ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا).
وقد أكد الله سبحانه وتعالى الحكم بأنهم أحرص الناس على حياة بالقسم المؤكد باللام ونون التوكيد الثقيلة، ونكر سبحانه وتعالى " حياة " في قوله تعالى: (عَلَى حَيَاةٍ) لتعميم معاني الحياة، فهم يحرصون على حياة أيا كانت صورتها، سواء كانت حياة ذل أم كانت حياة عز، وسواء كانت حياة استعباد أم كانت حياة حرية، وسواء أكانت تحكمها الفضيلة أم كانت تحكمها الرذيلة، إنهم يحرصون على الحياة ذاتها من غير نظر إلى وصفها سواء أكانت مقيتة في ذاتها، أم كانت بكرامة من غير مهانة. وإن هذا يدل على كمال الحرص.
قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي منهم من هم أحرص على حياة أيا كانت من الناس جميعا، ومن الذين أشركوا، وهم الوثنيون، وخُصوا بالذكر، لأنهم لَا يؤمنون بالبعث، وأولئك اليهود أهل كتاب ويؤمنون به في الجملة، ولكنهم مذنبون تحيط بهم خطاياهم من كل ناحية.
وهم أحرص من المشركين على الحياة؛ لأنهم يريدون الحياة على أية صفة عزيزة كريمة أو ذليلة، أما المشركون من العرب فإنهم لَا يريدونها إلا عزيزة لَا ذلة فيها، وشاعرهم الجاهلي يقول:

صفحة رقم 324

ولذلك كانوا أحرص على حياة، والمشركون يحرصون على حياة عزيزة كريمة، وإن كانوا لَا يؤمنون ببعث ولا نشور، ولا حساب ولا عقاب، ويصور الله سبحانه وتعالى حرصهم على الحياة بقوله تعالت كلماته: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَرُ أَلْفَ سَنَةٍ) يود هنا بمعنى: يتمنى أحدهم، أي أحد اليهود، لو يعمر ألف سنة، ولو هنا مصدرية وهي التي تجيء بعد التمني كقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)، فهنا " لو " مع الفعل بعدها مصدر غير أنها لَا تنصِب (مثل أن). وذكر ألف عام لأنه أكبر عدد في زعمهم.. طلب أعرابي عطاء من حاكم من حكام بني أمية، فأعطاه ألفا، فقال له قائل: لو طلبت أكثر من ألف لأعطاك، فقال: لو كنت أعلم أن فوق الألف عددًا لطلبته، فالألف كناية عن أكبر عدد.
ومع أنهم يودون الحياة إلى أقصى أمد، ألفا أو أكثر، فإن العذاب ملاقيهم، (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الذِي تَفِرُّونَ منْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ...)، بالعذاب الذي يستقبلكم؛ ولذا قال تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أْن يُعَمَّرَ) الزحزحة الإبعاد أو الإزالة، وهي تدل على المعاناة في الإبعاد والإخراج من المكان الذي حل فيه كقوله تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ).
و" ما " في قوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ) النافية، والباء دالة على استغراق النفي، وهي زائدة في الإعراب لها دلالة في المعنى، والضمير " هو " يعود على الأحد الذي يود أن لو يعمر ألف عام أو أكبر عدد ممكن، والمعنى على هذا التخريج: وما هو؟ أي هذا الشخص بمبعده ولو بمعاناة ومعالجة عن العذاب تعميره، فالمصدر المكون من (أَن يُعَمَّرَ) فاعل لمزحزحه، وقد أكد سبحانه وتعالى النفي بإعادة الضمير لتأكيد النفي، وبالباء، وبكلمة مزحزح.
وما ذلك النفي المؤكد لوجود العذاب مهما طال الزمن - إلا لأنه ارتكب من الخطايا ما يستحق ذلك، والله تعالى عليم بكل شيء ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) والله ذو الجلال والإكرام القادر القاهر الفاعل المختار بصير أي عالم علم من يبصر

صفحة رقم 325

على مثال ما به الناس، بما يعملونه من شرور وآثام، وجحود بآيات الله تعالى في ماضيهم وحاضرهم، ومنزل من العذاب بمقدار ما يستحقون. ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
* * *
عداوة الملائكة
(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)
* * *
قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: أجمع مفسرو السلف على أن هذه الآية وما بعدها نزلت، لأن اليهود يعدون الروح القدس جبريل الأمين عدوا لهم، لأنه ينزل بالعذاب والهلاك، وأن ميكائيل وليهم لأنه ينزل بالغيث والرحمة، وتعددت الروايات عن الصحابة في ذلك، وكلها ينتهي إلى أنهم واجهوا النبي - ﷺ - بأن جبريل، وهو ولي النبي - ﷺ -، هو عدوهم، وأن ميكائيل وليهم، وأنهم لهذا يفارقون النبي - ﷺ - ولا يتبعونه.
ولئن صحت هذه الروايات أو بعضها ليكونن مؤداها أنهم يتخذون تعلة لكفرهم سواء أكانت التعلة مقبولة في العقل أو مرذولة، ومهما يكن فقد رد الله تعالى قولهم، وأمر النبي - ﷺ - بأن يرد قولهم بقوله تعالى:

صفحة رقم 326

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية
لا تسقنى ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم وجهنم بالعز أطيب منزل