب أعمالهم في الآخرة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من الدنيا. ويقال: ليس عليهم خوف النار ولا حزن الفزع الأكبر. فإن قيل: فيه ذكر من آمن بالله بلفظ الوحدان، ثم قال فلهم أجرهم ولم يقل: فله أجره، قيل له: لأنه انصرف إلى ما سبق ذكره وهو الجماعة فمرة يذكر بلفظ الوحدان لاعتبار اللفظ ومرة بلفظ الجمع لاعتبار المعنى.
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي