ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

أنّهم أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه أحبّ الله عزّ وجلّ أن يستنقذهم من الخطيئة.
وَقُولُوا حِطَّةٌ قال قتادة: حطّ عنّا خطايانا وهو أمر بالاستغفار «١».
وقال ابن عباس: يعني لا اله الّا الله لأنّها تحطّ الذنوب، وهي رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة.
وقال الزجاج: سألتنا حطّة.
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وقرأ أهل المدينة بياء مضمومة وأهل الشام بتاء مضمومة.
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ إحسانا وثوابا والسلام.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا.
وقال مجاهد: كموطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، فدخلوا مترجعين على أشباههم.
قَوْلًا يعني وقالوا قولا. غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ وذلك إنّهم أمروا أن يقولوا (حطّة) فقالوا: (حطا) [......] «٢» يعنون حنطه حمراء استخفافا بأمر الله.
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ وذلك أنّ الله تعالى أرسل الله عليهم ظلمة وطاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا.
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله عزّ وجلّ.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٠ الى ٦٢]
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)

(١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩.
(٢) كلمة غير مقروءة.

صفحة رقم 202

وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ السين فيه: سين المسألة، مثل استعلم واستخبر ونحوهما، أي سأل السّقيا لقومه وذلك أنّهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب، فاستسقى لهم موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه:
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وكان من آس الجنّة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان متّقدتان في الظلمة نورا واسمه غليق، وكان آدم عليه السّلام حمله معه من الجنة الى الأرض فتوارثته الأصاغر عن الأكابر حتى وصل الى شعيب فأعطاه لموسى.
الْحَجَرَ واختلفوا فيه، فقال وهب بن منبّه: كان موسى صلّى الله عليه وسلّم يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجّر منها لكلّ سبط عين وكانوا اثني عشر سبطا، ثمّ يسيل في كلّ عين جدول الى السبط الذي أمر سقيهم، ثمّ أنّهم قالوا: إن فقد موسى عصاه، فأوحى الله تعالى الى موسى لا تقرعنّ الحجارة ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون.
فقالوا: كيف بنا لو أفضينا الى الرّمل والى الأرض التي ليست فيها حجارة، فحمل موسى معه حجرا فحيث نزلوا ألقاه.
وقال الآخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه، والدليل عليه قوله تعالى: الْحَجَرَ فأدخل الألف واللام للتعريف مثل قولك: رأيت الرجل، ثم اختلفوا فيه ما هو.
فقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل أمر أن يحمله وكان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا الى الماء وضعه وضربه بعصاه.
وفي بعض الكتب: إنّها كانت رخاما.
وقال أبو روق: كان الحجر من الكدان وكان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع من كلّ حفرة عين ماء عذب فرات فيأخذوه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء وكان يستسقي كل يوم ستمائة ألف.
وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة «١» ففرّ الحجر بثوبه ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل حتى ظهر إنه ليس بآدر، فلما وقف الحجر أتاه جبرئيل فقال لموسى: إن الله يقول ارفع هذا الحجر فانّ فيه قدرة، فلك فيه معجزة، وقد ذكره الله تعالى في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً «٢». فحمله موسى ووضعه في مخلاته فكان إذا احتاج الى الماء ضربه بالعصا، وهو ما
روي عن أبي هريرة إنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر

(١) الأدرة: نفخ في الخصيتين.
(٢) سورة الأحزاب: ٦٩.

صفحة رقم 203

بعضهم الى سوأة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا إنه آدر قال: فذهب مرّة يغتسل فوضع موسى ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه قال: فجمع موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظر بنو إسرائيل الى سوأة موسى فقالوا والله ما بموسى من بأس قال فقام الحجر بعد ما نظر إليه وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا» [٨٨] «١».
فقال أبو هريرة: وقد رأينا بالحجر ندبا ستة أو سبعة أثر ضرب موسى.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كانت ضربة موسى اثني عشرة ضربة، وظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة، ثم انفجر بالأنهار المطرّدة وهو قوله: فَانْفَجَرَتْ.
وفي الآية إضمار واختصار تقديرها: ضرب فانفجرت أي سالت، وأصل الانفجار:
الانشقاق والانتشار، ومنه فجر النهار.
مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قرأ العامة بسكون الشّين على التخفيف، وقرأ العباس بن الفضل الأنصاري بفتح الشين على الأصل، وقرأ أبو [.....] «٢» بكسر الشين.
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل، المخرج.
كُلُوا وَاشْرَبُوا أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة.
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ: يقال: عثى يعثي عثيا، وعثا يعثو عثوا، وعاث يعث عيثا وعيوثا [بثلاث لغات] وهو شدة الفساد.
قال ابن الرّقاع:

لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا فيه المشيب لزرت أمّ القاسم «٣»
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ الآية، وذلك أنهم ملّوا المنّ والسلوى وسئموها. قال الحسن: كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء «٤»، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عاداتهم عليه، فقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ وكفّوا عن المنّ والسلوى، وإنما قالوا (واحد) وهما اثنان لأن العرب تعبّر عن اثنين بلفظ
(١) مسند أحمد: ٢/ ٣١٥.
(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٣) زاد المسير: ٢/ ١٥٥. [.....]
(٤) العكر: الأصل، وقيل العادة والديدن، والعكر بالتحريك: الصدأ على السيف، راجع لسان العرب: ٤/ ٦٠١.

صفحة رقم 204

الواحد، وبلفظ الواحد عن الاثنين كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «١»، وإنما يخرجان من المالح منهما دون العذب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعاما واحدا فيأكلونه.
فَادْعُ فسأل وادع. لَنا لأجلنا. رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها قراءة العامة بكسر القاف.
وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: وَقُثَّائِها بضم القاف، وهي لغة تميم.
وَفُومِها: قال ابن عباس: الفوم: الخبز، تقول العرب: فوّموا لنا، أي اختبزوا لنا.
عطاء وأبو مالك: هو الحنطة وهي لغة قديمة، قال الشاعر:

[... ] «٣» : هو الحبوب كلّها.
قد كنت أحسبني كأغنى واحد نزل المدينة عن زراعة فوم «٢»
الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج: هو الثوم، وأنشد المعرّج لحسّان:
وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل «٤»
يعني الثوم والبصل فالعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول للصمغ العرفط: مغاثير ومغافير، وللقبر جدف وجدث، ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبد الله: وثومها.
وَعَدَسِها وَبَصَلِها
عن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بالعدس فإنّه مبارك مقدّس وإنه يرقق القلب ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى عليه السّلام» [٨٩] «٥».
فقال لهم موسى عند ذلك: أَتَسْتَبْدِلُونَ وفي مصحف أبيّ: أتبدلون.
الَّذِي هُوَ أَدْنى أخس وأردى.
حكى الفراء عن زهير العرقي: إنه قرأ (أدناء) بالهمزة، والعامة على ترك الهمزة، وقال بعض النحاة: هو أدون فقدّمت النون وحوّلت الواو ياء كقولهم: أولى من الويل.
(١) سورة الرحمن: ٢٢.
(٢) تاج العروس: ٩/ ١٥.
(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٤) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٥.
(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٧.

صفحة رقم 205

بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أشرف وأفضل، ومعناه: أتتركون الذي هو خير وتريدون الذي هو شر، ويجوز أن يكون هذا الخير والشر منصرفين إلى أجناس الطعام وأنواعه، ويجوز أن يكونا منصرفين إلى اختيار الله لهم، واختيارهم لأنفسهم.
اهْبِطُوا مِصْراً يعني فإن أبيتم إلّا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار، ولو أراد مصر بعينها لقال: (مصر) ولم يصرفه كقوله ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١» وهذا معنى قول قتادة.
الضحاك: هي مصر موسى وفرعون.
وقال الأعمش: هي مصر التي عليها صالح بن علي ودليل هذا القول: قراءة الحسن وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة، وكذلك هو في مصحف عبد الله وأبيّ بغير ألف، وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها. قال الشاعر:

وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا «٢»
فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ من نبات الأرض.
وَضُرِبَتْ جعلت. عَلَيْهِمُ وألزموا. الذِّلَّةُ الذل والهوان. قالوا: بالجزية، يدل عليه قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٣» وقال [.....] «٤» : هو الكستيبنج وزنة اليهودية.
وَالْمَسْكَنَةُ يعني ذي الفقر. [فتراهم] كأنّهم فقراء وأن كانوا مياسير، وقيل: المذلة وفقر القلب فلا يرى في أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود، والمسكنة مفعلة من السكون، ومنه سمّي الفقير مسكينا لسكونه وقلّة حركاته. يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر.
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجعوا في قول الكسائي وغيره. أبو روق: استحقوا والباء صلة.
أبو عبيدة: احتملوا وأقرّوا به، ومنه الدعاء المأثور: (أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت)، وغضب الله عليهم: ذمّه لهم وتوعّده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه.
(١) سورة يوسف: ٩٩.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٣، لسان العرب: ٥/ ١٧٥: والعبارة: (وجعل الشمس... إلخ).......

فصلا.


(٣) سورة التوبة: ٢٩.
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.

صفحة رقم 206

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بصفة محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان.
وَيَقْتُلُونَ قراءة العامة بالتخفيف من القتل، وقرأ السّلمي بالتشديد من التقتيل.
النَّبِيِّينَ القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرّد نافع بهمز النبيئين، [ومدّه] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي إنباءا، ونبّأ ينبئ تنبئة بمعنى واحد، فقال الله عزّ وجلّ: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا «١» ومن حذف الهمز فله وجهان: أحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلبا للخفّة لكثرة استعمالها، والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرّفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع «٢».
قال الشاعر:

إنّ جنبي عن الفراش لناب كتجافي الأسرّ فوق الظراب «٣»
وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمّي الرسول نبيا، وإنما دقائق الحصا لأنّه طريق إلى الهدى، ومنه قول الشاعر:
لأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبي من الكاثب «٤»
ومعنى الآية: ويقتلون النبيّين.
بِغَيْرِ الْحَقِّ مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء،
وفي الخبر: إنّ اليهود قتلوا سبعين «٥» نبيا من أوّل النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من] آخر النهار [في ذلك اليوم] «٦».
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا يعني اليهود، واختلف العلماء في سبب تسميتهم به. فقال بعضهم: سمّوا بذلك لأنهم هادوا أي تابوا من عبادة العجل، كقوله أخبارا عنهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٧».
(١) سورة التحريم: ٣.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ١/ ٤٣١.
(٣) كتاب العين: ٦/ ١٩٠.
(٤) كتاب العين: ٥/ ٣٥٢، والصحاح: ٦/ ٢٥٠١. [.....]
(٥) في المصدر: ثلاث وأربعين.
(٦) ما بين معكوفين زيادة عن تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٤، وفي المخطوط العبارة مشوشة ولعلها: (وقامت عبادهم بقتلهم في).
(٧) سورة الأعراف: ١٥٦.

صفحة رقم 207

وأنشد أبو عبيدة:
إنّي امرؤ من مدحه هائد «١»
أي تائب.
وقال بعضهم: لأنّهم هادوا أي مالوا عن الإسلام وعن دين موسى. يقال: هاد يهود هودا: إذا مال. قال امرؤ القيس:

قد علمت سلمى وجاراتها «٢» أنّي من الناس لها هائد
أي إليها مائل.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنّهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة، ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين أتى الله موسى التوراة.
وقرأ أبو السمّاك العدوي واسمه قعنب: هادَوا بفتح الدال من المهاداة، أي مال بعضهم الى بعض في دينهم.
وَالنَّصارى واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري: سمّوا نصارى لأنّ الحواريّين قالوا: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ.
مقاتل: لأنّهم تولوا قرية يقال لها: ناصرة، فنسبوا إليها.
وقال الخليل بن أحمد: النصارى: جمع نصران، كقولهم: ندمان وندامى.
وأنشد:
تراه إذا دار العشيّ محنّفا ويضحى لربّه وهو نصران شامس «٣»
فنسبت فيه ياء النسبة كقولهم لذي اللحية: لحياني، ورقابي لذي الرقبة.
فقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نصري كما يقال: بعير حبري، وإبل حبارى، وإنما سمّوا نصارى لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى وأمّه.
وَالصَّابِئِينَ قرأ أهل المدينة بترك الهمزة من الصَّابِئِينَ والصَّابِئُونَ الصّابين والصّابون في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالهمزة وهو الأصل، يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين.
(١) لسان العرب: ٣/ ٤٣٩.
(٢) كتاب العين: ٥/ ٩٦: والعبارة كالتالي:
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلّا أنا
(٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٤٥٤.

صفحة رقم 208

قال الفرّاء: يقال لكل من أحدث دينا: قد صبأ وأصبأ بمعنى واحد، وأصله الميل، وأنشد:

إذا أصبأت هوادي الخيل عنّا حسبت بنحرها شرق البعير
واختلفوا في الصّابئين من هم:
قال عمر: هم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وبه قال السدي.
وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم.
وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشّام بين اليهود والمجوس لا دين لهم «١».
وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب، وهو رأي أبي حنيفة.
وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يقرّون بالله عزّ وجلّ، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئا.
الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويحبّون ذاكرهم.
عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اختلفوا في حكم الآية ومعناها، ولهم فيها طريقان:
أحدهما: إنّه أراد بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا على التحقيق وعقد التصديق، ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين من هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم يصبئوا، وانتظروا خروج محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وقال آخرون: هم طلّاب الدين، منهم: حبيب النجّار، وقيس بن ساعدة، وزيد بن عمرو ابن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السّندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويحيى الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه، ومنهم من لم يدركه.
وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية.
وقيل: المؤمنون من هذا الأمة.
وَالَّذِينَ هادُوا يعني الذين كانوا على دين موسى عليه السّلام ولم يبدّلوا ولم يغيّروا.
وَالنَّصارى: الذين كانوا على دين عيسى عليه السّلام ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك.
قالوا: وهذان اسمان لزماهم زمن موسى وعيسى (عليهما السلام)، حيث كانوا على الحق
(١) الدر المنثور: ١/ ٧٥.

صفحة رقم 209

فبقي الاسم عليهم كما بقي الإسلام على أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم والصابئين زمن استقامتهم من آمن منهم أي مات منهم وهو مؤمن لأنّ حقيقة الإيمان المؤاخاة.
قال: ويجوز أن تكون الواو فيه مضمرا: أي ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة.
والطريق الآخر: إنّ المذكورين في أول الآية بالإيمان إنّما هو على طريق المجاز والتسمية دون الحكم والحقيقة، ثمّ اختلفوا فيه:
فقال بعضهم: إنّ الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة ولم يؤمنوا بك ولا بكتابك.
وقال آخرون: يعني به المنافقين أراد: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالَّذِينَ هادُوا: أي اعتقدوا اليهودية وهي الدين المبدّل بعد موسى عليه السّلام، وَالنَّصارى: هم الذين اعتقدوا النصرانية والدّين المبدّل بعد عيسى، وَالصَّابِئِينَ: يعني أصناف الكفّار مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ من جملة الأصناف المذكورين في الآية.
وفيه اختصار وإضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر لأنّ لفظ (من) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ «١» وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ «٢» وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «٣». قال وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٤»، وقال الفرزدق في التشبيه:

تعال فإن عاهدتني لا تخونني تكن مثل من ناديت يصطحبان «٥»
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما قدّموا.
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوا، وقيل: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بالخلود في النار، ولا يحزنون بقطيعه الملك الجبّار، ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من الكبائر وإنّي أغفرها، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على الصغائر فإنّي أكفّرها.
وقيل: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما تعاطوا من الإجرام، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما اقترفوا من الآثام لما سبق لهم من الإسلام الآثام.
(١) سورة الأنعام: ٢٥.
(٢) سورة يونس: ٤٣.
(٣) سورة يونس: ٤٢.
(٤) سورة الأحزاب: ٣١.
(٥) لسان العرب: ١٣/ ٤١٩.

صفحة رقم 210

الكشف والبيان عن تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي

راجعه

نظير الساعدي

الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان
سنة النشر 1422 - 2002
الطبعة الأولى 1422، ه - 2002 م
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية